أكد الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، رئيس مركز الشارقة الإعلامي، أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، وضعت مفهوم الاتصال الحكومي على محك الاختبار مرة أخرى، إذ أظهرت تلك الأحداث بكل وضوح أن عدد الفاعلين في ساحة تشكيل الرأي العام قد زاد، ولم يعد مقتصراً على الجهات الحكومية التي تملك المنابر والمؤسسات الإعلامية والمحطات الفضائية.

وقال في مقال كتبه في الـCNN ونشر أمس على موقعها الإلكتروني: «قبل أن تنتهي تداعيات الحادث، كانت مواقع التواصل الاجتماعي ملأى بالصور والفيديوهات التي تقدم الحدث متبوعاً بتفسيرات وتحليلات شبه جاهزة، مستندة في ذلك إلى أجنداتها وقدراتها على توظيف الحدث ليصب في خدمة هذه الأجندات».

وأضاف: «تستند هذه الفئات في ترويج روايتها إلى مخزون هائل من الاحتقان المزمن، وإلى خريطة جيوسياسية وإيديولوجية رسمتها تراكمات عقود طويلة من الصراعات التي لم تحلّ ، وبقيت تفعل مفاعيلها في عمق الوجدان الشعبي. هذا الأمر وضع الرواية الحكومية حول ما جرى وأهدافه وكيفية التعامل معه في خانة التنافس الشديد مع هذه الفئات وأجنداتها».

وقال رئيس مركز الشارقة الإعلامي: «لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الرواية الرسمية هي الأضعف في غالب الأحيان، خصوصاً في بدايات الحدث، فهي تتسم بالدعوة إلى العقلانية والتروي وضبط النفس وعدم الانجرار وراء الانفعال اللحظي، وهذا ما لا يجد آذاناً مصغية في البدايات، إلا إذا ترافقت هذه الدعوات العقلانية والضرورية مع تفسير منطقي وسريع لتداعيات الحدث، إذ لا تزال الساحة ساخنة وعرضة لتقبل أي تفسير آخر، فعندما يقع الحدث ترافقه لحظة من الإثارة والتفاعل العنيف، ما يجعل الرواية الرسمية بعيدة عن الوجدان الشعبي إذا اقتصرت على المنابر والوسائل واللغة التقليدية فقط، وهكذا أثبتت التجربة أن الروايات الأولى التي تسبق غيرها ستستمر مفاعيلها في التأثير في الرأي العام مدة طويلة، لأنها رافقت لحظات الجاهزية النفسية لدى الجمهور لتلقي المعطيات والتفسيرات، فتلك اللحظات تتسم بالخوف والهلع والخشية من المجهول، ما يجعل أي توضيح من أي جهة وبأي رسالة كانت، عبارة عن طوق نجاة ينقذ الجمهور من التخبط في بحر حيرته».

ضبط الجمهور

وتساءل الشيخ سلطان: «كيف يمكن ضبط جمهور يبحث عن الإثارة والتفاعل العنيف مع اللحظة لتفريغ الاحتقان النفسي والإيديولوجي، بمجرد سماعه لمسؤول حكومي يدعو إلى التأني وضبط النفس، ولا يقدم له حقيقة ما جرى بالسرعة اللازمة؟ هذا ناهيك عن التشكيك القديم والتقليدي في الرواية الرسمية بأنها أحادية ومتفردة ولا تأخذ في الاعتبار نبض الشارع وتفاعله ورغبته الملحة في سماع الحقيقة بتفاصيلها بالشكل الذي يروي تعطشه للفهم والمعرفة؟ وكيف لنا أن نقنع الجمهور بالانتظار حتى تصدر الرواية الرسمية من خلال إدارات الاتصال الحكومي التي ستأتي متأخرة دوماً إذا اعتمدت على الوسائل التقليدية، وتركت ساحات التواصل الاجتماعي خالية إلا من تلك الفئات التي تقتنص الفرص، لتعيد صياغة الأحداث والتأسيس لرأي عام قد يصعب إعادة تشكيله مرةً أخرى؟

الأحداث بحد ذاتها تتسم بالحيادية، لكن الحقيقة هي دائماً صناعة مجهود بشري عندما تدخل في اشتباك مع أجندات التضليل. على صناع الحقيقة وقادة الرأي الانحياز إلى الحس الشعبي العفوي والتسلح به والتواصل معه بصدق، فهذا الحس هو الوجدان الذي حمى الحقيقة ودافع عنها منذ فجر التاريخ حتى اليوم».