إصرار كبير وإرادة قوية، تجدهما لدى ذوي الاحتياجات الخاصة غالباً ومن يعيش قريباً منهم، وهو ما يمكنهم من التغلب على سيل التحديات التي تواجههم، فتجدهم منهمكين بالبحث عن طرف الخيط الذي سيرشدهم إلى اكتشاف مكامن القوة والإبداع في شخصياتهم.
بفعل الإصرار على التفوق والانتصار على الذات، تشاهد كفيفاً يصف الأماكن بدقة لا يدركها المبصر، وأصم تخط يده بلاغة لا تجدها عند الأسوياء، وآخر يعاني ضعفاً في القدرات العقلية، ولكن إبداعاته لا توحي بذلك، كما هو الحال مع محمد يحيى ابن التاسعة عشر ربيعاً، الذي ولد يعاني من متلازمة داون، التي يرافقها انخفاض لمعدل الذكاء، وارتباط بسلوكيات غير مضبوطة.
دعم نفسي
قبل بضع سنوات، التحق محمد بمركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، وحظي بالتأهيل والتدريب ونال الدعم النفسي والعلمي..
حيث عكف القائمون على المركز، على متابعة حالته الصحية باهتمام شديد بعد أن رفضت التجاوب مع التأهيل في بداية الأمر، وذلك نظراً لتعنت مثل هذه الحالات لدى الكثير من الأطفال، ورفضهم الاستجابة لخطوات المختصين، لذلك بدا الأمر طبيعياً لدى المعتنين بحالته، ولم يزدهم ذلك إلا إصراراً ورغبة في تأهيله وتغيير سلوكياته إلى الأفضل.
بعد مرور فترة قصيرة، لاحت بوادر التفاؤل لدى محمد الذي تنازل عن سلوكيات كثيرة غير مرحب بها، وهجر الكثير من التصرفات السلبية، واستبدلها بممارسات إيجابية، فاستبشر بذلك معلموه وأسرته التي وقفت إلى جانبه في مختلف الظروف، وكانت حريصة على مده بالدعم اللازم، الذي انعكست تأثيراته بصورة جلية على سرعة تحسن حالته العقلية والنفسية والصحية.
سر الإعجاب
لم تقتصر جوانب الرعاية على تنمية القدرات العقلية والتأهيل، بل تخطت ذلك إلى البحث عن الموهبة التي تميز شخصية محمد، وذلك أحد محاور الرعاية التي كان يبحث عنها القائمون على رعايته بصمت ومتابعة عن كثب، إذ بدا لهم إعجابه بالكاميرا، التي يسارع في حملها فور مشاهدته لها، أو يطلبها من الأشخاص الذين يحملونها، من هنا تشكلت بارقة الأمل التي كشفت عن سر الإعجاب والحميمية التي يكنها محمد للكاميرا.
التعلق بالكاميرا وصل به إلى حد تقليد المصورين في طريقة التقاط الصور، وبتحليل الصور الجمالية التي كان يلتقطها محمد..
وجدوا فيها عوامل مشتركة من الجمال والتميز فرضت على المتابعين لحالته تبني هذه الموهبة وتطويرها من خلال تغذية قدراته بالمعلومات الأساسية في التصوير وفنونه، وهو ما وطد علاقته مع الكاميرا، التي حرصت أسرته منذ الوهلة الأولى على توفيرها له، كما أبدت استعداداً لتوفير الدعم والكاميرات لسائر الأطفال في المركز، الذين لا تعينهم ظروفهم المادية على ذلك.
المركز الأول
تفجرت موهبة محمد بعد اقتنائه كاميرا خاصة أصبحت رفيقته في الحل والترحال؛ بعدستها يلتقط جماليات المناظر من زاويا إبداعية شتى، كما كانت عدسته توثق الفعاليات الداخلية والخارجية التي ينظمها المركز، وبفعل هذا الدعم والتحفيز، واستناداً إلى مهارته في التصوير، استطاع أن يحقق مراكز متقدمة في مسابقات عدة، كان آخرها المركز الأول في جائزة لطيفة بنت محمد لإبداعات الطفولة، في فئة التصوير.
