«أريد الرجوع إلى سوريا، اشتقت لجدتي، لألعابي، بيتنا.. لا مطر ولا برد» كلمات بريئة وعيون ذابلة هذا ما رددته الطفلة إيمان بدران ابنة الثماني سنوات المقيمة مع عائلتها المؤلفة من سبعة أفراد في غرفة متواضعة في بيروت.

هذا الحال الذي تعيشه إيمان ينسحب على أكثرية الأطفال النازحين الذين يعيشون ظروفاً مأساوية سرقت أحلامهم وقتلت طموحاتهم وجعلتهم فريسة للمجهول.. «تركت المدرسة من سنتين، كان حلمي أن أكون طبيباً أو مدرساً».. بغصة وذل أجاب محمد البالغ من العمر 13 ربيعاً عند السؤال عن مستقبله.

ووسط البرد القارس، وفي عين العاصفة، يقف إلى جانب الطريق الشاب أحمد محمد (18 عاماً) الذي كان يحمل أمتعته في الشارع بانتظار من يرأف بحاله لينقله من بيروت إلى أحد أقاربه في الضواحي.

وقال: «لا مستقبل لنا، لا شهادة ولا مهنة ولا وطن ولا مأوى».

وأضاف الشاب النحيل الذي بدت قسوة الظروف عليه: «أبحث عن عمل في أي شيء، سأنام في مكان عمل قريبي بانتظار عودة أبي الذي تصعب عليه العودة من سوريا بعد قرار لبنان إغلاق الحدود بوجه النازحين».

أوضاع صعبة

إنها أوضاع إنسانية صعبة لا يزال يعاني منها آلاف النازحين السوريين في لبنان، فرضتها عليهم النار المستعرة في بلدهم، وزادت في قسوتها العاصفة الثلجية التي تضرب البلاد والتي تزامنت مع فرض السلطات اللبنانية تأشيرة على السوريين استكمالاً لقرار الحكومة إغلاق الحدود أمامهم إلا في حالات استثنائية، ليحشر النازح السوري بين ناري البقاء في لبنان رغم المأساة التي يعيشها أو الرحيل إلى ساحات الموت في سوريا. ومع الغطاء الأبيض الواسع الذي غطى لبنان واستمرار تساقط الثلوج التي وصلت حتى الساحل، برزت إلى العلن المأساة التي يواجهها النازحون السوريون في مخيماتهم وتجمعاتهم، خاصة أن مساكنهم وخيمهم لا سقف فوقها، بل أكياس نايلون ملفوفة على أمتار من الحديد ومثبتة بدواليب سيارات، ومنازلهم لا سجادة فيها، بل بعض البطانيات التي اكتسحتها المياه.

موت وذل

«ضاق بنا العيش أنا وأسرتي، موت في سوريا وذل في لبنان، دخلت المياه الغرفة التي نسكنها بعد أن مزقت العاصفة أغطية النايلون عن الشبابيك».. هذا ما قالته فاطمة حسين «أم لستة أولاد».. وتابعت بصوت خافت: «طفلتي البالغة من العمر عدة أشهر تعاني حرارة واستفراغ بسبب الصقيع والبرد، ولا يمكنني أن أذهب بها إلى الطبيب».

حرقة الأم فاطمة لا تختلف عن مرارة الأب عبدالكريم مؤيد، وهو في العقد الرابع من عمره، الذي يشعر بالخجل من حال عائلته بعد أن اضطر إلى إجبار أربعة من أولاده على ترك المدرسة بسبب ضيق الأحوال المادية، وقال: « أنا خجلان بوضع عائلتي، نحن ثمانية أفراد في شبه منزل، اثنان فقط من أولادي في المدرسة، ذقنا الويل في العاصفة لأن المياه غمرت غرفتنا، فبتنا في العراء».

 ظروف عبدالكريم وشعوره بقسوة الغربة الذي اشتغل «عامل تنظيفات في أحد البلديات» لدرء العوز عن أسرته بعد أن كان مالكاً لمتجر في سوريا لم يمنعاه من تلمس الأعذار للدولة اللبنانية على قرارها إقفال الحدود بوجه النازحين السوريين، على الرغم من تمنياته بالتفريق بين هارب من الحرب إلى لبنان وإرهابي، وقال: «العبء على اللبنانيين كبير، ونشكر لبنان على استقبالنا، وما يقلقنا عدم التمييز بين سوري هرب من الحرب وبعض المخربين من سوريا»، في حين عبرت النازحة نوال حمدو عن خوفها من القرار الذي قد يحرمها من رؤية أهلها بعد ثلاث سنوات من إقامتها في لبنان، وقالت بلهجتها: «أمي ما عاد فيها تجيء ولا نحن نطلع بعد فرض الحكومة اللبنانية إجراءات صعبة علينا، أخاف موت أهلي وأنا هنا، ولا أستطيع الذهاب وترك عائلتي المؤلفة من خمسة أولاد».

العاصفة الثلجية

يشار إلى أن الحكومة اللبنانية وافقت في 23 أكتوبر الماضي على خطة وزارية تقضي بإيقاف استقبال النازحين السوريين إلى لبنان إلا في حالات استثنائية، واستكملت هذا القرار بفرض «التأشيرة» على السوريين. وتفاقمت معاناة النازحين السوريين في لبنان مع العاصفة الثلجية «زينة» حيث بات بعضهم في العراء بعد أن اقتلعت الرياح أغطية خيمهم، وولدت «زينة» خسائر بشرية وأضراراً مادية وتسجيل ثلاث وفيات على الأقل، بينهم طفلة بسبب موجات الصقيع، كما عانى النازحون من نقص في المواد الغذائية ووسائل التدفئة بسبب نقص الموارد لدى هيئات الإغاثة وشح التمويل من قبل الجهات المانحة نظراً لزيادة عدد النازحين السوريين إلى لبنان.

نقص الإمكانات

أكد المسؤول الإعلامي في هيئة الإغاثة والمساعدات الإنسانية في دار الفتوى اللبنانية طارق الكعكاتي أن أبرز الصعوبات التي واجهت الهيئة أثناء عملها لتقديم مساعدات إلى النازحين السوريين خلال العاصفة هو الشح في «المازوت» لتأمين التدفئة، لافتاً إلى الوضع الصعب للنازحين في ظل العاصفة مع انخفاض درجة الحرارة إلى عشر درجات تحت الصفر في بلدة عرسال الواقعة شرق لبنان، وهي إحدى وجهات عمل الهيئة.