لحياة الماضي تفاصيل كثيرة، وطقوس تتشبث بها الذاكرة، منها فصل الشتاء ودرجات حرارته المنخفضة، حين كانت الأسر تحرص على استقباله بتجهيزات عدة، تبدأ بتهيئة البيت البسيط ليتحمل برودة الطقس والأمطار المحتملة، ويكون ذلك عبر ترميم أسقف البيوت وجدرانها، والتي كانت غالباً تبنى من مواد بسيطة قوامها السعف والخشب والطين، وإغلاق كافة الفتحات والثغرات التي يمكن أن تتسرب منها المياه أو نسمات الهواء الباردة، ناهيك عن آخرين كانوا يجهزون في فناء المنزل غرفاً خاصة بفصل الصيف تتحمل حرارته، وأخرى دافئة لتجاوز انخفاض درجات حرارة الجو، وكان أهل البيت يتنقلون بين هذه الغرف البسيطة والمعدة بتفاصيل خاصة، كلما تغيرت درجات الحرارة.
تجهيز البيت
ولم يقتصر الاستعداد لفصل الشتاء على تجهيز البيت أو غرف المعيشة، إذ لا بد من توفير الملابس الثقيلة أو الدافئة، وذلك مشهد آخر من مشاهد الشتاء، حيث ظلت الأسر تحرص على تجهيز الملابس التي تقاوم برودة الطقس سواء بالظفر بما يصنع يدوياً من ملابس تحاك بأيدي نساء «الفريج»، أو شراء المستوردة من الخارج، والتي تبدو أكثر إتقاناً وتناسقاً، وإن كان ثمنها مرتفعاً نسبياً.
آمنة حسن إحدى اللواتي عايشن تفاصيل الماضي، ما زالت تتذكر الكثر من الملامح والممارسات الشتوية، حيث تقول إن فصل الشتاء كان ذا طابع خاص من خلال التجهيزات المادية والنفسية التي كانت تستنفر الأسر عموماً، خصوصاً وأن ظروف المعيشة والبيئة المحيطة كانت قاسية وصعبة نوعاً ما، فلم تكن الرفاهية وإمكانيات الوقت الحالي حاضرة، مشيرة إلى أن المنازل الحديثة تبدو مهيأة بأدق التفاصيل ولمختلف الفصول، ولا حاجة للتفكير أو التغيير عند دخول فصل الشتاء أو الصيف.
قيمة مرتفعة
وأضافت إنه إلى جانب تجهيز المنازل والملابس، كانت هناك وجبات خاصة يكثر تناولها في فصل الشتاء، لاسيما التي تمد الجسم بالسعرات الحرارية اللازمة لمعايشة برودة الطقس، تأتي في مقدمتها «اللقيمات» التي تظل إلى اليوم من أكثر الأكلات التراثية الرائجة في المجتمع، وهي قطع من العجين تُقلى في الزيت المغلي بطريقة فنية وحرفية، وتأخذ شكلاً دائرياً بعد نضوجها، ويتم تناولها بإضافة العسل أو الدبس المستخرج من التمور.
وتطرقت إلى «البثيثة» التي تعد من وجبات الشتاء الرائجة، وهي حلويات يتم تحضيرها من الدقيق والتمر والزيت المعروف بالسمن أو «الذوابة»، وترتكز فكرتها على قلي الدقيق حتى يحمر لونه، ومن ثم تفتت التمور إلى أحجام صغيرة، ويفضل طحنها ليُسكب فوقها الدقيق الساخن، ومن ثم يضاف له الزيت ويخلط حتى يمتزج، ويوضع بعد ذلك في إناء وتضاف له النكهات حسب الرغبة، فيما يفضل البعض إضافة الهيل أو الكمون، مشيرة إلى أن هذه الوجبة تعرف بقيمتها الحرارية العالية، التي تساعد الجسم على التصدي للبرودة.
أجواء جميلة
أوضحت أمنة حسن أن بعض الأكلات الشعبية التي لا زالت الأسر تعدها في فصل الشتاء، تعيد إلى الذاكرة أيام الماضي، حين كانت الأسرة تجتمع حول هذه الوجبات، خصوصاً الأطفال الذي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، ليأخذوا نصيبهم ويكملوا مرحهم الذي يملأ «الفريج» صخباً، لافتة إلى أن الأطعمة التي تميز فصل الشتاء كثيرة، منها «القرص» «والعصيدة» وأصناف أخرى تُعد بطرق مختلفة، ولكل لمساته الخاصة.
