لم تُبقِ مواقع التواصل الاجتماعي بمسمياتها المختلفة: «انستغرام» و«كيك» و«فيسبوك» و«تويتر»، شاردة ولا واردة إلا واستوعبتها، بإيجابية غالباً، وبشيء من السلبية أحياناً. «التنور» كما يُعرف في منطقة الخليج، أو «الزرب» حسب تسمية أهل بلاد الشام، واحد من الملامح والممارسات التراثية الاجتماعية الجميلة، التي أنعشتها وسائل التقنية الحديثة أخيراً، وتركتها تتصدر المشهد لتفتح شهية الكثيرين على الظفر بحفرة منها، من أجل وجبة لا تبدو عادية بكل المقاييس.

رغم محدودية التعامل مع «التنور» في الماضي، على مستوى دولة الإمارات ودول الخليج والمنطقة العربية عموماً، إلا في مناسبات محددة، كالأعياد وحفلات الزواج أحياناً، إلا أن اللحم المشوي اللذيذ والشهي الذي يُنتجه، يبقيه محل تقدير وتقليد بالإجماع، نظراً لسهولة التعامل مع هذه الوسيلة التراثية الجميلة، وسرعة الحصول على وجبة مثالية يشتهيها الجميع كباراً وصغاراً، لا سيما في ظل الانتشار المتنامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتلك الفكرة التي ظلت شبه مدفونة لعقود طويلة.

«تنور» العزبة

عبدالله بن دلموك الكتبي أحد الشباب الذين التفتوا إلى هذه الوسيلة التراثية الشهية، لإعداد وجبات مشوية من اللحم والسمك والدجاج. عن قناعة وإصرار، حفر قليلاً من الرمال في عزبته في منطقة الذيد، وأصبح يمتلك «تنوراً» لطهي وشيّ اللحوم وسواها، وإلى اليوم لا تنطفئ جمرات تنوره صيفاً أو شتاءً، بحكم إعجاب المزيد من أصدقائه وأقاربه بالفكرة، ما حدا بالكثيرين إلى إعادة حفر الفكرة في باحات البيوت والمزارع، بالنظر إلى سهولة استخدامها ونوعية الطعام الذي تنتجه.

هذا الأسلوب التراثي لطهي اللحوم غالباً، ظل متبعاً في دول خليجية وعربية عدة، وهو يرجع إلى سهولة استخدامه، وإمكانية الاستفادة منه في الطهي في مختلف الظروف والمناسبات، فكل ما يتطلبه؛ قليل من الحطب أو الجمر وحسب.

رواج كبير

في الإمارات كما في بلدان خليجية وعربية أخرى، بات البعض أكثر اقتناعاً بـ«التنور» الذي يجد رواجاً جماهيرياً متنامياً، بفعل الدعم الترويجي الذي توفره مواقع التواصل الاجتماعي، والصور الشهية المحفزة لاستخدام هذا الأسلوب في طهي الطعام، كما يوضح عبدالله بن دلموك، لافتاً إلى أن الفكرة لا تقتصر على أهل الخليج أو أبناء الإمارات، إذ إن كثيراً من العرب المقيمين يجدون المتعة في اقتناء «التنور»، لتوفير وجبات ألذ.

وأشار الكتبي إلى أن «التنور» يخدم الأفراد والأسر والبيوت في كثير من المناسبات وفي مختلف الأوقات، إذ يمكن استخدامه لطهي أكلات شعبية عدة، منها: الهريس والثريد وحتى الخبز، إضافة إلى شيّ اللحوم والسمك والدجاج، وبالتالي فإن فرصة الاستفادة منه أكثر بكثير من تكلفته البسيطة، أو جهد العمل فيه، ناهيك عن متعة التعامل مع «التنور»، والأجواء الاجتماعية التراثية الحميمة التي تنتعش في محيطه.

وجبة مدفونة

وقال: إن مدة بقاء الوجبة مدفونة في «التنور» تتفاوت حسب نوعية الطعام المعدّ، إن كان لحماً أو دجاجاً أو سمكاً، وحسب حجم الذبيحة. وخليجياً ارتبط التنور بالأعياد والمناسبات، إذ يبدأ تجهيزه قبيل العيد، عبر ملء الحفرة بالحطب الذي غالباً ما يأتي من شجر السمر، أقوى أنواع الحطب، ثم تجهيز اللحم وإضافة التوابل إليه، والتي تتضمن: السنوت والملح والثوم والليمون اليابس والفلفل الأسود والكركم والبهارات العربية وسواها لمن يريد، ويفضل كثيرون لف اللحم بورق «الهمبا» أو الموز أو اللومي.

واختتم عبدالله: يوضع اللحم على شكل طبقات داخل «يراب» أو «وخيفة» مصنوعة من سعف النخيل، فوق شبك أو قاعدة حديدية يسهل إمساكها، لكي يتم استخراج اللحم من التنور بسهولة. وفي المناسبات الرسمية يترك اللحم في حفرة «التنور» ليوم أو أكثر، إذ لا يمكن أن يحترق طالما لُف بورق «الهامبا» أو الموز، وفي المتوسط إن كانت الذبيحة صغيرة، فيمكن استخراجها بعد ساعة أو اثنتين، وستكون ناضجة تماماً وشهية للأكل.

حفرة صغيرة

لا يزيد «التنور» عن كونه حفرة مستديرة في الأرض، تستخدم لشيّ اللحوم والسمك والدجاج، أو إعداد بعض الأكلات الشعبية، ويبقى التنور حاضنة الطعام الشعبي، الذي تفوح منه روائح التراث، وهو يحظى بانتشار متزايد على امتداد الدول العربية، ويوفر وجبات طعام نوعية واستثنائية. أما متطلباته فيمكن اختزالها في حفرة صغيرة، فيها قليل من الجمر، يوضع أسفل اسطوانة حديدية أو طينية، وفي داخلها صفيح أو شبك معدني لوضع اللحم عليه، وغطاء حديدي يوضع أعلى الحفرة أو الاسطوانة، وقليل من الجمر أحياناً فوق الغطاء قبل طمره بالرمال أو التراب، للحصول على لحوم محمّرة، بعد ذلك يمكنك التلذذ بواحدة من أشهى الوجبات.