قال متخصصون في الإفتاء والفقه الإسلامي إن الوقف صدقة جارية، لا ينقطع ثوابها لا في الحياة ولا بعدها، وهو من السنة النبوية وإرث حضاري للوطن وللمجتمع ورصيد نامٍ من الحسنات، في وقت أعربوا فيه عن أملهم في أن يكون لكل مسلم على أرض الدولة دور إيجابي في زيادته وتنميته، وتنشيط استثماره، لما يعود بالنفع العاجل على الفقراء والمحتاجين.

كما أكدوا أنه عمل عبادي اجتماعي إنساني يبرز القيم الاجتماعية وينهض بالطبقات الفقيرة والمحتاجة، موضحين أن وقف المال للتعليم هو أنفع شيء للبشر، لكونه ينمي الملكات البشرية ويخرجها من غياهيب الجهالة والاتكال إلى نور العلم والإنتاج.

آليات الوقف

وقال الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، إن جهود الهيئة منصبة على تطوير آليات الوقف وتوعية الجمهور بأهميته، ودور الأموال خاصته في صناعة الخدمات الإنسانية، مشيراً إلى إطلاق الجيل الرابع من منظومة التميز الحكومي، متضمنة مساراً خاصاً «بإدارة الاقتصاد الوقفي».

وأكد أن الهيئة تدرك أن الاقتصاد العالمي بشكل عام و«الخليجي» بشكل خاص بات معرفياً، وأن الأرقام المتصاعدة وراءها تفكير استراتيجي دقيق في بناء التنمية وفي قواعد الاستثمار وأهدافه.

وأضاف محمد الكعبي: وضعت الهيئة آليات نشر ثقافة الوقف، وتنميته وجودة استثماره، ضمن مسارات التميز، وابتكار الأفكار والآليات المترابطة، للوصول إلى أعلى معايير الإنجاز، ومفاعيل التطور التي تنشدها دولتنا العزيزة.

وقال إن الوقف صدقة جارية لا ينقطع ثوابها في الحياة ولا بعد الممات، وهو من السنة النبوية، إذ لم يعرفه العرب قبل الإسلام، كما أنه هو إرث حضاري للوطن وللمجتمع ورصيد حسنات.

وأعرب الكعبي عن أمله في أن يكون لكل مسلم على أرض الدولة دور إيجابي في زيادة وتنمية الأوقاف وتنشيط استثمارها، لما يعود بالنفع العاجل على الفقراء والمحتاجين، خصوصاً أننا نعيش في مجتمع يحب الخير ويتفاعل مع المبادرات والحملات الخيرية والإنسانية، مثمناً في الوقت نفسه دور المواطنين والمقيمين على أرض الدولة في دعم المبادرات الخيرية التي تطلقها الهيئة.

فعل عظيم

من جانبه أكد الدكتور أحمد الحداد كبير المفتين في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، أهمية فعل الخير في عظيم أثره وكبير نفعه، وإذا كان ذلك في العلم والمنفعة الاجتماعية العامة فهي أعظم أفعال الخير، وذلك ما يكون في وقف المال للتعليم الذي هو أنفع شيء للبشر، لكونه ينمي الملكات البشرية ويخرجها من غياهيب الجهالة والاتكال إلى نور العلم والإنتاج.

وأشار إلى أن نبينا الكريم عد العلم الذي يورثه المرء من أهم ما يسري له بعد مماته كما روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له»، وفي رواية «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً كراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته».

وقال: «العلم سواء كان من علمه أو تسبب في تعليم غيره بأن أعانه وشد من أزره حتى تعلم، فإن ذلك يكون في ميزان حسناته، لأن الدال على الخير كفاعله، ولأن في ذلك عون للمرء على الحياة التي لا تستقيم إلا بالعلم والعمل، فكم يكون في ذلك نفع للبشرية».

وأضاف: «خير الناس أنفعهم للناس، وهذا ما يطمح إليه الخيرون كما فعل هذا الرجل الموفق عبد الله الغرير متعه الله بالصحة والعافية، الذي جاد بالثلث من ماله - وهو شيء كبير - للتعليم العالي الذي هو أنفع شيء للإنتاج، فنعم هذا المال الرابح الذي ادخره لنفسه ونفع به الناس، وهكذا ينبغي أن يكون إسهام المال في التنمية البشرية التي هي نفع حقيقي غير خاسر، حيث يتمكن المتعلم أن يفيد نفسه ومجتمعه، وهو ما أشاد به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي يشجع هذا السبيل وهو المبادر لذلك في مشروعه الضخم «دبي العطاء» الذي رصد له عشرة مليارات دولار وعم نفعه الناس وما زال، فبارك الله بهذا التوجه وهذا العطاء وجعله في ميزان حسنات المتصدقين ونفع به الناس أجمعين».

قيمة اجتماعية

من جانبه قال الدكتور فاروق حمادة، المستشار الديني في ديوان ولي عهد أبوظبي: «الوقف عمل عبادي اجتماعي إنساني يبرز القيم الاجتماعية، وينهض بالطبقات الفقيرة والمحتاجة في ميادين تعود على المجتمع بالنفع، فمثلاً وقف التعليم يبرز عبقرية وثقافة وإنجازات المجتمع الحضارية، ووقف الصحة يبرز قيمة التكافل والتلاحم الاجتماعي، وهذه القيم إذا ظهرت في مجتمع معين، فإنها تحقق له الاستقرار والنجاح».

وأضاف «يعتبر الوقف في الدين الإسلامي العمود الفقري للمجتمع، ليكون مستقراً ومستمراً ومزدهراً، فالإسلام دين إنساني بالدرجة الأولى وعالمي وشامل، وهذا العموم لا بد أن يتمشى مع متطلبات المرء بما يحقق له إنسانيته وعزته، لذلك جاءت أحكام الإسلام متفقة مع حاجات جميع فئات المجتمع، وما يحقق مصالح العبد سواء في أمور دينه أو في مصالحه الدنيوية».

وتابع الدكتور فاروق حمادة: إن القرآن الكريم شجع المجتمع المسلم على التراحم والتكافل، فيه يرحم الكبير الصغير، ويعطف فيه الغني على الفقير، ثم إن نظام الوقف الإسلامي لعب دوراً مميزاً في الجانب الحضاري للمجتمعات الإسلامية، وأسهم في انتعاش الحركة التعليمية والعمرانية، والتي أدت بالتالي إلى انتعاش الحياة الاقتصادية.

إحياء سنة الوقف

وأوضح خالد النيادي المدير التنفيذي لشؤون الوقف في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أن الهيئة ومنذ إنشائها تسعى إلى تحقيق استراتيجية الدولة فيما يخص الشؤون الإسلامية، ومن أهدافها إحياء سنة الوقف، والدعوة له، واتخاذ القرارات المناسبة بهدف تنمية واستثمار الأموال الوقفية، واقتراح المشروعات والبرامج والخطط الوقفية ومراقبة ومتابعة تنفيذها، مشيراً إلى أن الهيئة عملت على ترسيخ ثقافة الوقف ودوره الحضاري والإنساني والثقافي في المجتمع.

وقال: إن الهيئة باشرت بإدخال القطاع الخاص منذ عام 2009، حيث زادت الأموال الوقفية أضعافاً عدة، كما ابتكرت قنوات للتنمية الوقفية من خلال بناء شراكات دائمة مع هذا القطاع، والقطاع المصرفي لإيجاد أفضل الوسائل والمعايير الاقتصادية لتنمية مال الوقف، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات عديدة مع الوزارات والهيئات الاتحادية والشركات الاستشارية التجارية للوصول إلى أفضل العوائد التنموية لأصوله.

وأكد النيادي أن هذه الأصول جزء من المال الوقفي في أراض وعقارات سكنية وتجارية وزراعية وصناعية واستثمارات ومــــراكز تجارية وأسهم وصكوك إسلامية.

روح التعاون

من جانبه قال محمد سبعيان الطنيجي إمام وخطيب مسجد الشيخ راشد بالرمس، إن البشرية لا تزال في خير وسلامة ورقي ما دامت بينهم روح التعاون، والتكافل والشعور بالآخر، بعيداً عن مراتع الأنانية والأثرة، وهي لا تزال بخير أيضاً ما أحس الغني بمسغبة الفقير. وأضاف، إن أي مجتمع يُرى في واقعه هوة وجفوة ووحشة وتنافر بين الغني والفقير والصغير والكبير والشريف والوضيع لهو مجتمع مفكك الأواصر، مجتمع فاقد لأبسط مقومات الرقي والاستقرار والتوازن الاجتماعي والاقتصادي المنبثق عن روح التدين والإيمان بأن الإسلام شريعة للفرد والجماعة، ومنهج اقتصادي وثقافي واجتماعي على حد سواء، مشيراً إلى أن من أعظم ما يشد من أزر المجتمعات، ويوثق الصلات بين الطبقات المختلفة مادياً واجتماعياً هي الأوقاف الخيرية.

وأشار إلى أن المسلمين قد بلغوا في الأوقاف ذروتهم التي لم يصل إليها أحد من قبل، فأقاموا المؤسسات الاجتماعية لوجوه البر، وأقفوا للعلم وللقضاء وللصحة وأوقفوا للفقر والقرآن وحفظته وأوقفوا للمساجد والمدارس والأئمة والعلماء وغير ذلك، حتى قضوا بذلكم على بواعث الشح التي يؤز إليها الشيطان أزاً ليرهبهم بالفقر وخوف العيلة، حيث كان سلاحهم في ذلك قول الله، تعالى، (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).