بين مجتمعات لا تزال تبحث عن لقمة العيش وتعتبرها المطلب الأول، ودول قامت فيها الثورات، رافعة شعار الربيع العربي، وأجيال عاشت صراع التطور التقني في زمن تدور عجلته بـ «كبسة زر»، تسير المعرفة حائرة بين متاهات عدة، فبين تقبلها وتبنيها والعمل عليها لتصبح جزءاً من الواقع، قد يحتاج الأمر سنوات طوال. فهل مجتمعاتنا العربية مهيأة اليوم لتبني المعرفة، أم لا يزال أمامها طريق طويل لتحديد معالمها؟

«البيان» التقت عدداً من المختصين والمشاركين في مؤتمر المعرفة الأول، الذين أكدوا أن المستقبل واعد في ظل وجود أشخاص يؤمنون بأهمية المعرفة في بناء المجتمعات، وأنها أصبحت حاجة ماسة في يومنا هذا.
فرص ذهبية
الوطن العربي أضاع الكثير من الفرص الذهبية لاكتساب المعرفة وربطها بالتنمية، هذا ما أكدته د. لانا مامكغ وزيرة الثقافة الأردنية، وقالت: المشكلة أن الضربة القاصمة للوطن العربي، جاءت بعد ما سمي بالربيع العربي، فهذا الربيع سينتج عنه أجيال جاهلة لم تتردد على المدارس أو تتلقَّ الحد الأدنى من التعليم، فما بالنا بالمعرفة.
وأشارت مامكغ إلى أن هذا المؤتمر هو بمثابة صرخة إنقاذ لما يمكن إنقاذه من الحالة المعرفية في الوطن العربي، موجهة شكرها لدولة الإمارات عموماً، وإمارة دبي بشكل خاص، لجهودها في تعزيز المعرفة وسعيها لتمكين أجيال الغد.
وعما إذا كانت المجتمعات العربية مهيأة لتبني المعرفة في ظل الثورات التي قامت بسبب لقمة العيش، قالت: هذه التظاهرات قامت تحت عنوان لقمة العيش، وتمردت على النظم الموجودة، إلا أن الشعوب نسيت أن هذه النظم ورثتها ثقافات راسخة في السلوك والتعامل والديمقراطية الزائفة. وأضافت: عدنا حيث لا ندري إلى الخطوة الأولى في إعادة بناء الوطن العربي، وسندفع الثمن غالياً، وستمر عقود طويلة وصعبة على الوطن العربي حتى يستعيد أنفاسه، ويبدأ تمثيل الديمقراطيات والحريات الحقيقية وصناعة الإنسان بشكل أصيل، وهذا المؤتمر، برأيي، هو الثورة الحقيقة على التجهيل أو نظام التعليم الزائف والتخمة الأكاديمية على حساب المعرفة الحقيقية، وحجر الأساس الذي ستنطلق منه النهضة، والمستقبل واعد في ظل وجود أشخاص يؤمنون بأهمية المعرفة، ويعون قيمتها في بناء المجتمعات.
مطلب واقعي
وأكد د. طلال أبو غزالة مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة طلال أبو غزالة للخدمات المهنية والتعليمية، أن السؤال الأهم يكمن في مدى وجود تمكين جيد للجيل الجديد في ما يتعلق بالمعرفة، وقال: نجح الجيل الجديد في أن يفتح أعيننا على المعرفة، فهو اليوم في ظل ما وصل إليه العالم من تطور، أصبح يكتسب المعرفة وهو في المهد، فنحن اليوم في زمن لم تعد فيه المعرفة ترفاً، بل حاجة ماسة ومطلب واقعي.
وقالت د. دانا براون مدير برنامج الماجستير في إدارة الأعمال في جامعة أكسفورد، إن الوطن العربي يمتلك كمية هائلة من المهارات والطاقات والإمكانات التي تؤهله للقيام بأمور إيجابية كثيرة، وقالت: مفتاح ذلك كله بيد التعليم، فمن خلال خطة تعليمية مدروسة، يمكن استثمار كل الموارد لتحويل السلبيات إلى إيجابيات، وقد نجحت دولة الإمارات في التعامل مع الأزمة الاقتصادية بطريقة خلاقة، وانتصرت على الإحباطات لتحولها إلى طموحات نجحت في تحقيقها، ووصلت بفضل وعي قادتها وحكامها إلى ما هي عليه اليوم من تميز في جميع الجوانب، وبفضل استيعابهم لمفهوم المعرفة والتعامل معه بأفضل صورة.
وعي كافٍ
وذكر د. خالد الحشاش مستشار في جامعة الكويت ومؤسس ورئيس جمعية الاقتصاد الإسلامي في الكويت، أن المجتمعات العربية على وعي كافٍ بأهمية الاقتصاد المعرفي والعمل على المعرفة، بهدف تحقيق التنوع والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقال: أثبتت الدراسات التي أجريت على الوطن العربي، أن هناك تطوراً ووعياً لدى الشعوب العربية أكثر من الحكومات، إذ تستوعب مجتمعاتنا أهمية الاقتصاد المعرفي بشكل جيد، ولكن، للأسف، لا توجد هناك مبادرات حكومية أو تبنٍ لمشروع قومي على مستوى دولنا العربية، يتعلق بالاستفادة من الطاقات الكامنة فيها، ما يجعل الوعي المجتمعي أعلى بكثير من الوعي الحكومي. ولفت الحشاش إلى أن المعرفة لها حضور كبير في الوطن العربي، إلا أنها كامنة وليست ظاهرة، ودليل ذلك استعانة دول العالم بنماذج عربية واستقطابها للاستفادة من خبراتها، ما يؤكد أن الوطن العربي يعاني أزمة ثقة في المنتج المعرفي العربي ليس إلا، ومؤكداً أن ليس هناك أي مبرر لتهميش الإنتاج العربي.
ومضات دليل ثقافي
على أرفف الكتب والمنشورات، تتربع مجلة «ومضات» الشهرية التي تعنى بالمعرفة والتنمية، وتصدر عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وتعد مرجعاً مهماً لرواد المؤتمر، لما تحتويه من معلومات قيمة، إذ تعد دليلاً للزائر، يضم تفاصيل مؤتمر المعرفة الأول، والمتحدثين فيه، وكلمات لشخصيات معروفة حول المعرفة وأثرها في المجتمعات، كما تتضمن أرقام وإحصاءات مهمة، بالإضافة إلى موضوعات ثقافية شيقة، وحوارات وتغطيات صحافية لأحداث وفعاليات احتضنتها الدولة خلال الشهر الماضي، بالإضافة إلى أعمدة ومقالات وتحقيقات تناقش قضايا ثقافية مهمة منها «ثورة الإنترنت والتجارة الشبكية»، و«جودة التعليم» و«العرب واقتصاد المعرفة» و«تفعيل دور المرأة ونشر الثقافة المؤسسية» وغيرها.
وتتربع صورة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على غلاف المجلة، وبجانبه علم الإمارات شامخ، ويتهادى خلفهما شعار مؤتمر المعرفة الأول.

سيما بحوث: الإمارات نموذج يحتذى بإرادتها ورؤيتها المستقبلية
تسير في طريقها بكل هدوء، تحمل في حقيبتها الوظيفية تقارير ودراسات وبحوث، وعلى عاتقها هم المعرفة، تؤمن بأن الإرادة الحقيقية تتحدى جميع الصعوبات، وأن كل دولة تعد تجربة قائمة بحد ذاتها، يمكن الاستفادة منها في أخذ الدروس والتطلع إلى المستقبل، بهدف تكوين رؤية أوسع على الواقع المعرفي والتنموي. إنها الدكتورة سيما سامي بحوث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، المدير الإقليمي- المكتب الإقليمي للدول العربية، التي ترى أن الإمارات نموذج يحتذى به في مجال المعرفة، وأن تمكين الجيل الجديد مسؤولية مشتركة. «البيان» التقتها في مؤتمر المعرفة الأول، وكان معها الحوار التالي.
يحمل مؤتمر المعرفة الأول شعار «تمكين أجيال الغد»، على من تقع هذه المسؤولية برأيك؟
هي مسؤولية مشتركة بين المدارس والجامعات والأسرة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والحكومة التي تضع السياسات والاستراتيجيات والبرامج، ومشكلتنا أننا نسعى للتقدم متناسين احتياجاتنا التنموية التي تختلف عن احتياجات الدول صاحبة التكنولوجيا، وهذا ما يحتم علينا الاستفادة من التقنيات بشكل صحيح، لضمان التطور الاقتصادي والاجتماعي وغيرهما.
استثمار
مع جيل التقنيات الحديثة والترفيه، هل ستؤخذ المعرفة، بمفهومها الصحيح، في عين الاعتبار؟
المعرفة تؤدي للتكنولوجيا والعكس، كما يجب أن تهتم الدولة بتعزيز مفهوم المعرفة لدى الشباب، من خلال الربط بين المعرفة والترفيه، إذ يمكن استثمار وسائل التواصل الاجتماعي في خلق المعرفة، وهذا يوسع مدارك الجيل الجديد، ويحسن علاقته بالمعرفة.
هل وطننا العربي مستعد لتقبل واكتساب المعرفة؟
بالتأكيد، قد لا يكون ذلك بنسبة 100 %، ولكن تقرير المعرفة الذي صدر في هذا المؤتمر، درس الشباب في 4 دول عربية مهمة، هي الأردن وتونس والمغرب والإمارات، وأظهرت الدراسات الحاجة الكبيرة إلى المعرفة، وحين نتحدث عن عدم التهميش، فإننا نتحدث عن عدم تهميش الشباب وغيرهم في جوانب المعرفة. وفي الوقت الحالي، يجب على الدول العربية استغلال التكنولوجيا، بهدف إثراء المعرفة ودعم الفكر التنموي، وذلك من خلال إيجاد فرص عمل أفضل، وتحسين نوعية الحياة، ومنطقتنا العربية مهيأة لذلك.
رفاهية وحاجة
ينظر البعض إلى المعرفة في الوطن العربي كنوع من الرفاهية، في ظل طغيان الحاجة إلى لقمة العيش، ما تعليقك؟
المعرفة اليوم تعد مطلباً حقيقياً، كونها إحدى أبواب العيش الكريم، وتوفر المعرفة يؤدي لمستوى حياة أفضل للناس، وهذا ما أشارت وتشير له كافة التقارير التي تعد بشكل أو بآخر من قبل الأمم المتحدة وغيرها من مكاتب للأبحاث، فهناك حاجة لمجتمع واقتصاد المعرفة، وكلما كان هناك معرفة أكثر، كلما توطنت المعرفة وزادت فرص العمل لشباب يبحثون عن حياة أفضل، أما بخصوص الثورات، فلم تقم كلها بسبب لقمة العيش، بل كان بعضها صرخة لأجل الحرية، أو بحثاً عن عدالة اجتماعية، ووجود المعرفة يرسخ كل هذه الجوانب.
جهود كبيرة تضمنها العمل على تقرير المعرفة، لأي مدى يمكن تطبيق ما جاء فيه؟
أي جهد فكري وعلمي يستحق القراءة، وخصوصاً في المنطقة العربية التي تعاني شحاً في مثل هذه الدراسات، وبالنسبة للشباب، فهم فئة مهمة جداً، ونحن في المنطقة العربية لدينا أكبر عدد من الشباب في العالم، وأكثرهم عاطل عن العمل، وبالتالي، من المهم جداً أن يصدر للشباب دراسات تدرس أوضاعهم، وبرأيي أن التراكم المعرفي حول التحديات والاحتياجات هو ما سيؤدي لوضع حلول تنموية ناجعة يجب أخذها في عين الاعتبار.
إثبات وجود
ذكرت د. سيما بحوث، أن دولة الإمارات بإرادتها السياسية القوية ورؤيتها المستقبلية أصبحت نموذجاً يحتذى به، فقد نجحت في إثبات وجودها في المنطقة العربية على عدة مستويات، كالتطوير والتحسين، واستطاعت بإمكاناتها أن تقدم للشباب الإماراتي والعربي فرصاً جيدة، وتنجح في استثمارات إيجابية كثيرة، وهذا ما يثير الفضول للبحث والاطلاع على الآلية التي استخدمتها لتقدم كل ذلك رغم صغر حجمها مقارنة بغيرها. ولفتت إلى أن ما يلفت النظر ويستحق الإشادة، أن دولة الإمارات تسهم بشكل كبير في دعم عجلة التنمية وإصدار التقارير ودعم التطوير، متمنية أن تحذو الدول الأخرى حذوها في هذا الجانب.
تقرير المعرفة العربي.. جهود لم تتوقف
سنة ونصف، لم يتوقف خلالها العمل على تقرير المعرفة العربي لعام 2014، الذي كان ثمرة تعاون مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، والمكتب الإقليمي للدول العربية - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحدث عنها د. غيث فريز مدير ومنسق تقرير المعرفة العربي، فقال: مراحل كثيرة مررنا بها أثناء العمل على التقرير، وصعوبات وتحديات واجهناها بالإصرار والعزم على تقديم تقرير مفصل عن وضع المعرفة على المستوى الإقليمي، والمستوى المحلي لدولة الإمارات، صاحبتها ورش عمل ومؤتمرات واجتماعات عدة، نتجت عنها دراسات وإحصاءات، أصبحت اليوم بين أيدي المهتمين وأصحاب القرار، وتعد مصدر معلومات موثقاً يمكن العودة إليه والاستفادة منه.
ويتمتع فريز بخبرة واسعة في إعداد وتنسيق التقارير والدراسات التنموية الإقليمية والدولية، ولفت إلى أن المحور الذي ركز عليه التقرير، وهو الشباب وتوطين المعرفة، يعد ذا أهمية كبيرة، لا سيما أن دولة الإمارات من الدول الصاعدة والطامحة والمتطلعة لأن تصبح واحدة من أفضل دول العالم، وفقاً لرؤية عام 2021.




