«ماما غزالة»، «أبلة غزالة»، «يدّوه»؛ ثلاثة مسميات تروق لها، وتجد في صداها سعادة لا تطالها أمّ سواها؛ إلا واحدة غمست حياتها في بيئة شبيهة، فحصدت متعة السعادة والمحبة في واقعها المعيشي ونالت سبق الرضا والقبول في محيطها الاجتماعي، فغدت نجمة راسخة في عالم التراث والولاء للماضي.

في سوق الجمعة بمنطقة الشارقة القديمة «قلب الشارقة»، لا تغيب شمس يوم الجمعة الاحتفالي، دون أن توفر للصغار والكبار، متعة نفسية واجتماعية مما تجود به قريحتها التراثية الثريّة، في المسابقات والمعلومات التراثية التي لا تنضب عن لسانها، وصوتها يملأ المكان استمتاعاً.

استوقفنا المشهد، فتوقفنا مع «يدّوه» كما يحلو لها أن تسمع. إنها غزالة مبارك همام، أم سالم وعهود وعبدالله، ابنة الشارقة وواحدة من الأمهات المنتميات إلى بيئة الماضي بأدق تفاصيلها، حتى أمست الخيار الأول على قائمة المؤسسات والفعاليات التي تطمح للاحتفال بالتراث، لتتولى تقديم الحفل ونظم الكلمات والتفنن في ترسيخ المعلومة عبر قوالب تراثية يجد المقيم فيها نفسه كما يستمتع بها المواطن تماماً.

«أبلة غزالة» عملت مُدرِّسة تربية فنية في مدارس عدة في الشارقة، قبل أن تتقاعد فتصبح مَدرَسة تراثٍ متنقلة، ينهل منها كل من يقترب ويبقى في حدود السمع، ذلك ما تجسده فعلاً في مشاركتها الفنية التراثية في سوق الجمعة تحديداً، التي استحوذت على الاهتمام الأكبر من زوار السوق المواطنين والعرب والأجانب أيضاً، والابتسامة لا تفارق وجهاً كما تظل مرتسمة على وجهها.

تقول الجدة غزالة إن شهرتها التراثية بدأت من المدرسة حين كانت معلمة تربية فنية، وحرصت طوال سنوات عملها على غمس الفنون التعليمية بالقوالب التراثية الكثيرة التي بحوزتها، ما أهلها لأن تغدو قيمة في فضاء الاحتفال بالتراث، يراد القرب منها لإنجاح الفعاليات التراثية الكثيرة في إمارة الشارقة وعلى مستوى الدولة، بحكم طلاقة لسانها في التعامل مع مفردات التراث، وحسها الفكاهي المرح في التواصل مع المتلقين.

في أيام الشارقة التراثية، كانت للوالدة غزالة وقفة أخرى معبرة في فقرة التراث التي أبدعتها تحت عنوان «التراث زينة وخزينة»، كناية إلى الذهب، وفي الإطار تحدثت غزالة عن ضرورة تربية الأبناء بتوجهات الأمثال الشعبية، التي تعزز فيهم قيماً سلوكية أصيلة، وتُعلي في نفوسهم «السنع» وملامح التقدير والاحترام، بالنظر إلى الطاقة الإيجابية والقيمة التربوية التي تجسدها الأمثال القديمة.

طوال السنوات الماضية تنقلت أم سالم بين فعاليات تراثية ومناسبات اجتماعية محلية وعربية كثيرة، فزارت الكويت وعُمان ومصر والأردن، مشاركةً في نقل التراث الإماراتي وإيصاله إلى العالم العربي والعالم أجمع، في مناسبات إقليمية مختلفة.

كما هي حياتها خارج البيت والأسرة، متخمة عشقاً بالتراث والأصالة، لا تختلف أوقاتها في بيتها وسط أفراد أسرتها وأحفادها، طوال الساعات الجميلة التي تقضيها على بساط التراث الأوسع في البيت، حيث تقول إن متعتها اليومية لا تكتمل إلا بأجواء التراث وملامح «السنع» التي تحرص على المحافظة عليها في البيت ومع أفراد أسرتها وأحفادها، وكل من يقع في دائرة مسؤوليتها التربوية والوطنية والتراثية.

لدى أم سالم قناعة بأن نقل التراث مهمة إنسانية وتربوية، لا أحد بمنأى عن القيام بها، ومن هذا المنطلق تجدها تفكر وتبتكر وتقرر التميز في مشاركات ومساهمات تراثية معبرة، مشيرة إلى أن الأجيال التي تنشأ في ظل الأدوات اللامحدودة في التطور وعصر التقنية الذكية، تبدو بحاجة ماسة إلى من يأخذ بأيديها إلى الماضي الجميل، ليزودها بملامح صقل الشخصية الإماراتية المنتمية إلى أصالة الماضي، والمتميزة في عصر الذكاء.

وأكدت غزالة أن تجربتها الترويجية للتراث، إن جاز التعبير، منحتها قوة وإرادة للمواصلة في هذا الدرب، وتحقيق نتائج وإيجابيات أكثر، لاسيما وهي تجد في عيون المحيطين بها من الجمهور الزائر للفعاليات التراثية، من العرب والمواطنين خصوصاً، إصراراً على الخوض في أعماق التراث، وانسجاماً مع ما يتلقونه من معلومات ومهارات تراثية، تأتيهم على شكل مسابقات وألعاب ومنافسات محفزة.

في الشارقة، وفي سوق الجمعة تحديداً، وقفت أم سالم في ساحة تراثية شاسعة، ممسكة بسماعة قوية الصدى، ونطقت تشدو في فضاء التراث وسط أهله، وسريعاً تجمّع حولها الآباء والأمهات والأطفال.. المتعة والفرحة والابتسامة كانت القاسم المشترك الأبرز على وجوه الحاضرين.

غزالة الإمارات

إلى الكويت سافرت غزالة مبارك لتجسد مشاركة شخصية أقرب في واقعها إلى المهمة الرسمية، ضمن مهرجان تراثي أقيم هناك، نالت منه جناحاً أسموه «مخيم غزالة الإمارات»، وقدمت فيه تصوراً عاماً عن «السنع» والتراث الإماراتي المندمج والمتكامل والمتوافق مع نظيره الكويتي، في قالب مثير ومبتكر، أمدَّ الجميع بحالة نفسية جميلة، في ظل الأفكار الإبداعية التي رسختها بإرادة شخصية لافتة.