أكد المشاركون في مؤتمر الشرق الأوسط تحولات الأدوار والمصالح والتحالفات، الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بأبوظبي واختتم فعالياته أمس، أن الاستقرار والازدهار في الوطن العربي لن يتأتى إلا من خلال «معركة ثقافية» تقوم على إقرار التعددية في الجوانب السياسية والثقافية والدينية وضمان التداول السلمي على السلطة والابتعاد عن تقديم شخص أو حزب أو أيديولوجيا بوصفه صاحب الحلول للمشكلات كافة.
وعبر الخبراء عن طموحاتهم بأن يروا إلى جانب القوة العسكرية العربية المشتركة، قوة مدنية فكرية تنويرية مشتركة، لمعالجة الإخفاقات في الماضي ولبناء مشروع مستقبلي أفضل من الحاضر، مؤكدين في الوقت نفسه أن تشكيل القوة العربية المشتركة في اليمن أعاد الأهمية إلى فكرة القوة العربية الموحدة.
وأشارت توصيات المؤتمر إلى أن التنمية الاقتصادية ضرورية قبل التنمية السياسية، فالخبز قبل الحرية، والإصلاح والانفتاح الاقتصاديان لم يتحققا في الوطن العربي، في ظل غياب بلورة نظام للمراقبة والمحاسبة لضمان عدم حصول تجاوزات.
رؤى وأفكار
وأكد الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات في الكلمة الختامية للمؤتمر، أن النقاشات أسهمت في بلورة العديد من الرؤى الاستراتيجية والأفكار الاستشرافية السديدة من خلال أوراق وبحوث علميَّة نوعيَّة، وفرت فرصاً واعدة لتشخيص وتوصيف المشهد السياسي والاستراتيجي الراهن في منطقة الشرق الأوسط، وما يجري فيه من تحولات في الأدوار والمصالح والتحالفات.
وأشار إلى أن الأوراق البحثية قدمت تحليلاً حول أبعاد التهديدات الأمنية في المنطقة، وتسليط الضوء على الظواهر التي تتفاقم خطورتها وتهديدها للأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة والعالم، كظاهرة الإرهاب العابر للحدود، واستراتيجيات التعامل معه، ومستقبل التحالف الدولي ضده إلى بحث ظاهرة الاستقطاب الديني والطائفي الذي بدأ يتصدَّر المشهدين السياسي والأمني في المنطقة.
وأشار إلى أهمية التوصيات التي خرج بها المؤتمر، والتي قدمت تصورات ورؤى واستراتيجيات وتوصيات موضوعية نتمنى من المعنيين بها في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبلدان المنطقة والعالم والمنظمات الدولية والمجتمع المدني مراعاة إمكانية تبنِّيها وتحويلها سياسات وتشريعات وإجراءات على أرض الواقع، تسهم في إرساء دعائم الأمن والسلام والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة والإنسانية في آن معاً.
مستقبل المشهد
وفي جلسة بعنوان مستقبل المشهد السياسي العربي التي ترأسها إبراهيم العابد مدير المجلس الوطني للإعلام، تحدث الدكتور مروان المعشر نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في الولايات المتحدة الأميركية عن دول التغير العربية وفرص الاستقرار وآفاقه.
وقال المعشر: بعد نحو 4 سنوات من الثورات العربية، سواء تلك التي مرت بتغييرات أو لم تمر، كانت الدول العربية أقدر على تعريف نفسها تعريفاً سلبياً أكثر منه إيجابياً والاستثناء الوحيد تمثل في التجربة التونسية، إذ على الرغم من التباين بين القوى السياسية، فقد استطاعت الاتفاق على قواعد العمل السلمي وعدم تغوّل أي مكوّن من مكونات المشهد السياسي على سائر المكونات.
وأضاف: أما بالنسبة إلى سائر الدول العربية، فقد اجتمع بعضها ضمن تحالفات تتم ضد الآخر، فقد تحالفت ضمن تحالف دولي ضد داعش، ذلك الكيان الذي يهدد الدول العربية، كما تحالفت بعض تلك الدول العربية ضد الخطر الإيراني وبرنامجه التوسعي في المنطقة.
وأوضح المعشر أن هذه التحالفات ضرورية لمعالجة التحدي الأمني، ولكن الملاحظ أن الجهود العربية المشتركة ظلت تقتصر على المقاربة العسكرية والمعالجة الأمنية، ولم تمتد لتشمل بناء مشروعات تنموية لفائدة البُعد المدني للدول العربية.
ثلاثة عناصر
وقال المعشر إن ثمة ثلاثة عناصر يجب أن ينظر لها بشكل جدي لمعالجة الوضع العربي هي الإيمان بالتعددية في الجوانب السياسية والثقافية والدينية، فالتعددية السياسية تقوم على العمل السلمي وعلى عدم تغول أي قوة على سائر القوى وضمان التداول السلمي للسلطة. وفيما يتعلق بالعنصر الثاني أوضح المعشر أنه يتمثل في الجانب الاقتصادي، مشيرا إلى أن المنطقة العربية منطقة فتية، إذ إن أكثر من 70 % من السكان لا تتجاوز أعمارهم 30 سنة.
تفعيل المواطنة
وقال إن العنصر الثالث يتمثل في العنصر المجتمعي، إذ لم يعد موضوع المواطنة قابلاً للتأجيل، ولا سيما في دول المشرق العربي والهلال الخصيب خصوصاً، حيث تم تغليب الهويات الفرعية، على حساب الهوية الوطنية منذ نحو قرن، إذ نصل في العام المقبل إلى مرور مئة عام على اتفاقية «سايكس بيكو»، ولم يتم تطوير مفهوم حداثي للمواطنة.
وقال: لا بدّ لنا من التعامل مع الواقع والعمل سوياً بأن الحل هو في يد دول المنطقة وسيتحقق النصر في المعركة الأيديولوجية ضد «داعش» في المنطقة، لكن النصر في المعركة العسكرية يتطلب مزيداً من الدعم الدولي.
من جهته قال السفير ريتشارد ميكبيس المدير الإداري مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامي بالمملكة المتحدة في ورقته، إن المنطقة العربية تشهد تغيّرات لا مثيل لها من قبل، وها هي المفاوضات مع إيران تدخل مرحلة حاسمة؛ وقد أسفر الوضع في اليمن عن اقتراح تشكيل قوة عربية، وهذا تطوّر إيجابي بحدّ ذاته.
محكمة عدل عربية
وأكد الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة خلال الورقة التي قدمها أن الاتجاه السائد لدى المشاركين أنه منذ تأسيس الجامعة العربية جرت محاولات عدة لإصلاحها، فبعد خمس سنوات من التأسيس تم توقيع معاهدة للدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، وقد حققت المعاهدة نقلة نوعية في آليات اتخاذ القرار في الجامعة، ثم توالت خطوات إنشاء سلسلة من المنظمات العربية المتخصصة التي أضيفت إلى لبنات العمل العربي المشترك..
لكن هذه المحاولات للتطوير لم تؤد إلى نقلة نوعية في عمل الجامعة وأدائها، حيث اصطدمت محاولات تفعيل معاهدة الدفاع المشترك بصعوبات بالغة، ولم يقم مجلس السلم والأمن العربي بأي دور فاعل في القضايا والنزاعات العربية، وظلت فكرة إنشاء محكمة عدل عربية على جدول أعمال الجامعة منذ عام 1964 من دون تقدم، كما أن محاولات تعزيز التعاون الاقتصادي العربي لم تفضِ إلى شيء. وقال إن التمسك بفكرة السيادة الوطنية المطلقة سبب هذا الإخفاق الذي استمر على مدار سبعة عقود، في الوقت الذي شهدت فيه تجارب إقليمية أخرى تطورات مهمة مثل الاتحاد الأوروبي وتجربة الوحدة الإفريقية.
عاصفة الحزم
أكد الدكتور عبدالله الشايجي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت في ورقته أن «عاصفة الحزم» هي أول تحرك يكسر قاعدة العجز عن المبادرة من جانب العرب، وقد فاجأ هذا التحرك الجميع، كما فاجأ الأميركيين.
كذلك فاجأ الأداء العسكري العالي للتحالف العربي الأميركيين.
وقال إن عاصفة الحزم تشير إلى تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة في أمن منطقة الخليج، حيث تم شراء كمية كبيرة من الأسلحة طوال السنوات الماضية وحان وقت استخدامها.
ودعا إلى إنشاء اتحاد خليجي لردع القوى المتربصة ومنعها من التدخل في شؤون دول المجلس، مشيراً إلى أن دول الخليج تمتلك الكثير من القوى التي يتعيّن تفعيلها.
