اختتم أمس، مؤتمر المعرفة الأول الذي نظمته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، أعماله أمس، وتناولت الجلسة الختامية الحالة المعرفية العربية في ظل الربيع العربي، والآثار التي تركها على المجتمعات العربية وكيفية التعامل مع هذه الآثار، وكذلك سبل تقوية المعرفة والدور المطلوب من الدول العربية المستقرة لمساعدة الدول التي حدث فيها الربيع.

وفي بداية الجلسة التي أدارتها الاعلامية في قناة العربية، منتهى الرمحي، قال رئيس الوزراء المصري الأسبق الدكتور عصام شرف، إن تقييم الحالة المعرفية أو أي عنصر آخر قبل أو أثناء أو بعد الربيع العربي يجب أن يصاحبه تقييم وإجابات لقضايا وأسئلة مهمة جداً للشباب، والتي تسبب لهم القلق، فالشباب يحتاج إلى أحلام جديدة تصنع المستقبل، كما يحتاج أن تصله رسالة الاستقرار وعلاقتها بمجتمع المعرفة.

وأضاف أن الهوية الوطنية في العالم العربي بدأت بالانسحاب أمام الهويات الفرعية، كما يعاني الوطن العربي من الخلط بين مفهوم الوطن والدولة، فالحكومات تتغير لكن الأوطان لا تتغير، لذا فإن الوطن هو الأرضية الرئيسية لأي هويات مختلفة.

وأشار إلى أن المعرفة ليست تعليماً فقط، بل هي مزيج من الأسرة والبيئات الحاضنة والتعليم، ودعا إلى أن تتبنى جامعة الدول العربية قضية تعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب، مؤكداً أن دور الدول المستقرة يكمن في ضرورة وضع برامج متكاملة لإنقاذ الشباب العربي من الضياع الفكري.

وقال إن النظام الاقليمي العربي هش وضعيف لكنه موجود على شكل حلقات، إذا كسرت واحدة أو اثنتان منها فإن باقي الحلقات ستتأثر. لذلك فإن ترسيخ فكرة الوطن هي مسؤولية عربية شاملة، وإذا لم نعلّم الشباب فكرة الوطن فإنهم سيتحولون إلى «داعش».

اغتيال المعرفة

معالي الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، بدأ حديثه بالترحّم على مئات العلماء الذين اغتيلوا في العراق. وقال «هذا يعني أنه تم اغتيال المعرفة قصداً وعمداً وبترصّد». وأضاف معاليه إن «الربيع جاء يستخدم نفس الكلمات، حيث وصف الموظفون الذين طردوا من وظائفهم بأنهم فلول، وهم أصحاب المعرفة.

وقال إن الربيع العربي أفقد المعرفة الأرضية المناسبة للإنتاج والتوطين وبالتالي ازدهارها وتطورها، كما أنه في بعض بلدان الوطن العربي يتم تغييب العقول المفكرة والمنتجة للمعرفة، فهناك الكثير من العقول العربية الرائدة إلا أنه لا أحد يعرف عنها، وبالتالي فإنه لن يتم بلوغ المعرفة إلا باحترام العقول المفكرة والمنتجة للمعرفة.

وأفاد أن التعليم في الوطن العربي لم يتمكن من إيجاد أجيال قادرة على العطاء في سوق العمل، فيتخرج الطالب بمعرفة ضعيفة وتعليم رديء، لذا من الضروري أن نعمل على وضع صياغة جديدة للتعليم.

المعرفة الظلامية

وأضاف «لم تستطع دول الربيع أن تنهض ما أدى لتفشي المعرفة الظلامية وأخونة المعرفة التي برزت بشكل واضح وصريح. أخونة المعرفة قوبلت برفض الشعب المصري».

وأكد إن أعمال وإنجازات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تدرّس في جامعات أمريكية ولا تدرّس في جامعاتنا، تدرس نجاحات وإنجازات مهاتير محمد في العالم الغربي ولا تدرّس في العالم الإسلامي.

وحول العلاقة بين المعرفة والتعليم قال «لدينا تجربة ناجحة في دولة الإمارات العربية المتحدة في المعرفة، حيث استطاع معالي الشيخ نهيان بن مبارك أن يؤسس كليات تقنية وأحضر لها إدارات غربية وعلمت أبناءنا وأرست تعليماً نموذجياً».

وأكد أن هذه الكليات لها أثر في تمكين الطلاب لكي يبحثوا بأنفسهم عن عمل بعد التخرّج. وقال إن دولة الإمارات تقودها نخبة من الشباب، وأضاف إن أحمد بن سعيد وريم الهاشمي قادا فريق عمل استطاع كسب أكسبو. مؤكداً «نحن كل وزرائنا شباب. والإمارات مثال للدولة التي مكّن فيها الشباب لكي يقوم بدوره».

وتحدث بيتر غوبلن عضو مجلس أمناء الجامعة الأميركية في القاهرة حول العلاقة بين المعلومة والتقييم، حول استخدام المعرفة، وضرب مثلاً أن المرء حين يتلقى رسالة الكترونية تطلب نقوداً مقابل عرض ما، فإنه يتحرّك ويبحث عن تأكيد للرسالة. وقال إنهم في الجامعة التي يحاضر بها يركّزون على التفكير النقدي.

وأضاف أنه كان دائماً يقول لطلابه «لا تعرضوا عليّ مشكلات بل أعطوني حلولاً». وقال إنه عمل عشرين عاماً في القاهرة، مضيفاً أنه لاحظ في مصر وجود العديد من الكوادر والقيادات القادرة على تحديد المشكلات. وقال غوبلن إن الربيع أفضى إلى وضع لم تتحقّق فيه الطموحات، كما أن الطرق تغيّرت بشكل جذري ونتجت عنه الكثير من الآلام.

تمكين الشباب

من جانبه، رأى الكاتب والإعلامي حمدي قنديل أن الموضوع الأهم هو كيفية تمكين الشباب، مشيراً إلى أن الشباب في مصر أبهروا العالم وأصبح يقال في كثير من الأماكن في العالم أننا نريد أن نربي أبناءنا على ما ينادي به شباب مصر في ميدان التحرير.

وقال إن الشباب خرجوا وبعدهم خرجت الأمة، بسبب وجود أنظمة فاسدة قمعية، لكن ما حصل أقل مما كان يطمح الشباب وفي مصر خلعنا حاكماً ولم نقم النظام الجديد بعد.

وقال إنه غير متفائل بإمكانية مشاركة الشباب لأنه حتى الآن لا توجد إرادة حقيقية وكذلك بسبب الإعلام. وأضاف أن التطورات عبر التاريخ كانت دائما يسبقها أو يواكبها تقدم ما في وسائل الإعلام. الثورات الأخيرة جاءت بعد التقدّم التكنولوجي الهائل في الفضائيات والانترنت. لكن دور الإعلام قام بدور هدّام خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وأثنى المذيع التلفزيوني ريز خان في مداخلته خلال الجلسة على التجربة الإماراتية في مجال المعرفة، مشيراّ إلى أن رؤية القيادة في الدولة كانت قدوة للجميع، وقال: «قد تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله) عن مسألة الشباب والتعليم في مرحلة مبكرة جداَ، وسبق الآخرين بطروحاته الرائدة في هذا المجال».

وأوضح أن الأمر المثير للاهتمام خلال أحداث الربيع العربي هو دمج المشاعر بما حدث، فكان الخطر الأكبر انخراط الشباب بكل ما هو غير مقبول من تطرف بسبب تحكم المشاعر بما يحدث على الساحة العربية.

وذكر أن الربيع العربي حول جل اهتمام الناس لمسألة الأمن والسلامة، ما أثر بشكل سلبي على التعليم الذي لم يكن ضمن أولوياتهم، كما ساهم الربيع العربي بهجرة الأدمغة العربية التي تمتلك المعرفة لتنعم بالأمان في أماكن أخرى.

منصة عالمية

استقطب مؤتمر المعرفة الأول من نوعه في المنطقة، وفي نسخته الأولى مشاركة واسعة من الخبراء والمفكّرين وصُناع القرار ورواد الفكر وأصحاب الرأي والإعلاميين، من شتى أنحاء العالم.

 وبهذا النجاح الذي تجلى عبر تحوّل المؤتمر إلى خلية نحل مفعمة بالنقاشات المعمّقة والحوارات التي أجراها الإعلاميون على هامش أعمال المنتدى، تؤسس مؤسسة محمد بن زايد آل مكتوم لأحد أهم وأبرز التجمعات الدولية المعنية بتبادل الخبرات ونقل المعرفة، ومنصة عالمية مثالية لمناقشة سبل ترسيخ ثقافة بناء مجتمعات واقتصادات مستدامة ركيزتها المعرفة والتعرف على أفضل ممارسات توطين المعرفة ونقلها وتمكين الشباب في مجتمعاتهم بعيداً عن الأفكار الظلامية والهدامة.