يعد تدوين التاريخ وتوثيق الروايات الشفهية، ونقل التراث والعادات والتقاليد، من أكثر الأشياء التي أولتها الإمارات جانباً كبيراً من الاهتمام والعناية، بغية تجميع التراث المحلي وحفظه لما يتهدده من الضياع بسبب التغيرات السريعة التي تشهدها الدولة، ولذلك بدأ الاهتمام بناقلي هذا التراث، وتوفير كل ما من شأنه تسهيل السبل لجمع هذا التاريخ.
إبراهيم محمد صالح العوضي أحد أهم رواة التراث المحلي الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قريبة، واكب فترات التحول التي شهدتها الدولة خلال تاريخها، فوثقها شفهياً، من خلال ذاكرته القوية، وأناس عاصروا الأحداث الكثيرة مثله، وكان أوكل إليه تصميم العرض المتحفي في متحف عجمان منذ افتتاحه.. سبعون عاماً قضاها الرجل في ميادين الحياة بين التجارب والذكريات، جعلته راوياً جيداً للتراث الإماراتي.

مقتنيات مميزة
خالد .. أحد أبناء الراحل الذي اهتم بكل ما كان يقوم والده بجمعه، من مقتنيات أعطاها مرور الزمن قيمة كبيرة، فبدأ في جمعها في مكان واحد، أشبه بمتحف صغير يحكي حياة الراحل، ويعرض لأهم أغراضه الشخصية، التي استخدمها طوال حياته، فأصبحت بمثابة كنز تاريخي، لمن أراد الاطلاع عليه، موضحاً أنه جهز مكاناً داخل مسكنه ليكون مستودعاً لكل هذه المقتنيات، وزوده بكل ما يلزم، حتى يكون لائقاً لعرض هذه المقتنيات، ذهبنا معه لنتعرف عليها عن قرب.
صورة ومعنى
صورة كبيرة للعوضي ملصقة على الباب استقبلتنا، قال عنها ابن الراحل إنها كانت تعرض في أروقة وفعاليات أيام الشارقة الثقافية، وأعجب بها، فأخذ نسخة عنها ليضعها على الباب لتكون واجهة للمكان، وكأن صاحبها يرحب بزواره.
للوهلة الأولى نرى مكاناً ممتلئاً بكثير من الأشياء والمقتنيات المختلفة، جزء كبير منها قديم، كان يحتفظ بها العوضي، على اعتبار ندرتها، وقيمتها المعنوية العالية، وأخرى كانت لاستخدامه الشخصي..
هكذا قال ابنه خالد، الذي أشار إلى قطعة نادرة من «المندوس» الذي كان يعتبر قديماً قلب البيت الذي يخفي في حناياه وقائع حياة الأجداد وذكرياتهم، يفتحون بابه ليلقوا إليه بأشيائهم الغالية إن بقيمتها أو معناها، ليحفظها لهم، وهو صندوق خشبي أو معدني أشبه بالخزانة لكل من المرأة والرجل، كانت النسوة يستخدمنه في حفظ الملابس والحلي وأدوات الزينة والعطور والأغراض الأخرى..
فيما يستخدمه الرجال لحفظ الملابس والأسلحة ومعداتها، فضلاً عن حفظ المال وأمانات الآخرين الذين لا يمتلكونه في بيوتهم، كما توجد على حائط الغرفة صورة كبيرة للعوضي تجمعه بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أثناء افتتاحه لمتحف عجمان، في العام 1991.
70 عاماً
دولاب زجاجي كبير يجمع بداخله كثيراً من المقتنيات الصغيرة، التي كان يستخدمها العوضي، مثل مجموعة من جوازات السفر، وواحد منها يخص إمارة عجمان قديماً، وهناك ساعات قديمة منها ما يخصه وآخر تحصل عليه لندرته، كما توجد قطعة ذهبية نسائية يطلق عليها (الملتفت) وكانت تخص والدته.
وأشار إلى محارة يوجد بداخلها بعض اللآلئ الصغيرة التي يطلق عليها (قماش)، والتي تعد من المقتنيات القديمة جداً لديه، وفي طرف الغرفة توجد مجموعة كبيرة من (الطوس)، وهي آنية قديمة يتعدى عمرها أكثر من 70 عاماً، وتتعدد مصادرها بين الصينية والهندية والإيرانية، وبجوار هذه الطوس، توجد مجموعة من الزجاجات الفارغة يقال لها (النامليت بوتيلة) وكانت تستخدم قديماً لتعبئة المشروبات.

بشتختة وزوالي
إضافة إلى ذلك فهناك مجموعة كبيرة من السيوف والخناجر، كان والده جمعها من خلال رحلاته إلى دول كثيرة وتعد من المقتنيات النادرة، أيضاً هناك (المدخنة) وهي ما كان يستخدمها النساء لوضع أغراضهن عليها حتى تتعطر بالدخون والبخور الموجود بداخلها.
كما توجد أيضا مقتنيات كثيرة كالرحى، التي كانت تستخدم لطحن الحبوب، والشولة التي استخدمت لطهي الطعام، وبعض المقتنيات الصغيرة مثل المرش لتعطير الملابس، و البشتختة التي كان يحتفظ بداخلها بالمجوهرات والأموال وكل ما هو نفيس، وسرير قديم جداً وبجواره (المطرح) وهو الفراش أو اللحاف، وأيضا (الخرس) ..
وهو إناء فخاري كبير كان يوضع فيه مياه الشرب، ويكون تحت شجرة السدر أو اللوز الموجودة بالبيت لتبريده، وهناك أيضا جرامافون أو كما يطلق عليها (البشتختة)، وبعض الزوالي (السجاجيد) الذي مضى على صناعتها 100 عام.

مصحف نادر
بشغف بالغ أشار خالد العوضي، إلى مصحف قديم ملفوف بعناية كبيرة داخل قطعة قماش خاص يلاحظ عليها الاهتمام البالغ، موضحا أنه يعتبر من المقتنيات القيمة جداً لديه، وكان في الأصل لجده، ثم انتقل لأبيه، وغالب الأمر أن عمر المصحف غير محدد الزمن لقدمه الشديد..
موضحاً أن هذا المصحف كان يجتمع حوله الشواب مع والده يومياً خلال شهر رمضان، من بعد صلاة التراويح وحتى قبيل الفجر، ليختموا قراءته يومياً، ورمم المصحف بطريقة مميزة بغرض إطالة عمره والحفاظ عليه، لينتقل إلى أجيال أخرى مستقبلاً، للتعرف عليه وعلى قيمته الكبيرة.
