على الرغم من المشقة التي يعانيها من تبعات مهنته وصعوبتها، إلا أن ابتسامته لا تفارق شفتيه، وبريق الرضا والقناعة يلمعان دائماً في عينيه الشاحبتين، يصر دائما على الظهور بمظهر لائق أثناء تأدية عمله أمام الناس، لأنه يعتقد أن مهنة كنس الشارع لا تقل أهمية عن أية وظيفة أخرى، فتراه دائماً مهندماً في زيه الرسمي معتزاً بشخصيته فخوراً بعمله لا يمل ولا يكل.

جد واجتهاد

إنه محمد امتياز لا يزال في منتصف العقد الرابع من العمر متزوج ولديه 3 بنات يعشن مع والدتهن في موطنه الأصلي، ويسافر إليهن كل عام لمدة شهر واحد..

وعندما يعود من إجازته السنوية يعود مرة أخرى إلى الشارع ليمارس عمله بكل جد واجتهاد، في أي وقت من اليوم تصادفه بجوار المسكن وتارة بجوار المسجد القريب وأخرى في آخر الحي ممسكاً بأدواته المعتادة وعربته البلاستيكية يجمع ما جاءت به الرياح من غبار وأتربة، ويلملم ما ألقاه الناس من أعقاب السجائر وعلب المشروبات وأكياس البلاستيك.

كنز لا يفنى

في أحد الأيام بدا مهموماً وحزيناً جالساً في مدخل البناية التي أسكن فيها وعندما حاولت معرفة السبب فهمت منه بأن بعض الناس ينظرون إليه على أنه متسول ويحاولون مساعدته ببعض النقود وهذا الأمر يحزنه كثيرا لأنه يتقاضى راتباً مثلهم.

لمحته بين الصفوف الأولى في صلاة الجمعة منصتا بخشوع وإمعان إلى الخطبة رغم علمي أنه لا يعرف من اللغة العربية إلا بما يصلي به، وكلمة «السلام عليكم»، وكان الخطيب يستعرض بلاغته في اللغة العربية مسترسلاً في شرح فضيلة القناعة والرضا بالقليل، وأن القناعة كنز لا يفنى، وأن من رزق القناعة فقد أفلح، وأن القناعة لا تستقر في النفس حتى يتخلى الإنسان عن التطلع إلى ممتلكات الناس ..

وما في أيديهم، وإذا رضي بما قسمه الله تعالى له كان أغنى الناس، وأن الغنى الحقيقي في عفة النفس عما ليس لها واستشهد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». وبعد أن قضيت الصلاة اقترب مني بابتسامته المعهودة وجلبابه الأبيض الذي لا يرتديه إلا في صلاة الجمعة وهمس في أذني بأن أشرح ما قاله الخطيب في الخطبة ابتسمت وقلت له: إنه كان يتحدث عنك.