لطالما تردد على مسامعنا مصطلح «الفريج»، الذي يعني الحي السكني التقليدي في المجتمع الإماراتي القديم، وتميّزه العلاقات الاجتماعية المتينة بين سكانه، قوامها التراحم والود والاحترام، لذا ظل «الفريج» أساساً للترابط والتقارب لجيران يعرف بعضهم بعضاً، ومن العُرف في «الفرجان» أنه لم يكن بين أهلها مكان للغرباء، ما ساهم في توفير أعلى درجات الأمن والطمأنينة والاستقرار لقاطنيها، كما أكد المهندس بدر محمد آل علي رئيس قسم دراسات التراث العمراني بإدارة التراث العمراني في بلدية دبي.

وقال: عُرف في دبي عدد من الفرجان، منها: الشندغة والرفاعة والفهيدي في بر دبي، وفريج الشمال والضغاية وعيال ناصر في ديرة، مشيراً إلى أن ما يميز الفريج أزقته الضيقة الواقعة بين المباني، وكان يطلق عليها «السكيك»، وهي ضيقة بقصد توفير الظل للمارين في أغلب أوقات اليوم، وأيضاً لزيادة سرعة هبات النسيم فيها.

ماء «الطويان»

وأضاف المهندس بدر آل علي: إن بيوت الفريج كانت تشيد إما من الأحجار المرجانية أو سعف النخيل، مع توفير الساحات فيها، وهي أماكن للتجمع مثل ساحة العرصة. وكان الفريج يضم مسجداً أو أكثر للصلاة،..

يلتقي فيه الجميع 5 مرات يومياً، وفيه أيضاً بقالة لبيع الاحتياجات اليومية، إضافة إلى المخبز، وكان الناس يتزودون بالماء عن طريق الآبار «الطويان» في البيوت، أو من السقائين الذين يجلبون الماء العذب من الآبار في المناطق القريبة، مثل المنخول في بردبي، وأبوهيل في ديرة.

وأوضح أن المسجد قديماً، أدى دوراً مهماً في التواصل والترابط الاجتماعي بين أفراد الفريج، فكان أساس التعارف والود بين السكان، ومحل التعاون في حل المشكلات، كما كان مقراً لتحفيظ القرآن الكريم للصغار، مشيراً إلى أن رواد المسجد كانوا يتفقدون بعضهم البعض كل يوم، ومن لم يحضر الصلاة يزورونه إن كان مريضاً.

وقت «الضحوية»

وأشار إلى أن سكان الفريج اعتادوا التواصل في المناسبات الاجتماعية المختلفة، مثل العيدين «الفطر والأضحى» والأعراس، وفي شهر رمضان المبارك، حيث يتبادل الأهالي الأكلات الشعبية قبل أذان المغرب، وطوال الوقت تجد السكان في تواصل وتعاون دائم، في السراء والضراء. أما نساء الفريج فيجتمعن يومياً في أحد البيوت وقت الضحى، لتبادل الأخبار والأحاديث وشرب القهوة وتناول التمر، وتسمى «الضحوية».

واختتم رئيس قسم دراسات التراث العمراني حديثه بالقول: مع النهضة التي شهدتها إمارة دبي، فَقَدَ الفريج جزءاً من روحه المتميزة، ونمطه المعماري، حين تحولت الفرجان إلى مناطق سكنية كبيرة، وتحولت الأزقة إلى شوارع. ومع ذلك فإن المناطق التراثية لاتزال تثير ذكريات الماضي، فتُذكّر الناس بالقيم التي كانت سائدة أيام الفريج، وتشعرهم بدفء تلك العلاقات الاجتماعية.

تسمية «الفريج»

ترجع تسمية الفريج إلى كون المجتمع الصغير فيه يُشكل فريقاً واحداً مترابطاً، وفي بعض الأحيان كان يعرف الفريج باسم القبيلة التي تقطنه مثل فريج المرر، أو العائلة مثل فريج عيال ناصر، وكان اسمه أحياناً يُستمد من العمل السائد لدى قاطنيه، مثل فريج الضغاية الذي يعمل أهله بمهنة صيد السمك، وتعرف محلياً بـ «الضغو» أي صيد سمك السردين «العومة» بالشباك، وقد يُنسب إلى صفة المكان مثل فريج الرفاعة الواقع في منطقة مرتفعة عن مستوى سطح البحر.