أجلت مؤسسة الجليلة للأبحاث تنفيذ مركز الجليلة للأبحاث الطبية إلى شهر يونيو المقبل، وذلك بعد إجراء تعديلات طفيفة على المركز منها نقل المختبر من الطوابق العلوية إلى التسوية، وأبقت على موعد الإنجاز كما هو في أبريل من العام 2016، وسيتم استثمار نحو 100 مليون درهم في المركز للأبحاث الطبية ذات الأولوية في الدولة، وقال البروفيسور سهام الدين كلداري رئيس لجنة الاستشارات العلمية في مؤسسة الجليلة لـ«البيان»، إن المركز سيقام في حرم مدينة دبي الطبية، على مساحة إجمالية قدرها 170 ألف قدم مربعة، وسيتكون من عشرة طوابق بالقرب من مؤسسة الجليلة للأبحاث، وسيتم ربط المبنيين بجسر، وسيخصص ثلاثة طوابق لمركز الجليلة للأبحاث، فيما سيتم تأجير الأدوار السبعة الأخرى، إذ ستخصص إيراداتها لدعم المركز والأبحاث الطبية، مؤكداً أن المركز سيعمل على تعزيز قطاع الرعاية الصحية في الدولة، من خلال تطوير أبحاث طبية تتميز بمستواها العالمي وذات صلة بالمنطقة، ليرتقي بذلك بمكانة دبي في مجال الرعاية الصحية، لتصل إلى مصاف الدول الرائدة في هذا القطاع.
أولوية الأبحاث
وقال، إن الأبحاث التي سيتم التركيز عليها تشمل الأمراض الأكثر انتشاراً في الدولة كأمراض القلب والشرايين والسكري والسرطان والصحة النفسية، لافتاً إلى أن نسبة انتشار هذه الأمراض في الدولة وصلت إلى حد مقلق، حيث تشير بعض الإحصاءات التي تم استسقاؤها من الجهات الصحية إلى أن هناك 3 من كل 4 نساء و2 من كل 3 رجال مصابون بالوزن الزائد أو السمنة المفرطة في حين تشر الجمعية العالمية للسكري عام 2013 إلى أن 18.98% من سكان الإمارات مصابون بالسكري، وأكدت هيئة الصحة في أبوظبي أن السرطان يعد ثاني أكبر مسبب بالوفاة في الدولة، وأكثر أنواعه شيوعاً هي الثدي، والقولون، والغدد اللمفوية والبروستا.
أما في ما يتعلق بأمراض القلب والشرايين فتشير دراسات هيئة الصحة في دبي إلى أن نسبة الإصابة بضغط الدم المرتفع بين المواطنين تمثل إصابة واحدة من بين كل 6 أشخاص.
وقال، إن المؤسسة قدمت منحاً بحثية تجاوزت قيمتها 4 ملايين درهم لـ 15 باحثاً متخصصاً في المجال الطبي بالدولة، حيث سيتم توظيف هذه المنح، السارية لمدة عامين، في المجالات التي تعد من المجالات الرئيسة الخمسة التي تشكل محور اهتمام مركز أبحاث مؤسسة الجليلة، واختارت اللجنة العلمية الدكتور شهاب الأنصاري، إماراتي الجنسية، للحصول على منحة زمالة البحث الطبي في مجال أمراض القلب والشرايين، وذلك في كليفلاند كلينيك بالولايات المتحدة الأميركية.
طلبات
وقال البروفيسور سهام الدين إن عدد الطلبات التي تم تقديمها للمؤسسة للحصول على الدعم وصل إلى 54 طلباً تمت مراجعتها، ووقع الاختيار على 15 متقدماً للحصول على المنح البحثية، من ضمنهم باحثتان، بعد أن نجحا في اجتياز إجراءات الاختيار والمراجعة الصارمة التي تمت على مرحلتين وقام بها خبراء من أشهر المؤسسات الطبية العالمية ومن ضمنها جامعة أكسفورد وجامعة غلاسكو وإمبريال كوليدج وجامعة كوينزلاند والمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية الفرنسية وجامعة أوكلاند وجامعة تورنتو وجامعة بنسلفانيا وجامعة كانساس وجامعة ستوني بروك، لافتاً إلى أن لجنة المراجعين تضم نخبة من الشخصيات الرائدة في مجالات الأبحاث التخصصية، الذين تم انتقاؤهم بعناية فائقة بما يتماشى مع التزام مؤسسة الجليلة بتطوير بيئة أبحاث طبية متقدمة في الدولة مبنيّة على أفضل الممارسات العالمية.
معايير
وحول المعايير التي يتم من خلالها اختيار المستفيدين من برنامجي المنح والزمالة البحثية قال إن اختيار الفائزين تم بعد مراجعة صارمة تميزت بالتنافسية الشديدة واستندت بشكل كامل إلى الجدارة العلمية للمتقدمين، حيث إن المؤسسة تحرص على إعداد أفضل المواهب في مجال البحث الطبي بما يسهم في تعزيز تطور وازدهار قطاع الرعاية الصحية في الدولة وخارجها، لافتاً إلى أن هذه المنح تمثل أولى الخطوات على الطريق نحو تأهيل أفضل الكوادر المحلية من العلماء والباحثين لإجراء الأبحاث العلمية في الدولة، وأما الهدف الأسمى على المدى الطويل فيتمثل في الارتقاء بجودة حياة الناس من خلال تطوير علاجات أفضل تساعد في التصدي للأمراض الأكثر انتشاراً في الدولة وعموم المنطقة.
علامة فارقة
وقال: «يمثل مركز الجليلة للأبحاث الطبية علامة فارقة في تاريخ الأبحاث الطبية في الدولة بشكل خاص، والدول العربية بشكل عام، للنهوض بهذا الجانب الذي تقوم عليه كل العلاجات الحالية والمستقبلية، لافتاً إلى أن الأبحاث العلمية الطبية تفتقر لها دول، حيث إن نسبة ما يخصص لتلك الأبحاث ما زال دون الطموحات ولا يتعدى 50 مليون درهم سنوياً مقابل مليارات تدفعها الدول المتقدمة للأبحاث».
الاستقلالية
وقال رئيس لجنة الاستشارات العلمية رداً على سؤال حول أهم ما يميز المركز، إن ما يميزه هو موضوع الاستقلالية، إذ تعودنا أن تكون مراكز الأبحاث تابعة، إما للجامعات وإما الشركات، وهو الأمر الذي يبقي الباب مفتوحاً أمام جميع الأطباء والباحثين من مختلف الجهات المحلية والعربية، للحصول على الدعم المطلوب إذا استوفت الأبحاث المعايير المعتمدة من قبل مؤسسة الجليلة ومركز الأبحاث.
شراكات
وسيعمل المركز من خلال إطلاق شراكات مع مؤسسات علمية دولية رائدة على إعداد وتطوير العلماء في الدولة، كما سيتيح المركز للعلماء الذين يتخذون من الدولة مقراً لهم الحصول على برامج زمالة الأبحاث والمنح، وذلك بهدف إعداد رواد محليين في مجال الأبحاث للمستقبل مع إتاحة الفرصة لهم للدراسة في مؤسسات أكاديمية رائدة عالمياً، ويتمثل الهدف في تحفيز الشباب وتشجيعهم على الدخول في مجال البحوث الطبية، للإسهام في مستقبل قطاع الرعاية الصحية في الدولة، مؤكداً أنه في غضون سنوات سيصبح مركز مؤسسة الجليلة للأبحاث مركزاً للبحوث الطبية الحيوية ذات المستوى العالمي، إذ سيتم من خلاله تدريب وتطوير الجيل الشاب من العلماء في المجالات الطبية، والتطلع إلى دعم تقدم الأبحاث الطبية في دبي بحيث يتمكن العلماء الدوليون والمحليون من التعاون، بما يسهم في تعزيز سياسة الابتكار في الدولة في غضون سبع سنوات.
فوائد مرجوة
وحول الفوائد التي ستجنيها الدولة بشكل خاص والدول العربية بشكل عام مستقبلاً من الأبحاث الطبية قال البروفيسور سهام الدين كلداري :«ستمهد الأبحاث الطبية مستقبلاً لدراسة موضوع الجينوم الإماراتي بشكل خاص والعربي بشكل عام، لافتاً إلى أن العلماء والباحثين، يطمحون إلى صنع دواء شخصي خاص بكل إنسان بمفرده طبقاً لمحتواه الجيني، وسيؤدي ذلك إلى تلافي العديد من الآثار غير المرغوبة لاستخدام الأدوية العادية ويوفر الكثير من الوقت في التجارب على الحيوانات وعلى البشر».
وأوضح البروفيسور سهام الدين أن الدواء الذي يعالج شخصاً لا يعالج شخصا آخر، وربما يصيب شخصاً آخر بالحساسية أو يؤدي إلى الوفاة، وهناك من يستفيد بالدواء سريعاً نظراً لسرعة استجابة خلاياه للدواء وتفاعلها معه وامتصاصها له، وهناك من لا يستجيب للدواء بذات الطريقة أو السرعة نظراً لاختلاف التركيبة الجينية من شخص لآخر، ما ينعكس على طبيعة الاستجابة للأدوية، مؤكداً أن طريقة استجابة الإنسان لأي دواء تخضع لتأثير العديد من الجينات المختلفة، وبات من الممكن بفضل التقدم الطبي فحص الجينات للتنبؤ بشأن استجابة الشخص للدواء.
وقال البروفيسور سهام الدين سيتمكن علم الأدوية الجيني من تصميم علامات دوائية مناسبة جينياً للأشخاص كونه نوعاً من الأدوية الشخصية أو الفردية، الذي من شأنه أن يساعد في تطوير أدوية ذات فعالية وقوة عالية وفي الوقت نفسه بتأثيرات سمية وجانبية قليلة، لافتاً إلى أن الاستخدامات الحالية لهذا العلم تتمثل في استعانة الأطباء بالمعلومات الجينية لضبط جرعة بعض العقاقير، لا بل إن الأطباء يقومون حالياً بفحص روتيني للجينات قبل إعطاء بعض الأدوية للتعرف على بعض المتغيرات التي من شأنها أن تجعل من ردة فعل المرضى تجاه هذا الدواء سيئة.
تغيرات
وأشار إلى أن المستحضرات الدوائية تشهد تغيرات متسارعة، الأمر الذي جعل الرعاية الصحية في هذه الآونة عرضة للعديد من التطورات تمثلت في إدخال تقنيات جديدة خاصة في ما يتعلق بالاكتشافات الدوائية الجديدة واستعمالاتها، ومن أهم هذه التقنيات التي تركت بصمات واضحة على الاستهلاك الدوائي، ما بات يعرف بعلم الأدوية الجيني «اكتشاف الأدوية المستهدفة»، وهو ما سيركز عليه مركز الجليلة للأبحاث.
الاختلافات الوراثية
أوضح البروفيسور سهام الدين كلداري أن علم الأدوية الجيني يبحث في الاختلافات الوراثية التي تطرأ على الجينات، التي تحدد بدورها الاستجابة الدوائية، كما يبحث في اكتشاف الطرق المناسبة لاستخدام هذه التغيرات للتنبؤ بمدى استجابة الإنسان للأدوية، لهذا سيكون وصف الدواء تفصيلاً وحسب طبيعة جسم كل مريض وليس حسب المرض نفسه.
وأضاف، إن الغرب أدرك مثلاً أن للأمراض الوراثية في العالم العربي أنماطاً تختلف عن ما هي عليه في بقية الشعوب لذلك نجد العديد من المؤسسات المتقدمة تلهث للحصول على عينات من المرضى العرب للوصول إلى الأسس الوراثية لأمراضهم، ومن ثمّ تسجيل براءات اكتشافاتهم الوراثية وحصر البحث فيها على مختبراتهم، ومن ثم الاستفادة مالياً بالتعاقد مع شركات الأدوية لتطوير عقاقير لتلك الأمراض، وتقوم شركات الأدوية في المرحلة الثانية من الحصرية التامة بالانفراد بتصنيع تلك الأدوية والتحكم بطرق توزيعها وتسعيرها عالمياً.

