دعا المشاركون في مؤتمر المعرفة الأول المنعقد في دبي لليوم الثاني على التوالي ، إلى تبني استراتيجيات عملية وخطط عمل على مستوى صانعي القرار في الدول العربية، من أجل الاستثمار في قطاع المعرفة بمعناها الكلي من أجل توفير فرص عمل وتحديث مخرجات النظام التعليمي والانتقال من الاعتماد على مصادر الدخل التقليدية إلى تلك المبنية على الابتكار والتطوير ووسائل الاتصال الحديثة.

وقال الدكتور يسري الجمل، وزير التربية والتعليم الأسبق في جمهورية مصر العربية، إن تقرير المعرفة العربي يحتوي على كم هائل من التحليلات والمؤشرات التي يجب على متخذي القرار في الوطن العربي، سواء في قطاعات التعليم أو العمل أو الخاص أو الحكومي، الاطلاع عليها وتبنيها.

ودعا الوزير الأسبق إلى عقد ورش عمل لاحقة بعد المؤتمر بالتعاون مع اليونسيكو والمركز القومي للطفولة وأن يتم دعوة متخذي القرار العرب وتقديم مؤشرات على مستوى كل دولة عربية لتحديد خارطة طريق وخطط عمل وتحويل التوصيات إلى مخرجات واضحة ضمن إطار زمني بناء على الأهداف المحددة.

وفي رد على سؤال لـ«البيان» عن مدى استعداد صانع القرار العربي لتبني هذه المخرجات والمعلومات والمؤشرات التي صدرت عن المؤتمر الأول للمعرفة في دبي، قال يسري الجمل: إن متخذ القرار أحوج ما يكون في المرحلة الحالية إلى مثل هذه المخرجات، إذ إن الوضع الجيوسياسي الحالي ينتج أعلى معدلات بطالة بين الشباب العربي، وهو ما يولد حالة من عدم الرضا الاجتماعي عما تقدمه الدولة ويولد أحيانا حالات من الغضب بين الشباب ليس على الدولة كجهاز مسؤول مباشرة عن توفير فرص العمل بل وعلى المجتمع بأسره.

وأضاف الوزير الأسبق أن التأسيس لمجتمع المعرفة يحتاج إلى قدرات مختلفة عن السابق، وأن على الدولة أن تقدم كل ما تستطيع من أجل خلق فرص عمل حقيقية في سوقي العمل التقليدي والمعرفي معاً.

إلا أنه أشار إلى أبرز المعوقات تتمثل في أن مخرجات التعليم لا تزال بعيدة عن تحقيق المراد، إذ إن ثلثي الخريجين في دول عربية عدة هم من كليات العلوم الإنسانية فيما يشكل خريجو العلوم التطبيقية نسبة الثلث فقط، وأن المطلوب هو وضع خطط عمل لتشجيع الشباب إلى للالتحاق بالكليات التي تنتج مخرجات ترفد الطلب المتزايد على كفاءات تخدم مجتمع المعرفة. ولفت إلى أن الدولة مسؤولة أيضا عن توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة عبر جذب الاستثمارات الأجنبية وتحديث مناهج التعليم العالي وفقا لمتطلبات سوق العمل.

تحديد المفاهيم

وقال المستشار خالد الحشاش رئيس المشروع الوطني لتعيين وقياس وتوطين المعرفة الإنتاجية في دولة الكويت، إن ميزانيات البحث العلمي في الوطن العربي تعد الأقل على المستوى العالمي.

مؤكدا أن المهم ليس ما يقال في المؤتمرات، بل ما يتم بعدها: تعد المؤتمرات منصة ونواة نظرية لتحديد الأولويات، وهي المرحلة الأولى التي ينجح فيها العرب، فيما يخفقون في المرحلة الثانية التي تتطلب جهداً وفعلاً على أرض الواقع ومتابعة حثيثة.

ولفت إلى أن كل ما قيل في المؤتمر خلال اليومين الماضيين يحتاج إلى أن يحول إلى أوراق مشاركة ومشاريع منفصلة نظرا لأهميتها. وان المطلوب أن تتوحد الجهود لوضع آلية مشروع قومي عربي تتجانس فيه كافة المؤسسات والاتجاهات الفكرية. وأعرب الحشاش عن عدم ثقته في قدرة ورش العمل وجلسات العصف الذهني عن تحقيق أي منجزات أو إحداث أي تغيير على الأرض، لافتا إلى أن المطلوب عربيا إعلان صريح بتبني مواقف واضحة تجاه قضية التحول المعرفي وتحويل تلك الأفكار حقائق عبر ميزانيات واضحة ومقرة رسمياً ترصد فقط لإنتاج المعرفة. وأشار رئيس المشروع الوطني لتعيين وقياس وتوطين المعرفة الإنتاجية في دولة الكويت، إلى ان مشكلة العرب إجمالاً تتلخص في كمال التنظير وغياب التطبيق. مشيرا إلى أن صلب الموضوع يكمن في طريقة فهمنا لمفهوم المعرفة.

وقال إن المطلوب في المرحلة الأولى هو تحديد المراد من المعرفة، فإما أن ينظر إليها كعنصر لتطوير المجتمع والاستثمار لتطوير المجتمع واندماجه فيها، ما يجعلها تصل بتجربتها إلى الحدود العليا للمعرفة. وإما أن يتم التعامل معها على أنها سلعة ما الهدف منها تعظيم الثمن بدل القيم، مسقطين بذلك القيم العليا لها.

تعامل

ولفت إلى أن المشكل القائم على المستوى العربي في تعامله مع المعرفة يكمن في غياب الحدود العليا للمعرفة، وكذلك عدم الوضوح في تحديدها كسلعة تهدف إلى خفض الإنفاق وتعظيم العائدات وتحقيق الربحية على سبيل المثال. وطالب بضرورة تبني موقف موحد من مفهوم المعرفة، فإما أن تكون بحدودها الدنيا سلعة، وإما أن تكون بحدودها العليا قيمة شاملة ونموذجا حضاريا. ضاربا أمثلة حية بين نموذج الدول الآسيوية التي تبنت المفهوم الشمولي للمعرفة والتمكين منها، والنموذج الأوروبي الذي يطبق مفهوم رأسمالية المعرفة. مشيرا إلى أن الدول العربية تحاول إن صح التعبير ركوب موجة المعرفة دون ان تعرف إلى أين تمضي بها.

تجربة

قال محمود العسماوي، من برنامج الأمم المتحدة للتنمية، إن المؤتمر قدم تجربة فريدة ورؤية جريئة في معالجة الواقع المعرفي في الدول العربية، متوقعا أن ينتج الكثير من الفائدة على المستوى العملي في مراحل لاحقة.

مراحل

التحدي التعليمي

يظهر التحدي التعليمي منذ المراحل الأولى من التعليم قبل الجامعي في أكثر من ناحية. فدرجات الطلبة الإماراتيين في الاختبارات الدولية مثل تيمس وبيزا في القراءة والكتابة والرياضيات ما زالت أقل من معدل درجات الطلبة في الدول ذات المستوى الاقتصادي المتقدم، بل المستوى الاقتصادي المتوسط. ويستمر التحدي التعليمي، وان بطرق مختلفة، في المراحل اللاحقة بين الشباب.

ففي الوقت الذي تتحرك فيه كثير من الدول إلى استخدام التعلم القائم على البحث وحل المشكلات والتفكير الناقد، وهي المهارات المطلوبة في مجتمع المعرفة، ما زالت طرق التدريس التقليدية هي الغالبة في المؤسسات التعليمية في الدولة.

كما أن التعليم الجامعي والعالي لم ينجح في إنتاج الكتلة الحرجة المطلوبة من «عمال المعرفة» القادرين على توليد منتجات معرفية مثل البرامج الإلكترونية أو الاختراعات المسجلة أو تأليف الكتب وإجراء البحوث.

وهنالك عدم توافق مخرجات النظام التعليمي مع متطلبات المتغيرات الاقتصادية العالمية التي تتطلب مهارات عالية مرتبطة باقتصاد المعرفة والعولمة. ذلك أن ثلثي الطلبة في المرحلة الجامعية يتخصصون في الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية على حساب التخصصات المهمة الأخرى وذات العلاقة المباشرة بنقل وتوطين المعرفة، مثل التخصصات العلمية والرياضيات.

وانتقد العديد من الباحثين دور التعليم في الدولة في خلق مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة، حيث ان التعليم بصورته الحالية، لا يشجع على الإبداع والمنهج لا يثير الطلبة علمياً ولا يتحداهم بالقدر الكافي، كما أن التواصل بين المعلم والطالب متقلص إلى درجات متدنية ويقتصر على الحفظ والتلقين.

تطوير

فرصة تاريخية

إن فرص نقل وتوطين المعرفة وصولاً لإقامة مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة متوفرة بقوة في العديد من الجوانب في دولة الإمارات. فليس ثمة عائق اقتصادي أو سياسي أو تقاني أو ثقافي يمنع من إيلاء الاهتمام الكافي بهذا الموضوع. وعلى العكس من ذلك، يمكن القول إن أمام دولة الإمارات فرصة تاريخية من أجل مواجهة التحديات الرئيسية المتمثلة في تطوير التعليم والبحث العلمي ومحدودية الموارد البشرية والأوضاع الديمغرافية وتنويع البنية الاقتصادية للدولة وتوجيهها نحو إنتاج ذي قيمة معرفية أعلى، وأخيراً تحفيز الشباب الإماراتيين للاستفادة من الفرص المتاحة وللاندماج الفاعل في عمليات نقل وتوطين المعرفة.

على أن الأمر لم يخلُ من بعض الثغرات التي يجب التعامل معها، مثل مهارات التواصل الكتابي، حيث كان مستوى الطلاب فيها متوسطا، سواء في اللغة العربية أو اللغة الأجنبية.