صحيح أن دبي تعتبر مدينة حديثة نسبياً، إلا أن لديها تاريخاً ساحراً وتراثاً نابضاً بالحياة، يقدم للزوار لمحات تثير الاهتمام بالثقافة العربية الممتدة، فكما أنها مدينة الإنجازات الكبيرة والمشاريع التنموية الرائدة، التي جعلت منها واحدة من أكثر مدن العالم شهرة وعالمية بمنظومة فكرها وعملها التي تأسر وتبهر الأنظار، فهي تحتضن تراثاً غزيراً يلخص حياة الأجداد، ويحفظ للأجيال عادات أصيلة وجميلة، لطالما ظلت عصب الثقة والتميز لدى أبناء الوطن كافة.
حين تقرر القيام برحلة في رحاب تاريخ دبي الذي لا يزال واقعاً ملموساً، بجسد الماضي العريق وروح التراث الأصيل، لن يكتمل المشهد إلا بزيارة ذلك المعلم الكبير الذي يرشح بالكثير.. إنه بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، بأجنحته الثمانية الممتدة، التي تعرض تاريخ تطور الإمارة الحضاري منذ عام 1896، حيث تم إنشاؤه في عهد المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم حاكم دبي في ذلك الوقت.
مقر ومسكن
في تلك الفترة استخدم بيت الشيخ سعيد مسكناً ومقراً للحكم، ثم أصبح مقراً لإقامة الشيخ سعيد آل مكتوم، والد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم باني نهضة دبي الحديثة، وجدّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وبعد زواج المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي خلال الفترة من عام 1958 إلى عام 1990م، أقام في الجناح الذي كان يقيم فيه والده.
يقع البيت في منطقة الشندغة التاريخية، التي تعتبر من أهم أحياء دبي القديمة، بين ضفتي الخور والخليج العربي، في موقع متميز يطل على الشريان المائي الذي يخترق المدينة، ويفصلها إلى قسمين: ديرة وبر دبي. وقد كانت الأمور السياسية والاجتماعية، تناقش وتُدار من بيت الشيخ سعيد آل مكتوم.
3600 متر مربع
اتسمت خصائص ذلك البيت بالفن المعماري العربي التقليدي، فهو مربع الشكل تبلغ مساحته 3600 متر مربع، وذو طابقين بمدخلين كبيرين؛ أحدهما يفضي إلى المجلس، بينما يطل الآخر على فناء البيت الداخلي الواسع، الذي تلتف حوله أقسام البيت المتعددة، التي تشمل المجلس العام، وغرف المعيشة الداخلية، والمخازن والمطابخ.
وتتميز غرف البيت بهيئتها المستطيلة، وجدرانها ذات الحنايا المحفورة برفوف متناسقة، والتي خصصت لأغراض متعددة. أما الطابق العلوي الذي كان يستخدم ملاذاً صيفياً بسبب إطلالته المباشرة على الخور..
فيحتضن غرفاً أخرى، وشرفات واسعة، فيما تعلو البيت أربعة «براجيل» موزعة بشكل مدروس يحقق الغاية من وجودها، حيث إنها تعد إحدى وسائل التهوية قديماً في منطقة الخليج العربي، وهي عبارة عن فتحات مستطيلة مفتوحة الجوانب، تساهم في تلطيف حرارة الصيف.
ينبوع الوعي
في هذا البيت الذي يعتبر ينبوع الوعي القومي، يتسلل الهدوء والسكينة بين أزقته الدافئة المضيئة بقناديل التواصل والترابط بين قاطنيه، وينظر البيت بشموخ وعزة وتحدٍ إلى الضفة الأخرى..
حيث ملامح دبي الحديثة التي تسير على وتيرة الحياة السريعة، وهو يبقى نافذة نطل منها على ماضي دبي، ومراحل تطور المنطقة، إضافة إلى الأحداث الهامة التي وقعت فيها، فيقف الماضي هنا عند عتبة بيت الحكم، وهو يحمل بين جدرانه وغرفه المتعددة، لمحات تاريخية اختزنت بين ثنايا الغرف، فاكتست بها جدرانه العتيقة.
يضم البيت العديد من الأجنحة، منها جناح آل مكتوم الذي يشتمل على تاريخ تطور مظاهر الحياة الأساسية والاجتماعية والعلاقات الخارجية عبر التسلسل الزمني لفترات حكم آل مكتوم، وذلك من خلال عرض مجموعة من الصور التي تروي أشكال المناسبات القومية والتاريخية.
دبي القديمة
أما جناح دبي القديمة فيضم حزمة من اللوحات التي تؤكد عراقة الإمارة في صور توضح الأحياء السكنية القديمة وحصن الفهيدي ومدرسة الأحمدية ومستشفى آل مكتوم. وينقلنا جناح الحياة البرية إلى تفاصيل الحياة المهنية لسكان شاطئ الخليج العربي الممتدة على مساحة 70 كيلو متراً، حيث كان البحر المورد الرئيسي لسكانه، ما دفعهم لامتهان الصيد البحري والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، إضافة إلى صناعة السفن والتجارة.
الحياة الاجتماعية
وإذا أردنا التعرف إلى طبيعة الحياة وظروف المعيشة قديماً، فلا بد من زيارة ذلك الجناح المهم الذي يعكس صور وأنماط الحياة الاجتماعية والثقافية والترفيهية والتعليمية والدينية..
إضافة إلى المعالم المعمارية ووسائل الدفاع القديمة، وأشكال الفنون الشعبية. ويمكن التعرف على سمات الحياة البدوية البسيطة في جناح آخر، أما جناح المسكوكات فينقسم إلى قسمين، أحدهما للمسكوكات الأثرية المتداولة منذ عام 1971م، والآخر يختص بعرض الطوابع البريدية لإمارة دبي، ويعود تاريخ هذه الطوابع إلى العام 1961م في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.
جناح الوثائق
وأخيراً يبرز في بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، جناح خاص بالوثائق، يعرض أشكالاً للمخطوطات التي تضم الرسائل والمعاهدات والاتفاقيات والمراسيم الخاصة، وخرائط للإمارة وشبه الجزيرة العربية، إلى جانب صور لمدينة دبي، تعود إلى العام 1822م، وخريطة تحدد أماكن الغوص عن اللؤلؤ في الخليج العربي.


