بين وتيرة حياة الأجداد اليومية وتفاصيل مفرداتها، وانغماسها بلحظات الزمن المتسارعة نحو المستقبل، تتشكل صفحات التاريخ، لتسجل ماضياً بعيداً يتلمسه الحاضر، ينبئ عن أناس عاشوا بالوطن وعاش فيهم، صنعوا حياتهم بترفها وشظف عيشها، ليحمل الزمن سيرتهم، توثيقاً وعلماً وهدفاً لمن بعدهم.

وجاءت مبادرة (وثيقتي) التي أطلقها مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث أخيراً، لتصبح الأيقونة الأحدث، التي تحفظ بداخلها صور حياة الماضي في الإمارات قبل الاتحاد وبعده، بغرض الحفاظ على مصادر المعلومات التي تساعد في فهم وتحليل وتوثيق التاريخ، وتكون مرجعاً للباحثين والمهتمين، ونقطة انطلاق الجيل الحالي لبناء مستقبل الدولة التي طالما اعتبرت الإنسان أثمن أصولها.

توثيق التاريخ

وفي حوارها مع (البيان) قالت الدكتورة أمينة الظاهري مديرة إدارة البحوث والدراسات في المركز، إن مبادرة (وثيقتي) تهدف إلى توثيق الأحداث التاريخية المهمة التي مرت بها الإمارات، من خلال حفظ الوثائق بكافة أشكالها المقروءة، والمسموعة، والمرئية..

وأرشفتها في مكتبة خاصة بشكل علمي حديث، يساعد المهتمين في الحفاظ على التراث الثقافي، والإنساني للدولة، من الإهمال والاندثار وبشكل يمكن من خلاله دعم الدراسات التاريخية والتوثيقية التي توضح أسلوب حياة الإماراتيين قبل الاتحاد وبعده.

18 نوعاً

وأضافت أن المبادرة حددت 18 نوعاً من الوثائق، يمكن الاعتماد عليها كمصدر مهم في إثراء المكتبة والأرشيف الذي يُعمل عليه حالياً، مثل الوثائق الورقية، والمخطوطات، والصور القديمة، والأشرطة السمعية والبصرية، التي تحكي عن حقب زمنية قديمة، فضلاً عن القوانين، والأوامر، والعهود، ومحاضر الجلسات والاجتماعات التي تتعلق بمؤسسات الدولة، وسطرت بدايات هذه الأماكن..

كما ينضم لهذه الوثائق أيضاً الوثائق المكتوبة بخط اليد، التي تحدثت عن مناسبات مهمة وفارقة في حياة أصحابها، والكتب القديمة والسير الشخصية والخرائط، وغيرها الكثير.

2030 وثيقة

وأكدت أن عدد الوثائق التي تم تسلمها حتى الآن وصل 2030 وثيقة، وشملت 375 وثيقة ورقية، و1605 صور قديمة، و27 شريطاً سمعياً، و3 أسطوانات مرئية، إضافة إلى 5 وثائق قديمة تم ترميمها، و15 وثيقة تم تقييمها، مبينة أن هذا العدد الكبير من المقتنيات، هو ما تم جمعه خلال فترة زمنية قصيرة، وأن مع انتشار واتساع رقعة المعرفة بالمبادرة، سيكون هناك إقبال أكثر في المستقبل.

حملات إعلامية

وفي هذا الاتجاه أشارت إلى أن الحملات التي قام بها المركز الإعلامي لتعريف الجمهور بالمبادرة، من خلال كافة الوسائل الإعلامية، ساهمت بشكل ملحوظ في تعريف الناس بخططنا وأهدافنا...

وأن الاستمرار في الاعلان عن المبادرة، ساعد كثيراً في الوصول لشريحة كبيرة من الجمهور الذي لا يعرف كثيراً عن مبادرة (وثيقتي)، موجهة الدعوة في الوقت نفسه للجهات الإعلامية للمشاركة في هذا العمل الوطني الكبير من خلال حملات التوعية.

اتفاقية للترميم

ولفتت أن مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث تجمعه مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث اتفاقية، يتم بمقتضاها ترميم كل المقتنيات الوثائقية المهمة، والتي تعد نادرة، وذلك لما يتميز به من احترافية في هذا المجال، فضلاً عن ذلك فإن هناك خطوات للأرشفة الالكترونية يتم اتباعها من خلال مختصين على أعلى مستوى لإنشاء مكتبة كبيرة تجمع هذه الدرر التاريخية بشكل منظم وعلمي.

بيع أو تبرع

وذكرت أن هناك خطوات متبعة عند تسلم الوثائق من الجمهور، فإذا كانت هناك رغبة من مالك الوثيقة ببيعها، فإن المركز يثمنها من خلال لجنة للتقييم تضم 4 متخصصين في هذا المجال، أما إذا كانت هناك رغبة في التبرع بها، فإن المركز يعطي هذا الشخص صورة ضوئية من وثيقته للاحتفاظ بها، حتى تكون لديه نسخة منها إذا ما أراد الرجوع إليها، وينبغي أن يعود تاريخ هذه الوثائق إلى ما قبل العام 1980.

شهادات شكر

وأضافت أن اللجنة تفرز الوثائق، وتصنفها وتبوبها تاريخياً، تبعاً للأقدم فضلاً عن موضوعها ومصدرها، وهناك آلية متبعة تتم لحفظ الوثائق إلكترونياً، وأخذ نسخ منها لحمايتها من الفقدان أو التلف، كما وفرت اللجنة أيضاً الاستمارات والإجراءات اللازمة لتوثيق هذه الوثائق، بشكل قانوني حفظاً للحقوق، وهناك أيضاً شهادات شكر تقدم للمتبرعين بالوثائق، كما راعى المركز حقوق الملكية لأصحاب الوثائق من الأفراد ومالكيها.

مكتبة ومعارض

وأوضحت الظاهري أنه سيتم افتتاح مكتبة تجمع كل هذه المقتنيات الثمينة والمهمة، لعرضها على المهتمين من الجمهور العادي، و المتخصصين والباحثين والزائرين، وسيكون مقرها بجوار المكتبة العامة بمنطقة أم سقيم في الجميرا.

إضافة إلى ذلك توجد كثير من النشاطات الثقافية المهمة التي يشارك فيها مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث كراع رئيسي لفعالياتها، مثل (مهرجان طيران الإمارات للآداب)، الذي سيكون بوابة تعريفية مهمة لنا للوصول لشريحة مهمة من الأجانب الذين يودون الاطلاع على التاريخ الإماراتي ومعرفة تفاصيله، كما لدينا مشاركة أخرى في (معرض سوق السفر العربي) خلال شهر مايو المقبل، لافتة أن مثل هذه الفعاليات لها مردود إيجابي كبير.

رحلات مكوكية

وأشارت أن هناك زيارات يقوم بها المركز لأشخاص، ومؤسسات في دول أخرى، تمتلك وثائق مهمة عن الإمارات، لمعرفة مدى رغبتهم في التعاون، وذلك بعد أن تبين أن هناك كثيرين ممن عاصروا فترة قيام الاتحاد، وخاصة من الموظفين التابعين لشركات التنقيب عن البترول..

وأكبر دليل على ذلك الزيارة التي قمنا بها لشخص أردني، علمنا أنه يمتلك كمية كبيرة من التسجيلات والأفلام الخاصة عن هذه الفترة المهمة، والتي تبرع بها للمركز، كما أننا بصدد الترتيب لزيارات أخرى لبريطانيا والهند، للبحث عن وثائق مشابهة.

كتب وصور وعقود

أشارت الدكتورة أمينة الظاهري إلى أهم المقتنيات التي تسلمتها (مبادرة وثيقتي)، وأهداها أحد الأشخاص من عائلة (بن كلبان)، عبارة عن كتاب بخط اليد، يحتوى على كل الخرائط، والمعلومات، والطرق الملاحية، التي كان يتبعها البحارة قديماً أثناء رحلات الصيد والتجارة، مبينة أن هذا الكتاب لا يقدر بثمن، وقد تم ترميمه بعناية فائقة في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث.

كما توجد وثائق لعقود واتفاقيات، تمت بين الشركات المنقبة عن البترول في الإمارات وبين الحكام آنذاك، ويرجع تاريخ بعضها لعام 1937، فضلاً عن صور نادرة لبعض الشيوخ تجمعهم بأقارب وزوار، وجوازات سفر الإماراتيين قبل الاتحاد، كالجواز البريطاني، والأحمر، وكلها مقتنيات قيمة.