تحظى الفنون الشعبية الإماراتية، بنصيب وافر واهتمام كبير من قبل المتخصصين، الذين يرون فيها صورة حية ونابضة لتفاصيل الحياة قديماً. ولهذه الفنون قدرة عجيبة على إدخال البهجة إلى النفوس، لاسيما «الرزفة والعيالة والونة والحربية، وغيرها الكثير».

ويأتي فن «المالد» أحد هذه الأشكال الفنية الغنائية الدينية، التي انتشرت في دبي بقوة في الخمسينات، وما زال بعض آثاره موجوداً، وكثير من المهتمين يبحثون في أصوله وصفاته ورواده.

أغانٍ دينية

راشد محمد بن هاشم، أحد المهتمين بالشؤون التراثية الإماراتية والبحث فيها وفي أصولها، تحدث عن فن «المالد» أو كما يطلق عليه آخرون «المولد»، موضحاً أنه أحد أشكال الأغاني الدينية، التي انتشرت في المجتمع الإماراتي قديماً، واستمرت حفلاته حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وكانت فرقة «المالد» تتكون من صفين من المشاركين، أحدهما يحمل الطبول في وضعية الجلوس، مع التلويح بها في الهواء، والنقر عليها بطريقة موحدة، لتصدر نغمات متفقاً عليها، وفي الصف الآخر المقابل منشدون يرددون القصائد الدينية، التي تتحدث وتحكي في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، حباً فيه ولمآثره.

وفي وصف حركاتهم، أوضح راشد أنهم يتمايلون بأكتافهم يميناً وشمالاً بأشكال منتظمة، تعطي انطباعاً عن اندماجهم الشديد، واستغراقهم في حب الكلمات المنشدة، وتماهيهم في أوصاف صاحبها، ويردد المنشدون البيت الشعري الذي يكون «اللازمة» المغناة في النشيد.

أركان رئيسية

وأضاف: يجب أن تتوافر بعض الأركان الرئيسية، حتى تكتمل الصورة عن «المالد»، من ضمنها، وهي الأساس «النص» الذي يتنوع في المفردات شعراً مقفى أو نثراً منظوماً، وغالباً ما يتحدث عن مآثر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وفي سيرته العطرة. وهناك جزء مكمل ورئيسي، يضاف إلى النص وهو المنشد، وعادة ما يكون من رجال العلم الذين اشتهروا بين الناس بثقافتهم واطلاعهم، وممن تتوفر لديهم القدرة على استيعاب وفهم السيرة النبوية، وأيضاً حفظها بطلاقة، وكل هذا مغلف بعذوبة وجمال الصوت، ما يمكنه من الإبداع في الإلقاء، وإطراب المستمعين، ويسمى هذا الشخص «المنشد أو النظيم».

البوصيري وشوقي

ومن أهم القصائد التي كانت تلقى قصيدة «البردة» للإمام البوصيري، و«نهج البردة» لأحمد شوقي، وبعض قصائد شعراء الصوفية.

وعن طريقة أداء القصائد بين راشد بن هاشم، أن الأصل في «المالد» أن تكون هناك قصيدة تلقى، يتبعها بعض التواشيح، وتحتوي الحفلة الواحدة عادة على أكثر من فقرة أو فصل، ويلقى بها عدد من القصائد والتواشيح.

ويردد المنشدون التواشيح ومعهم المنشد الرئيسي، وخلالها تطلق مجموعة «الرديدة» صيحاتها، وعادة ما تستغرق هذه الحفلات نحو ساعتين، وتحتوي على أربعة أو خمسة فصول.

البدايات والمريد

وذكر ابن هاشم أن بدايات فن «المالد» في الإمارات كانت مع المنشد عبدالله المريد، واستمر بعد وفاته ابنه عبدالرحيم المريد، ينقل عنه ويعمل في الاتجاه نفسه، وأطلق عليه اسم «المريد»، وكان يعتبر من أشهر من اشتغلوا بهذا الفن في الإمارات، مشيراً إلى أن هناك أساتذة آخرين عرف عنهم اهتمامهم بهذا المجال، ولهم مدارسهم الخاصة مثل السيد الهاشمي، وأحمد بن حافظ، وعبدالرحمن المنصوري، إضافة إلى هؤلاء كان من علماء الدين والعلم، من يتولون نظم وغناء القصائد، مثل محمد نور رائد التعليم في الإمارات، والشاعر حبيب بن أحمد آل غريب، شاعر الجميرا وصاحب ديوان «ابن غريب».

إقبال كبير

وأشار إلى أن الإقبال قديماً على حضور حفلات «المالد» كان كبيراً، إذ كانت تقام الحفلات في الساحات العامة، وغيرها من الأماكن المفتوحة، والنساء يحرصن على حضور وسماع القصائد والأناشيد، من خلال أماكن خاصة تفصلها ستائر عن الرجال، وكانت الحفلات تمتد حتى منتصف الليل، وتقام فيها الولائم إذا كان صاحب الحفل ميسور الحال، لذلك كان المنشدون يحاولون إكرامه من خلال زيادة عدد الوصلات المغناة إمعاناً في كرمه.

ولفت إلى أن هناك حفلات لـ«المالد»، كانت تقام في ذكر محاسن عليّة القوم أو الحكام، من خلال ذكر مآثرهم وأعمالهم، تعبيراً عن محبة الناس لهم وامتنانهم لأعمالهم.

السماع والبرزنجي

وأوضح راشد بن هاشم أن من أشهر أنواع الموالد «السماع» وتستخدم فيه الدفوف فقط، و«البرزنجي» الذي يقوم على ذكر شمائل الرسول الكريم دون استخدام الدفوف، وتبقى «بردة» الإمام البوصيري، و«نهج البردة» لأحمد شوقي، من أشهر القصائد التي تستخدم في «المالد» وأكثرها انتشاراً، إضافة إلى قصائد أخرى شعبية محلية.

المالد البرزنجي

يتألف «المالد البرزنجي» من كلمات ومفردات راقية، تنشد بطريقة غنائية، تتمتع برصانة ووقار كبيرين، مثل: «أبتدئُ الإمـلاء بـاسـم الـذاتِ الـعـلـيَّـة، مُـسـتـدِراً فـَيـضَ الـبـركـات عـلـى مـا أَنـالـهُ وأَولاَه، وأُثـنــّيِ بـحَـمـدٍ مَـوَاردهُ سَـائِـغـة هَـنـيـّـة، مُـمـتـَـطِـيـاً مـن الـشـُّـكـر الـجـمـيـل مَـطـَـايَـاه، وأُصـلـِّـي وأُسـلـِّـم عـلـى الـنـُّـورِ الـمـوصُـوفِ بـالـتـَّـقـدُّمِ والأَوَّلِـيَّـة، الـمُـنـْـتـقـلِ فـي الـغـُـرَرِ الـكـريـمـة والـجـِبَـاه، وأَسْـتـَـمْـنِـحُ الله تـعـالـى رِضـْـوَانـاً يَـخـُـصُّ الـعِـتـْـرَةَ الـطـَّـاهـرةَ الـنـّـبـويَّـة، ويَـعُـمُّ الـصَّـحـابـةَ والأتـبـاع ومـن وَالاه، وأسـتـَـجـديـهِ هِـدَايـة لـسُـلـُوكِ الـسُّـبـلِ الـوَاضِـحـةِ الـجـلـيَّـةِ، وَحِـفـظـاً مـن الـغـَـوايـةِ فـي خِطـَـطِ الـخـَـطـَـأِ وخـُـطـَـاه.. إلى آخر القصيدة».