سنوات طويلة قضاها عبدالجبار بن محمد بن ماجد الماجد في خدمة المجتمع بإمارة دبي دينياً وثقافياً وإنسانياً، حيث عاد شاباً من رحلة جاب فيها المنطقة لتحصيل العلوم الشرعية وبدأ في نقل تجاربه وخبراته إلى أهله لينهل تلاميذه منه الفكر الوسطي ومبادئ الشريعة إلى أن غيبه الموت الثلاثاء الماضي لتفقد الإمارات بوفاته قامة من قامات العلم، والفقه، والفكر، والأدب، وصاحب المسيرة المضيئة وأحد رواد الدعوة والثقافة وخدمة المجتمع في الدولة.
ولد الماجد في دبي، وتعلم في المدرسة الأحمدية، ثم رحل مع والده وأخوته إلى مكة المكرمة، ودرس في «الصولتية» أول مدرسة هناك، كان زارها الملك عبدالعزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، وسماها «أزهر بلادي».
ولم يكمل الماجد دراسة «الصولتية»، إلا أنه حفظ فيها القرآن وبعض المبادئ، ثم عاد مع والده، وكان ـ رحمه الله ـ يعنى بالعلم، وكان السبب في تعلم الشيخ محمد نور بن سيف بن هلال في مكة، لأنه خاله، أي أن والده شقيق والدة الشيخ محمد نور.
حينما عاد عبدالجبار الماجد إلى دبي، رجع إلى المدرسة الأحمدية تلميذاً ومعلماً، واستمر الحال على هذا المنوال حتى عاد مرة أخرى مع الشيخ محمد نور، وعمر الماجد، وأحمد بن ظبوي إلى مكة، وعملوا جميعاً في مهنة التعليم، حيث عمل رحمه الله معلماً في مدرسة الفلاح مع أحمد بن ظبوي، أما عمر الماجد فاشتغل معلماً في مدرسة الرحمانية التي أنشئت فيما بعد.
كان رحمه الله شاعراً، وكان يتعاطى الشعر في الدورة الصيفية التي تجمع المدرسين ليستفيدوا ويزدادوا علماً من شعره وأدبه وفكره.
واستفاد رحمه الله من الكثير من التجارب، ومن العلماء المنتشرين في الحرم المكي، والذين كانوا يدرسون جميع العلوم من تفسير، ولغة عربية، وأحاديث، وما يحتاجه طالب العلم في ذلك الوقت، حتى تميزنا في بعض الأحيان عن كثير من المعلمين.
دائرة الأوقاف
وبقي المرحوم عبدالجبار الماجد في مهنة التدريس في الخارج أكثر من 20 عاماً، ثم وبدعوة كريمة من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عاد إلى دبي، ولم يكن اتحاد دولة الإمارات في ذلك الحين قد قام، فعرض عليه الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله، تأسيس دائرة للأوقاف، فأسسها.
وخلال عمل المرحوم في دائرة الأوقاف فترة طويلة، عرض على المغفور له الشيخ راشد بن سعيد عليه فكرة تشبه دائرة الشؤون الاجتماعية لحرصه طيب الله ثراه على نفع الوطن والمواطن، وكرامة المواطن، فأسس دائرة الشؤون الاجتماعية، واضافها إلى دائرة الشؤون الإسلامية، وبقي المرحوم يديرها إلى أن تقاعد من العمل بعد خدمة أكثر من 35 سنة بين التدريس والإدارة والعمل هنا وهناك.
الإنسان المعتدل
ويقول بلال البدور أمين نائب رئيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي: كان الشيخ عبدالجبار الماجد رحمه الله، من القلة التي غادرت الدولة في منتصف القرن الماضي للدراسة في المملكة العربية السعودية وتحديداً في مكة، وعاد بعد رحلة الدراسة مزوداً بالعلم والفقه، وعمل بعلمه من خلال وجوده على رأس دائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دبي في ذاك الحين، اذ كان خطيب الجمعة والعيديْن، وكان يدعو في حديثه إلى التسامح والفكر المستنير، كونه إنساناً معتدلًا، منفتحاً على الثقافات، غير متزمت في آرائه وفتاواه.
كما كان له رحمه الله برنامج تلفزيوني «من أجل حياة أفضل»، وكان يتحدث فيه عن الأسرة والمجتمع وحقوق وواجبات المرأة، والانفتاح في الفكر، والدعوة إلى التواصل مع الثقافات والأفكار الأخرى، وكان يستشعر بهذه الرسائل ما يدور الآن في هذا الزمن من فكر وآراء».
ولم يكن رحمه الله إنساناً عادياً، بل كان غنياً بالعلم والثقافة والفقه والأدب، وكان رحمه الله شاعراً يجسد آراءه وأفكاره من خلال القصائد، وعندما كان عضواً في المجلس الثقافي في دبي الذي تأسس بداية قيام الدولة، وعضواً في هيئة تحرير مجلة المجتمع، وكان له فيها مقالات وقصائد شعرية، كما كان ينقل ويعكس رحمه الله آراءه وأفكاره ورؤاه في حديثه عندما كان عضواً في المجلس الوطني الاتحادي ممثلاً عن إمارة دبي.
وكانت شخصية عبدالماجد الجبار رحمه الله فذة، يجمع بين علم العلماء وثقافة المفكرين وبساطة رجل الإمارات الذي يرفض التشدد ويدعو إلى التسامح والسلام والانفتاح والاعتدال والبعد عن التزمت والتشدد ونبذ الآخر.
والحديث بحق المرحوم عبدالجبار الماجد يطول ويطول، ولا شك أن دولة الإمارات فقدت بموته رحمه الله علماً له تأثير إيجابي في المجتمع، وله بصمات وذكريات مضيئة في نفوس أبناء الدولة الذي يدينون له بالفضل، وما برحوا يدعون الله أن يتقبله مع الصديقين والشهداء والعلماء وحسن أولئك رفيقاً، رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته، ولنا ولكم من بعده طول البقاء وعظيم الأثر».
فقيه
وقال عبدالغفار حسي: كان المرحوم عبدالجبار الماجد من الرعيل الأول والمثقفين والكتاب والشعراء في دولة الإمارات، ينتمي إلى عائلة معظمها من العلماء والفقهاء والرعيل وشيوخ الدين في الدولة.
وأضاف: ينتمي نسبه رحمه الله للشيخ محمد نور الذي كان والد زوجته رحمه الله، كما تتلمذ على يده المدرسة الأحمدية، وقد كان رحمه الله زميلاً لنا في تلك المدرسة، ونبيهاً ونجيباً في دراسته، ومتفوقاً على زملائه الطلبة، وقد سافر إلى المملكة العربية السعودية بعد إنهاء دراسته الثانوية مع الشيخ محمد نور، وتتلمذ على يده وعلى أيدي غيره من العلماء والفقهاء، ثم عاد في منتصف الستينيات للإمارات، وولاه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري.
وأضاف: كان رحمه الله عضواً في المجلس الوطني إبان تأسيسه، وبقي عضواً فيه على مدى دورتين متعاقبتين، تولى فيهما رئاسة أكثر من لجنة، وله أحاديث كثيرة ومقالات وقصائد في وسائل الإعلام، كما كان في هيئة تحرير مجلة المجمع الثقافي التي نشر فيها أكثر من مقال وقصيدة، إضافة إلى تقديمه برنامج من أجل حياة أفضل التي تحدث فيه عن عدة قضايا مجتمعية وأسرية ودينية تهم المجتمع، وقد جمعت برامجه في كتاب سمي باسم البرنامج، وتوليت أنا وبلال البدور كتابة مقدمته بحكم أننا نعرفه جيداً، وعاصرناه، وعشنا معه تفاصيل حياته.
وتابع حسي: إن رحيل المغفور له عبدالجبار الماجد يشكل خسارة كبيرة للإمارات، بحكم أنه كان من كبار المثقفين والعلماء والكتاب والأدباء والشعراء، مثلما كان وسطياً في فكره ورؤاه، داعياً إلى التسامح، والانفتاح على الآخر، والسلام، بجانب أنه كان خطيباً مفوهاً، يحبه الناس كثيراً، ويحترمونه، ويقدرون علمه وأدبه وفكره.
رحم الله الفقيد، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، ولنا من بعده طول البقاء.
أخلاق
ويقول الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء: لقد عرفت فضيلة الشيخ عبدالجبار الماجد منذ قدومي لدبي عام 94 وعرفت فيه كثيراً من خلال الفضل والأخلاق؛ عرفته عالماً أديباً فقيهاً مؤرخاً ذا أخلاق كريمة وسجايا عظيمة يحب الخير وينصح بصدق وإخلاص ويعرف مواطن الخير والشر فيدل على الخير وينفر من الشر بحكمة وحنكة كبيرة، وقد أخذ العلم والأدب عن جهابذة العلماء في مكة المكرمة حين كانت تغص بكبار أهل العلم من كل التخصصات كأمثال الشيخ محمد نور سيف المهيري والسيد علوي المالكي والشيخ محمد العربي التباني والسيد أمين كتبي والشيخ حسن مشاط وغيرهم كثير، فنهل وعلّ من معينهم حتى أصبح من جهابذة العلماء فاشتغل بالتدريس في مدرسة الفلاح التي درس فيها وأصبح مدرس المدرسين، ثم عاد إلى مكة مع أقرانه الشيخ أحمد بن ظبوي والشيخ عمر الماجد، فأشار عليهم الشيخ راشد رحمه الله أن يبقوا في بلادهم ليؤدوا واجب العلم فيه فالبلد قد أقبل على تطور علمي وعمراني وحضاري ويحتاج إليهم، فلم يترددوا في تنفيذ الإشارة مع أنهم كانوا يحملون الجنسية السعودية التي تعلموا فيها وعلموا؛ تقديماً لحق الوطن وتحقيقاً لرغبة الحاكم الصالح، وقد حلوا محل الإكرام عنده فبوأهم مناصب أسسوا فيها عوامل النهضة وأسهموا في بنائها إسهاماً كبيراً، فتولى الشيخ عبدالجبار دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي هي بغية كل مسلم، ومع كثرة تعلق الناس بها مساجد ودروس وإفتاء وأوقاف وهي أمور قلما يجتمع الناس عليها إلا أن الشيخ عبدالجبار بحكمته وعلمه وحنكته جمع الناس ولم يفرقهم ونفعهم ولم يضرهم، وهكذا تجلت مواهب المرحوم حتى أفاد ونفع الله به العباد والبلاد .. فرحمه الله رحمة واسعة.
تأثير
ويستحضر الدكتور حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي ذكرياته مع المرحوم الماجد قائلًا: «عندما أنشئ أول مجلس للأوقاف في دبي نهاية الستينيات، تولى المرحوم مهام السكرتير والمقرر فيه، ثم بعد ذلك تولى إدارته.
رأي سديد
قال الدكتور حمد الشيباني: لقد عايشت المرحوم منذ عام 1982 وحتى 1998، عندما كنت مديراً للمنطقة التعليمية في إمارة دبي، وكان رحمه الله عضو في مجلس الآباء والمعلمين، وكان رحمه الله من الشخصيات المؤثرة في المجلس، وصاحب رأي سديد، وحكيماً في مقترحاته، وهادئاً في قراراته، وله توجيهات وآراء استفدت منها كثيراً في ظل احتكاكي به طيلة تلك الفترة.
واضاف: خلال عملي في المنطقة التعليمية ترددت على المرحوم عبدالجبار كثيراً، وتشرفت بزيارته في الدائرة اكثر من مرة، حيث تعلمت منه الكثير، ولم يبخل على مجلس الآباء والمعلمين برأي أو توجيه، فهو مدرسة في الفكر والتوجيه والتسامح والاعتدال، فرحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنانه.








