بعد سنوات الغربة والعمل، تتفاقم في أذهان الوافدين فكرة الرجوع إلى الوطن الأم، ورويداً رويداً يطرق الاستقرار أبواب بعض الأسر التي اعتادت السفر ذهاباً وإياباً، قبل أن تجد نفسها أمام مفترق طرق بين رغبة ملحة لدى الآباء بالعودة، وهاجس يقلق الأبناء، إذ إن القرار بما يليه من تبعات، يتعلق بمصير الطرفين اللذين تتعارض وجهات نظرهم، وتختلف تطلعاتهم وظروفهم.

" البيان "  تواصلت مع عدد من الأهل والأبناء وذوي الاختصاص، وخلصت إلى جملة من الآراء حيال مسألة الغربة وصراع العودة إلى الوطن.

التعليم الجامعي

عادل قطان، سوري وأب لستة أبناء، رأى أن الغربة لا يجب أن تكون بلا سقف زمني للعودة، موضحاً أن التعليم الجامعي للأبناء من أبرز المشاكل التي تقلق المقيم وتجعله يفكر في العودة إلى وطنه، وفي النهاية فإن أبناء المغترب يعاملون معاملة الأجانب في وطنهم الأم، وإن كانوا من المتفوقين، ما يجعل فرصة دراستهم التخصصات التي توافق ميولهم ورغباتهم في الجامعات الحكومية، أمراً صعباً في كثير من الأحيان.

وأشار إلى أن المقيم الذي يعود إلى وطنه بعد طول غياب، يشعر بأنه منسي وغريب بين أهله وفي بلده، فكلما زادت سنوات الاغتراب، تصبح فكرة إكمال التعليم الجامعي لدى الأبناء غير مقبولة في وطنهم الأم، وذلك رغم سعي كثير من الأسر المقيمة إلى الدفع بأبنائها، لتحصيل تعليمهم الجامعي في أوطانهم، كون رسوم التعليم هناك أقل كلفة.

الدراسة هنا

محمد حسن، طالب في الجامعة الأميركية في الشارقة، فضّل التعليم في الإمارات على السفر إلى بلده الأردن، وقد تأخّر عاماً دراسياً كي يجتاز امتحان الـ»توفل« ويُقبل في الجامعة الأميركية، وقال: التعليم في الإمارات أفضل والجامعات أقوى، كما أن الرقابة الموجودة على الطلبة والمنشآت الجامعية وانضباط الطلبة أكثر شدة مما هو في الأردن.

وأضاف إن الطلبة الذين يسافرون للدراسة في وطنهم الأم، قد يتعرضون لمحاولات استغلال من قبل زملائهم في الجامعة وفي البيئة المحيطة بهم، فهم لا يدركون أسلوب حياة أهل البلد، لأنهم لم يعاصروا التعقيدات الاجتماعية الناجمة عن ضغوط كثيرة اقتصادية واجتماعية ونفسية، خلافاً للاستقرار الملموس في الإمارات.

فرص العمل

فكرة الاستقرار في الوطن الأم، غير واردة لدى وسن مخلوف، أردنية، 22 عاماً، والسبب كما تقول إن نسبة البطالة مرتفعة هناك، وفرص العمل شحيحة..

كما أن دخل الفرد محدود، وبالكاد يفي بالمتطلبات الأساسية، فضلاً عن الضرائب وغلاء الأسعار. وبيّنت أن الغلاء موجود في كل مكان، لكن سقف الرواتب للموظف متدنٍ في كثير من الدول العربية، ما يبقي دول الخليج، والإمارات تحديداً، حاضنة لآمال الشباب وأحلامهم.

حياة أسهل

نمط الحياة السهل والمريح، وتوفر الخدمات في كل زمان ومكان، يجعل سماح ميرغني، سودانية، 23 عاماً، غير متحمسة للعودة إلى السودان، مؤكدة أن نمط الحياة في دولة الإمارات أكثر نظاماً وأمناً. وأضافت: عشت في الإمارات طوال حياتي، ولي ذكريات كثيرة فيها، كما أن التأقلم مع نمط الحياة في السودان صعب، والجميع هناك مشغول بحياته وهمومه الخاصة.

حنين الأب

أما والد سماح، محمد ميرغني، فرأى أن الوظيفة والأمور المادية، تصبح في مرحلة ما أقل أهمية مع تقدّم العمر، إذ تراوده رغبة في العودة إلى وطنه، وتزوره رياح الحنين لمعانقة ذكريات طفولته وشبابه، وتنشُّق رائحة تراب وطنه. وقال: الوظيفة غير دائمة، لذا يتوجب على المقيم أن يخطط للمستقبل البعيد، وأن يؤسس مشروعاً له في وطنه يعينه وأسرته بعد انتهاء عمله.

سلام اجتماعي

سوسن أبو راشد، أم لخمسة أبناء، وتعيش في الدولة منذ سنوات، أوضحت أن الحياة في الإمارات تحفظ للأفراد خصوصياتهم، وتجعلهم يمارسون حياة اجتماعية أكثر سلاماً، إذ إن الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها الآخرون في أوطانهم، تجعلهم متعبين نفسياً، وتعرضهم لضغوط مختلفة، تنعكس سلباً على علاقاتهم مع محيطهم.

تقبل الآخر

ديبي ديربرغ، اسكتلندية مقيمة في الإمارات منذ أكثر من 20 عاماً وأم لبنتين، قالت إن قرار الانتقال للعيش في اسكتلندا صعب في هذه المرحلة، لتعلقها وأبنائها بدولة الإمارات التي ولدوا فيها وتكيفوا مع أسلوب حياتها الجميل والمغاير لما في اسكتلندا.

وأوضحت أن أكبر هدية قدمتها دولة الإمارات لبناتها، هي ثقافة تقبل واحترام الآخر، بغض النظر عن لونه وعرقه ودينه، معرّجة على مبدأ المساواة بين القاطنين على أرض الدولة.

وأضافت إن فكرة العودة والاستقرار في البلد الأم، ستصبح ملحة وضرورية بعد انتهاء العمل في الإمارات، كونه من الصعب أن يعيش الشخص هنا، إن لم يكن موظفاً أو صاحب مشروع، نظراً لغلاء المعيشة.

في اسكتلندا

»لن أكون سعيدة بقرار والدي بالانتقال والعيش في اسكتلندا«، هذا ما استهلت به ابنة ديربرغ، إليزابيث 17 عاماً، حديثها، مؤكدة أنها تشعر بأن دبي وطنها الذي تكنُّ له الحب والانتماء.

وبيّنت أن تجربة إقامتها في الدولة، جعلتها تنخرط وتتعامل مع أفراد من ثقافات وجنسيات مختلفة، لتصبح أكثر انفتاحاً على عادات وتقاليد شعوب العالم، وربما لن تصادف ما وجدته هنا لو عاشت في أي مكان آخر في العالم، معبرة عن رغبتها في إكمال حياتها في دولة الإمارات، والعمل فيها مستقبلاً.

ملاذ آمن

 قال أسامة حمامة طبيب أسنان سوري، إن الإمارات ملاذ آمن للكثير من العرب الباحثين عن طموح للحياة. وأشار إلى أن مستوى الرفاهية في الإمارات، يفوق المستوى المتوفر في معظم دول العالم..

موضحاً أنه ليس من الضروري على المغترب الذي يعود لبلده أن يعيش المستوى نفسه من الرفاهية التي تنعّم بها في الإمارات. ونتيجة للأوضاع السيئة في بلاد عربية عدة، فهو، لا يفكر في العودة إلى بلده.

 الاغتراب كما يراه مدونون على مواقع التواصل

أنشأ نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، صفحات عدة للجاليات المغتربة خارج أوطانها، تتداول أخبار وهموم وقضايا تخص المغتربين، من بينها صفحة »أردنيون في الإمارات« على »فيسبوك«.

وحمل أحد روابط هذه الصفحة سؤالاً فحواه: أيهما تفضل الغربة أو الاستقرار في الوطن؟ وتوالت إجابات المتابعين بنظرات متباينة، وبعضهم رأى أن الشخص قد يعيش غريباً في وطنه، فالغربة لا تشترط الانتقال إلى بلد آخر.

وجهات نظر

وقال آخرون إن الغربة تصبح الخيار الوحيد عندما يقسو الوطن على أبنائه، في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية السيئة، وانتشار الفقر، ومن التعليقات المدونة: »الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن«.

وأردف أحدهم: من ميزات الغربة ابتعاد الفرد عن المناسبات العائلية والالتزامات الاجتماعية، التي قد تنطوي سلباً على الفرد وتجلب معها مشاكل هو بغنى عنها.

وخالف آخرون ممن عاشوا في بلاد الغربة الرأي، مشيرين إلى أن الوطن حتى وإن ضاق برحابته على أبنائه، يظل أقل مرارة من الغربة، فالعيش وسط الأهل والأقارب نعمة يفتقدها المغتربون، فبعضهم يصاب بالاكتئاب والوحدة، ومن المستحيل أن يحل الأصدقاء مكان الأهل على حد وصفهم.

وأكد آخرون أنه لا حاجة للغربة إن وفّر الوطن لأبنائه كل أساسيات الحياة الكريمة، فهواء الوطن وجماله لا يعادله أي جمال، في حين أوضح آخرون أن لكل موطن إيجابيات وسلبيات، والمقارنة تصبح صعبة عندما تحكمها ظروف حياتية.

مجرد أحلام

في ضوء الآراء السابقة، ومن واقع حياة المغتربين عموماً، فإنه في الوقت الذي يتوق فيه البعض للعودة إلى وطنهم الأم بقصد الاستقرار، تصبح الفكرة نزيلة الأحلام، إذ يرى البعض أن مصاريف الحياة اليومية، ومتطلبات الغربة الكثيرة، ربما لا تساعد على الادخار ..

كما يظن البعض، فكثير من الأسر تنشغل في تأمين قوت يومها، والإيفاء بتكاليف التعليم والصحة والإيجار وسواها من الأساسيات المرهقة، في ظل رواتب محدودة نسبياً، وغلاء متزايد في شتى مجالات الحياة.

على هذا المنوال، تدور عجلة حياتهم، وتضيع أعمارهم قبل أن يجمعوا مبلغاً من المال، لبناء بيت أو تنفيذ مشروع، يعوض سنوات الغربة المضنية. وفي ظل هذا المأزق، يؤجل هذا النموذج من المغتربين، فكرة العودة إلى أوطانهم، حتى يحققوا الهدف الذي اغتربوا من أجله، وهو تحسين المستوى المعيشي للأسرة ككل.

بداية ونهاية

تبقى الغربة خياراً صعباً أمام الآباء، لعدم توافر البيئة المناسبة والحياة الكريمة في أوطانهم، لكن لكل بداية نهاية على حد قول الكثير من المقيمين، لتتصدر الحيرة المشهد من جديد، ويكون الأهل والأبناء أمام خيارين أحلاهما مُر، فيرى القطب الثاني أن آمالهم الكبيرة، وتشبثهم بالأرض التي ترعرعوا عليها، وشربوا من مائها، واستنشقوا هواءها، كل هذه المقومات تقف عائقاً أمام الرغبة في العودة.

الخوف من المجهول

محمد أحمد عباس، اختصاصي اجتماعي بمدرسة أبوظبي للتعليم الثانوي، أوضح أن النزاع بين الأهل والأبناء المقيمين حول العودة إلى الوطن، مستمر ومتجدد. وفسّر وجهة نظر الآباء بقوله: خوف الأب الدائم من المجهول سواء أكان المرض أم الهَرم أم الموت، يدفعه للتفكير في إمضاء ما تبقى له من عمره في وطنه الأم بين أهله وأحبته.

وأضاف إن كثيراً من الأهالي يفضلون التخلي عن الغربة بعد عمر الخمسين لتنفيذ مشاريع خاصة بهم في أوطانهم، وتأسيس حياة جديدة قبل أن تجرفهم رياح الغربة، ومن هؤلاء من يصطدم بواقع غير ما يريد، فيجد نفسه أسير التأجيل عاماً بعد عام إلى أن ينطفئ حلمه، حين تشتعل فتيلة أحلام الأبناء.

وأوضح أن الغربة عند البعض خيار مخطط له ومؤقتة، بهدف توفير المال مبكراً لبدء حياة أكثر نجاحاً واستقلالية في الوطن الأم، وهنا يجد الآباء والأبناء متسعاً من الوقت لاستمرار الحياة بلا عثرات، حين تتقارب الأفكار وتتزاوج القناعات، بأن السفر خارج الوطن كان بقصد تحقيق هدف محدد، ومن ثم العودة إلى الوطن بكل سرور.

وتتجلى قناعة الأبناء المقيمين خارج الوطن، في أن رغد العيش الذي يحظون به، يدفعهم إلى التمسك بفكرة البقاء خارج البلد الأم، من منطلق أن الاستقرار في الوطن يهدد استقرارهم النفسي، إذ أن كثيراً من أبناء المغتربين الذين يسافرون إلى وطنهم الأم، يواجهون صعوبة في التأقلم مع وسط جديد وغريب بالنسبة لهم، ما يدفعهم إلى ترك تعليمهم الجامعي في بلدهم أحياناً، والعودة لاستكماله في الدولة التي تربوا ونشأوا فيها.

الغربة وعنوسة الفتيات 

 تطرق آخرون إلى أن موضوع الاستقرار في الوطن الأم يصبح ملحاً عند بعض الأهالي، عندما تصبح بناتهم في سن الزواج.

لأن فرص الزواج محدودة خارج الوطن الأم، إذ إنّ بُعد الفتيات عن وسط الأقارب، يؤثر في فرص زواجهن. وتؤكد الأرقام والآراء أن نسب العنوسة للفتيات المغتربات، أكبر مما هي لدى نظيراتهن في أوطانهن، إذ يفضل الشباب المغتربون غالباً، اختيار شريكة حياتهم من بيئتهم ومجتمعهم الذي تربوا فيه، ما يقف حائلاً أمام أحلام الفتاة المغتربة في الاستقرار والزواج.