دعا الدكتور محمد أحمد بن فهد، رئيس اللجنة العليا لجائزة مؤسسة زايد الدولية للبيئة، إلى أن يشكّل منتدى دبي الدولي الأول حول أنماط الحياة المستدامة، فرصة للحكومات والجهات المعنية الأخرى لإعادة النظر في أنماط تصميم السلع وإنتاجها واستهلاكها، بهدف تمكين الناس في جميع أنحاء العالم للتحول نحو مجتمع تعي الأجيال فيه حقيقة وجوب العيش، وفقاً لقدرات كوكبنا وموارده الطبيعية المتوافرة.
وناقشت جلسات المنتدى الذي نظمته مؤسسة زايد الدولية للبيئة أمس، عدة موضوعات تمحورت حول «أنماط الحياة المستدامة»، و«دعوة لتحرك قطاع الأعمال»، و«شباب اليوم صانعو القرار غداً»، كما طرحت وناقشت دروساً وعبر مستفادة: تغييرات مؤسساتية لتسهيل أنماط الحياة المستدامة. وأكد القائمون على المنتدى أن النتائج والقرارات الصادرة عنه، سيتم تقديمها لبرنامج أنماط الحياة المستدامة، خلال اجتماع اللجنة الاستشارية المتعددة الأطراف، ضمن الإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المستدامة، المزمع عقده في اليابان في مارس.

وياتي تنظيم المنتدى بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبدعم فني من الأمانة العامة للإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المستدامة، والاتحاد الأوروبي عبر مشروع SWICTH-Med، وبمشاركة ممثلين عن الحكومات والقطاع الخاص، وخبراء دوليين وأكاديميين، حيث يهدف الى لتعزيز التحول إلى أنماط الحياة المستدامة في المستقبل، لا سيما في المنطقة العربية.
تأثير عالمي
وفي كلمته الافتتاحية، أعرب بن فهد عن أمله بأن يُحدث هذا المنتدى الذي يعقد لأول مرة، حول دراسة أنماط الحياة المستدامة، تأثيراً عالمياً موحداً وشاملاً في عملية التحول نحو أنماط الحياة المستدامة.
وأضاف: «تهدف مؤسسة زايد الدولية للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة خلال هذا المنتدى الدولي الأول إلى أن يضع المشاركون خريطة طريق، تهدف إلى توفير المعرفة والمهارات، وتمكين المجتمعات المحلية لتصبح اللاعب الرئيس في مسيرة التغيير والسعي نحو أساليب وأنماط حياة أكثر استدامة».

وختم كلمته بالقول: «إن عملية خلق أنماط حياة مستدامة لا تتمّ دون المشاركة الفعّالة لصانعي السياسات وقادة الأعمال والمستهلكين، ولذلك ركز المنتدى على السيناريوهات المختلفة التي يجب اتباعها لفرض أنماط الحياة المستدامة، بما في ذلك الدور الرئيس لأصحاب القرار والجهات الفاعلة الأخرى، فيحشد الدعم الدولي اللازم لوضع حلول للأسواق، من أجل تبنيها أنماط إنتاج سلع أكثر استدامة اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً».
تحية وتقدير
وفي كلمته، توجه إبراهيم ثياو، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، بعميق التَّقدير والتَّحِيّة لدولة الإمارات، وخص بالشّكر والتَّقدير وزارَة البيئة والمياه، ومؤسسة زايد الدولِية، لاستضافتهما ودعمهما للجهود الدولِية الرامية إلى إرساء قواعد التَّنمية المستدامة، والحث على تحقيق أهداف الإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المُستدامين في المنطقة العربية والعالم.

وقال: «إنهُ لمن دواعي الفخر أَن يعقد المنتدى الأَول حول أَنماط الحياة المستدامة هنا في قلب المنطقة العربيّة، مهد الحضارات والأديان السماويّة، حيث أضاءَ الإسلام بنوره آفاق الإنسانِيَّة، وأَرسى القواعد الأساسيّة للعدل والرَّحمة والأَمانة، تلك المبادئ التي تقوم عليها أُسس التَّنمِيَّة المُستدامة والاستِخْدام الرَّشيد والمُتَوازن لِلْمَوارد الطَّبيعيّةِ. فَالإنْسانُ مستخلفٌ في الأَرض، يحمل أَمانَةَ الحفاظ عليها وعلى مواردها بحساب ودون تبذير».
وأشار إلى أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عمل مع الدول الأعضاء منذ عدة سنين، من أجل الاهتمام بالانتقال إلى أنماط الحياة المستدامة، وأن برنامج الإطار العشري للاستهلاك والإنتاج المستدامين الذي تبتنه الدول في قمة الأمم المتحدة ريو 20 عام 2012، يعد أداة تنفيذ لتلك الأنماط وتبني السياسات الخاصة بها.
تأصيل التعاون الدولي
وأوضح أن المنتدى يهدف إلى تأصيل التعاون الدولي للتشجيع على تنفيذ سياسة أنماط الحياة المستدامة، وسوف يسهم في تعزيز البرنامج الإقليمي حول أساليب الحياة المستدامة، والتعليم الذي يعتبر جزءاً من خريطة الطريق الإقليمية العربية القائمة، والهادفة إلى تسهيل عملية تنفيذ الإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المستدامين.
وأضاف: «جميعنا مسؤولون عن السعي في تنفيذ سياسات أنماط الحياة المستدامة، واليوم إن أكثر من نصف شعوب العالم تعيش في المدن مع استمرار اتباع أنماط الحياة غير المستدامة، بينما بالأمس كان الإنسان يعتمد بالكامل على الطبيعة لتأمين سبل العيش التي كانت متناسقة مع الطبيعة، ونحن على ثقة بأن الإنسان الحضري سوف يعتمد غداً على الطبيعة بشكل أكبر».
وقال: «إنها ليست قضية اقتصاد متطور مقابل آخر نامٍ، بل إنها قضية عالمية، إذ إن ترسيخ مبدأ أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة سوف يكون حاسماً بالنسبة إلى مستقبل كوكبنا، خاصة أن المجتمع الدولي قد اعترف بهذا الواقع، من خلال تضمين أهداف التنمية المستدامة هدفاً خاصاً متعلقاً بهذه القضية».
وأضاف ثياو: «أن الشركات التي اعتمدت نماذج الأعمال المبتكرة، وأدمجت الاستدامة في استراتيجياتها الأساسية، نمت بشكل سريع في الوقت الذي ظلت فيه أسواقها على حالها، مؤكدة بذلك تزايد الوعي العام حول أنماط الحياة المستدامة، والخيارات الاستهلاكية الناتجة عن هذا الوعي، والربح الذي تحققه الأعمال التجارية إن اعتمدت ممارسات أكثر استدامة».
ولفت إلى أن الوصول إلى مجتمعات تعتمد التنمية المستدامة والكربون المنخفض، لا يمكن تحقيقه دون تمكين الناس وتشجيعهم على تغيير أنماط عيشهم، متابعاً القول: «هذا المنتدى سوف يسهم في تسريع معدل التغيير الذي ارتفعت وتيرته بالفعل في قطاع الأعمال وخارجها».
مواكبة المبادرات الدولية
من جانبها، قالت الدكتورة مشكان محمد العور، الأمينة العامة لمؤسسة زايد الدولية للبيئة، إن عقد المنتدى في دولة الإمارات يأتي في إطار ترجمة رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بأن تصبح مؤسسة زايد للبيئة عالمية بامتياز، لمواكبة المبادرات الدولية في هذا المجال، وربطها بالمستوى المحلي، إلى جانب نقل الإرث البيئي الذي خلّفه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى المستوى العالمي.
كما يهدف المنتدى من خلال رسالته وموضوعه إلى وضع الدولة على الخريطة الدولية المتعلقة بمجالي التنمية والاستدامة، لا سيما أنها من الدول السباقة على مستوى المنطقة على صعيد التنمية المستدامة، وإيجاد طرائق جديدة أقل تأثيراً في تطوير وتقديم السلع والخدمات لتلبية احتياجات الناس، وتوفير مساحة ملهمة للحوار حول كيفية تحديد وتنسيق وإدماج الجهود الدولية ضمن مسار تحقيق أنماط حياة مستدامة على الصعيد العالمي.
وأضافت: «نحن نواكب سياسة حكومة دولة الإمارات بشأن استراتيجية تعزيز وبناء الاقتصاد الأخضر من أجل التنمية المستدامة». وقالت: «توفر محاور المنتدى مادة مفيدة وإطارات عملية للمشاركين، للبدء بتطبيق مبادئ أنماط الحياة المستدامة في بلدانهم، وتطويعها لتتناسق مع الوضع الخاص لكل بلد، ما يسهم في دفع مسار اعتماد هذا النمط على الصعيد العالمي نحو الأمام».
أول منتدى عالمي
من جانبه، قال إياد أبو مغلي، المدير التنفيذي والممثل الإقليمي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، المكتب الإقليمي لغرب آسيا، إن الحدث هو أول منتدى يقام على مستوى العالم لمناقشة سبل تغيير أنماط الحياة غير المستدامة إلى مستدامة، بمشاركة خبراء عالميين ومختصين، سيركزون على عدة محاور، منها على أنماط الحياة المستدامة، والمدن الكفؤة المستدامة، ومصادر الغذاء المستدام، والطاقة والنفايات.
وقال إن فكرة اختيار دولة الإمارات لعقد هذا المنتدى الدولي، نابعة من الشراكة بين مؤسسة زايد الدولية للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وحرص المؤسسة على جعل الإمارات دولة رائدة ومتميزة وفاعلة في مجال أنماط الحياة المستدامة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن الهدف الرئيس من هذا الحدث العالمي هو الخروج بنتائج وقرارات سيتم تقديمها خلال اجتماع اللجنة الاستشارية متعددة الأطراف لبرنامج أنماط الحياة المستدامة ضمن الإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المستدامة، المزمع عقده في اليابان في مارس المقبل.
وأوضح أن برنامج الإطار العشري لبرامج الاستهلاك والإنتاج المستدامين اتفقت عليه الدول في قمة ريو 20 عام 2012، من أجل تحويل أنماط الحياة من غير المستدامة إلى المستدامة.
وأضاف: «ينبثق موضوع المنتدى من مفهوم التنمية المستدامة الشاملة الذي يعنى تكامل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئة بعضها مع بعض، لتحقيق تنمية بشرية تحقق العدالة الاجتماعية، وتكفل العيش الكريم للأفراد والآمال المستقبلية التي يطمحون إليها، مع العلم أن أنماط الحياة المستدامة تشمل كل الجوانب الحياتية، مثل استخدام وسائل النقل، الوقود، الكهرباء، الغذاء الزراعة، الصناعة، وغيرها، وأن نغيرها إلى أنماط مستدامة من الناحية البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
إن مفتاح التغيير هو الاستهلاك المستدام، بأن يطالب المستهلك المنتج بخدمات معينة وبسلع مستدامة، لأن اختيار المستهلك للسلع والخدمات البيئة يتكئ على أساس بيئي واجتماعي واقتصادي، وهذا يحتاج إلى أن تكون الجهة المشرعة واعية لأهمية أنماط الحياة المستدامة لتوفير بيئة تشريعية سليمة.
الاقتصاد الأخضر
كشف إياد أبو مغلي، المدير التنفيذي والممثل الإقليمي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة المكتب الإقليمي لغرب آسيا، لـ«البيان» عن نية «البرنامج» إعداد واعتماد منهاج دراسي حول الاقتصاد الأخضر في جميع الجامعات العالمية، بهدف توفير وسيلة للدول للتحول نحو التنمية المستدامة، بما يشمل مجالات الاقتصاد والإنتاج والطاقة والبيئة والعلاقات المالية والزراعة وغيرها.
وقال: «يعكف برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وفريق من العلماء المختصين من جميع دول العالم، وخصوصاً من جامعة تونجي الصينية، على إعداد هذا المنهاج الذي تدعمه مؤسسة زايد الدولية للبيئة مادياً وفنياً، ويرجح إصداره خلال العام المقبل، ليصبح مقرراً في جميع جامعات العالم.
والهدف منه تدريس مادة الاقتصاد الأخضر على مستوى الدراسات العليا، إذ يعتمد هذا النوع من الاقتصاد على مبادئ الإنتاج الأمثل، وإدارة الموارد الطبيعية، بشكل يحقق التنمية الاقتصادية، بما لا يؤثر سلباً في مصادر الطبيعية، أو يؤدي إلى تلويث البيئة».

حسام علام: الفرد أساس التنمية المستدامة
قال الدكتور حسام علام، المدير الإقليمي في برنامج النمو المستدام، إن أفراد المجتمع هم حجر الزاوية في تحقيق التنمية المستدامة والتحول نحو أنماط الحياة المشابهة، من خلال اكتساب الوعي والثقافة بأهمية وأد أساليب وأنماط الحياة غير المستدامة، ودفع الصناعات إلى إنتاج سلع وخدمات توفر ثالوث التنمية المتكئ على البيئة والاقتصاد والمجتمع. وأضاف، خلال أعمال منتدى دبي الدولي لأنماط الحياة المستدامة: «بدون إرادة ووعي الأفراد المستهلكين بأهمية اتباع أساليب الحياة المستدامة، فإن الاستدامة بمفهومها الواسع والشامل لن تتحقق، وستبقى مواردنا الطبيعية في مهب الريح إذا ما بحثنا عن الحلول البديلة الطويلة الأمد».
وأضاف أن على الإعلام دوراً كبيراً في الترويج لموضوع الاستدامة إذا كان ملماً بها، من خلال الرسائل الإعلامية التي يبثها للجمهور. وشدد على أهمية دمج الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية في الدول، وأن البعد الاجتماعي هو ركيزة المحاور والمسؤول عن المحافظة على الموارد الطبيعية وعلى الاقتصاد. وقال: «ليس هناك أي مشروعات بيئة بمفردها، بل هناك بيئة اجتماعية اقتصادية، وإن البيئة والاقتصاد تعنيان المحافظة على الموارد الطبيعية».
جزء أصيل من ثقافتنا
ومن جانبها، قالت حبيبة المرعشي، الرئيسة التنفيذية للشبكة العربية للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، إن أنماط الحياة المستدامة جزء أصيل من ديننا الإسلامي، ومن ثقافة مجتمعاتنا العربية التي قالت إنها تعرضت خلال الخمسين عاماً الماضية إلى أنماط اقتصادية دخيلة تحت مسميات عدة.

وقالت إن موضوع المنتدى خطوة واسعة على طريق إعادة تطوير المنطقة في الألفية الجديدة، داعيةً المؤسسات التعليمية إلى تناول مسألة الاستدامة في كل جوانب الحياة بعين الاهتمام، لجهة تدريسها مقررات ومناهج معتمدة، مشددة على أن حكومة دولة الإمارات توفر بيئة خصبة لأصحاب المصلحة من المجتمع والقطاع الخاص والمؤسسات والجمعيات الأهلية والبحثية والأكاديمية للتحول نحو التنمية المستدامة. وأضافت المرعشي: «هناك محاولات جادة منذ 15 عاماً لتغيير ثقافة الأجيال بشأن أهمية انتهاج التنمية المستدامة في سلوكياتهم، عبر عدة جهات مسؤولة، وطالما أن قيادة دولة الإمارات تعي أهمية الاستدامة في كل القطاعات، فمعناه نحن في الاتجاه الصحيح ونحو الهدف المنشود».
آمال
يهدف منتدى دبي الدولي الأول حول أنماط الحياة المستدامة، إلى تحديد العوامل التي تؤدي إلى أنماط حياة واستهلاك غير مستدامة، وبحث السبل لتحويلها إلى مستدامة، ومناقشة العوائق التي تحول دون حدوث التغيير في تلك الأنماط، عن طريق تبادل المعارف والخبرات، والمبادرات، والتطرق إلى مجالات مثل الحياة اليومية، والبيئة، والتنقل، والسلع الاستهلاكية والخدمات، واستهلاك الغذاء والصحة والرفاهية.




