يبدو أن خطة المبعوث الأممي إلى سوريا دي ميستورا بشأن تجميد الصراع في سوريا والتي لم تستطع السياسة تثبيتها وجدت طريقها إلى النور من زاوية مختلفة، حيث فرضتها الطبيعة على طرفي الصراع، في وقت طالب الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي بمعونات عاجلة للاجئين السوريين في لبنان والأردن مع اشتداد العاصفة القطبية المسماة بـ«هدى» والتي حصدت المزيد من الضحايا من بين اللاجئين السوريين خصوصاً.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، إنه لم يسجل سقوط أي قتيل في سوريا أول من أمس (الأربعاء) ليصبح أول يوم من دون ضحايا منذ اندلاع الصراع قبل أكثر من ثلاث سنوات إذ أخمدت عاصفة شتوية شديدة تجتاح المنطقة نيران العنف.

وأضاف مدير المرصد رامي عبدالرحمن أن أجواء الطقس شديد البرودة جلبت مصاعب جديدة للاجئين والمدنيين لكن الطقس البارد حمى السوريين من القصف والقتال.

وتشير أرقام المرصد الذي يقع مقره في بريطانيا إلى أن 150 شخصاً في المتوسط قتلوا في سوريا يومياً خلال شهر ديسمبر في صراع راح ضحيته نحو 207 آلاف شخص منذ أن اندلع عام 2011.

لكن المرصد الذي يتابع الصراع وينقل عن مصادر في مختلف أنحاء سوريا لم يسجل أي قتلى من أي طرف في الصراع الدائر الأربعاء.

وأضاف أن مسلحاً إسلامياً قتل في داريا قرب دمشق متأثراً بجروح أصيب بها في وقت سابق.

مناشدة عربية

في غضون ذلك، ناشد الأمين العام لجامعة الدول العربية د. نبيل العربي الدول المانحة ومنظمات الأمم المتحدة والهيئات العربية والدولية المعنية إلى سرعة التحرك لتقديم المعونات الإنسانية العاجلة للاجئين والنازحين السوريين في الدول المضيفة لهم وخاصة لبنان والأردن، والذين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل العاصفة الثلجية التي تشهدها المنطقة.

وطالب العربي تلك الجهات بتوفير الدعم العاجل للدول التي تستضيف أعدادا كبيرة من هؤلاء اللاجئين والنازحين وخاصة لحكومتي لبنان والأردن نظراً للظروف السيئة والمعاناة الإنسانية القاسية التي تسببت بها الأحوال الجوية مما أدى إلى نقص حاد في مواد الإغاثة ووسائل التدفئة والمعدات الطبية والأدوية في مخيمات وأماكن تواجد اللاجئين والنازحين السوريين في لبنان والأردن.

وأسفرت العاصفة الثلجية التي ضربت لبنان عن خسائر بشرية وأضرار مادية بالنازحين السوريين. وظهر الى العلن، مع الغطاء الأبيض الواسع الذي غطى لبنان، المأساة التي يواجهها النازحون السوريون في مخيماتهم وتجمعاتهم حيث سجلت وفيات جراء موجات الصقيع تراوحت بين أربع وعشر حالات، بحسب مصادر متعددة، خاصة ان مراكز تجمعات النازحين وخيمهم لا سقف فوقها بل أكياس نايلون ملفوفة على أمتار من الحديد ومثبتة بإطارات سيارات، ولا أرض ولا سجادة بل بعض البطانيات التي اكتسحتها المياه.

في لبنان، اقفلت المدارس الحكومية والخاصة والجامعات خلال اليومين الماضيين لأن معظم الطرقات ما بين القرى غير آمنة بسبب الانزلاقات والسيول وكثرة كمية المياه، وتعطلت اعمال الصيادين وتعرض عدد من المراكب لأضرار داخل الميناء بسبب ارتفاع الأمواج، كما توقفت حركة الملاحة الجوية لبعض الوقت اليومين الماضيين ما اسفر عن تأخر وصول رحلات.

وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذتها البلديات والهيئات الاسعافية والدفاع المدني والصليب الأحمر الا ان ذلك لم يمنع من وقوع حوادث سير نتج عنها جرحى وقطع طرقات رئيسية وفرعية .

وأفادت مصادر بأن عدداً من الطرق الجبلية لا تزال مقطوعة بسبب تراكم الثلوج. ونتج عن العاصفة اضرار فادحة بالمزروعات من شدة سرعة الرياح حيث تطايرت اغطية الخيم البلاستيكية وادت الى تضرر الأشجار في مختلف المناطق.

تعطيل وإلغاء

أما في الأردن، فقد ألغت شركة الخطوط الجوية الملكية الأردنية رحلات من والى مطار الملكة علياء الدولي في عمان يومي الخميس والجمعة بسبب العاصفة التي غطت مناطق واسعة في المملكة بالثلوج وأغلقت طرقا رئيسية فيها.

وأعلنت صحف أردنية تعليق صدورها الخميس والجمعة بسبب العاصفة الثلجية التي سميت محليا «هدى»، فيما استمر تعطيل المدارس والجامعات والبنوك والدوائر الرسمية أمس لليوم الثاني على التوالي.

وأدى تساقط الثلوج الكثيف في وسط وشمال وجنوب الأردن الى إغلاق العديد من الطرق وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في عدد من المناطق ليل الأربعاء الخميس، فيما دعت السلطات المواطنين الى عدم الخروج من منازلهم.

انهيار

في مدينة القدس المحتلة انهارت أجزاء من أحد الطوابق في عمارة سكنية، بحي باب حطة بالقدس القديمة، نتيجة تساقط الأمطار وتراكم الثلوج في المدينة.

كما شن الفلسطينيون حملة على الراصد الجوي الذي قالوا إنه غرر بهم مع تراجع حدة العاصفة، رغم أن الراصد أكد أنها ستستمر حتى يوم غدٍ السبت. وقال احدهم في تعليق على موقع فيسبوك «لن أثق بالراصد الجوي بعد اليوم».

المنخفض يفاقم معاناة النازحين في مراكز الإيواء بغزة

 

لا تزال تحتفظ بتلك الضحكة الطفولية وشقاوة بريئة تحمل في طياتها ربيعاً يرسم حلماً بانتظار ما هو أفضل، الطفلة هديل محمد البالغة من العمر ثمانية أعوام، تسكن مع عائلتها في أحد مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (انروا) بعد قصف منزلهم وتهدمه بالكامل خلال العدوان الأخير على غزة.

لم تكترث بالبرد القارس مع قدوم العاصفة «هدى» إلى الأراضي الفلسطينية، فضحكات الطفولة لم تفارقها، حملت مظلتها الملونة بألوان الحياة التي تحلم بها، مسرعة باتجاه ساحة المدرسة التي أغرقها المطر، وبدا على كل ركن فيها التجمد الواضح بسبب الصقيع وانخفاض درجات الحرارة، خرجت تلهو وتستمتع للحظات بالجو الماطر، وكأنها على موعد مع الفرح.

توضح هديل أنها تشعر بالملل نتيجة طبيعة الحياة في غرفة صفية في المدرسة، فلا تستطيع أن تقوم باللعب أو لقاء صديقاتها، وتبقى طيلة اليوم حبيسة الجدران الأربعة. وتستذكر هديل بيتها الذي قصفته مقاتلات الاحتلال وتوضح أنها اشتاقت لبيتها وحديقته الصغيرة، واللهو مع أشقائها وشقيقاتها، وقيامهم بعمل أكوام من الثلج وقذف بعضهم البعض.

عائلة هديل واحدة من العائلات التي ما زالت تقبع أسيرة مراكز الإيواء في قطاع غزة، مبيتها هذا أشبه بالمبيت بالعراء، فلا يغني عن دفء البيت ولمة العائلة.

أما أم محمد عودة فهي تعيل أربعة أطفال وتحاول حمايتهم من الصقيع، فالفصل الدراسي يعج بالصقيع والرطوبة العالية، وما كان أمامها إلا إشعال الموقد التقليدي «الكانون» لتدفئة الغرفة وأطفالها، بالرغم من خطورة هذه التدفئة عليهم.

بخطى مثقلة وجسد متعب من اثار الصقيع خرجت أم محمد من الفصل الدراسي متوجهة إلى أقصى الفناء المدرسي نحو صنابير المياه لغسل بعض الأطباق والأدوات، وبالرغم من تجمد المياه تحاملت على نفسها فلا بديل لذلك.

تقول: الحياة هنا مأساة بمعنى الكلمة، كلما أردت جلب شيء أو غسل الأدوات والملابس أكون مضطرة للخروج من الغرفة. وتكمل: حتى أطفالي أحيانا كثيرة يودون الخروج إلى ساحة المدرسة واللعب فأحاول منعهم لكن دون جدوى.

أما احمد سمير، احد القانطين في مراكز الإيواء بغزة، فهو أب لثلاثة أطفال، معاناته لم تكن فقط بسكنه في مراكز الإيواء، ولكن أطفاله باستمرار يتعرضون لنزلات البرد وارتفاع درجة الحرارة، فالمكان غير مؤهل للسكن في ظل المنخفض الجوي الذي يضرب الأراضي الفلسطينية. ويوضح أن الحياة شبه مستحيلة ونحاول التعايش بما يتوفر، فلا بديل عن ذلك.

 ويقول: «أخشى من فقدان احد أطفالي من شدة البرد، وأتمنى الخلاص من هذا الكابوس والعيش باستقرار وان كان في غرفة واحدة». ويضيف ان مياه الأمطار تتسلل إلى الغرفة ويبقى طوال الليل يحاول منعها وإزاحتها.