تتواصل فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي 2014 في منطقة الوثبة بإمارة أبوظبي والذي يمتد على مدار 22 يوماً مع تزايد ملحوظ من قبل الزوار الذين يتوافدون بالآلاف يومياً إلى المهرجان؛ للاطلاع عن كثب على مقتنيات التراث الإماراتي العريق وبيئاته ومكوناته الغنية التي تعكس أصالة هذا الشعب وتجذر ثقافته في هذه الأرض الطيبة والتي تمتد إلى مئات السنين، وقد افتتح المهرجان أبوابه أمام الزوار يوم 20 نوفمبر الجاري حيث شهدت فعاليات الافتتاح مراسم احتفالية رسمية وشعبية فاقت التوقعات.
وتظهر البيئة الجبلية ضمن مكونات المهرجان بحلتها البهية وغناها بالمكونات والمقتنيات التي أثْرت المهرجان بتنوعها وعبرت بكل صدق عن إرث حضاري وثقافي تمتعت به تلك المناطق يضاف إلى المكونات التاريخية الأخرى التي تحظى بها دولة الإمارات وشعبها الأصيل والتي ترسخت في هذه الأرض الطيبة عبر مئات السنين .
حيث تسرد البيئة الجبلية إرثاً تفصيلياً يحاكي حقبة تاريخية طويلة بدءاً من تشييد المباني بطرازها المعماري الإماراتي الحقيقي منذ القدم إلى الورش التفاعلية التي اشتهر بها أبناء تلك المناطق وتفاصيل حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم والكثير غيرها التي تشكل محط فخر للإماراتيين بأمجاد الآباء الأوائل الذين صنعوا حضارة وإرثاً ثقافياً سيبقى شاهداً حياً تتناقله الأجيال.
عراقة
وقد جرى تقديم البيئة الجبلية ضمن موقع المهرجان بطريقة واقعية حيث تم تشييد المباني بالأسلوب المعماري القديم وبشكل يماثل تماماً البيوت التي كانت قائمة على قمم الجبال منذ القدم في المناطق الجبلية وبأدق التفاصيل لتنقل صورة حقيقية عن الواقع الذي يمثل حقبة تاريخية عريقة وما زال الكثير من تلك المباني قائماً إلى يومنا هذا في تلك المناطق الجبلية.
ومن المعروف أن المباني ضمن أي بيئة يتم تشييدها عادة بالمواد المتوفرة في المنطقة ذاتها لذا فقد شيّدت مباني البيئة الجبلية ضمن مهرجان الشيخ زايد التراثي بنفس المواد التي شيدّت بها في مناطقها الحقيقية وهي الحجارة التي تجلب من جبال المنطقة نفسها بالإضافة إلى الطين والتبن الذي كان يستخدم قديماً للربط بين الأحجار وتسقف بالجريد أو الأخشاب حيث حفلت ساحة البيئة الجبلية بعدة أنواع من البيوت بأحجامها الطبيعية والنمط المعماري نفسه.
وما يميز البيوت في المناطق الجبلية تكيفها مع الظروف الجوية ويدلل ذلك على الذائقة الكبيرة في الفن المعماري التقليدي الذي حظي به أهل المنطقة حيث تميزت تلك البيوت بسماكة جدرانها علاوة على دقة تصميمها واتجاهاتها وطريقة التهوية فيها فهي تمنح أهل البيت نوعاً من الدفء خلال فصل الشتاء والبرودة في فصل الصيف كما كان للطابع الإسلامي أثر مهم في التصميم فهو يوفر التهوية الباردة لغرف البيت المفتوحة على ساحته الداخلية.
مواقع
ويبرز «مسجد البدية» في ساحة البيئة الجبلية كأحد أهم المعالم التاريخية التي بقيت شاهداً حياً حتى وقتنا الحاضر حيث يمثل هذا المسجد إرثاً تاريخياً إسلامياً يربو على 500 عام ومازالت تقام الصلاة فيه حتى يومنا هذا وقد بني مسجد البدية ضمن موقع مهرجان الشيخ زايد التراثي بالطريقة المماثلة تماماً والمواد نفسها التي بني بها المسجد الأثري في منطقة البدية في إمارة الفجيرة.
إلا أن المسجد في موقع المهرجان أصغر في الحجم وكذلك تقام فيه الصلاة حيث بني المسجد من الحجارة الكبيرة والصغيرة المتوفرة في المنطقة واستخدم الطين المحروق والمخلوط بالقش أو التبن لربط الحجارة .
ويعلوه أربع قبب توزعت على أركانه يتوسطها عمود يحمل السقف ويحتوي على منبر ومحراب للإمام ويمكن للزوار الصلاة داخل المسجد والاطلاع عن كثب على هذا المعلم التاريخي بأدق التفاصيل علاوة على الصور والمعلومات التي سيوفرها المعرض والتي تشرح عملية بناء المسجد وتاريخه العريق.
وتزخر ساحة البيئة الجبلية كذلك بالمعارض والمتاحف التفاعلية التي أضفت رونقاً جذاباً على موقع المهرجان فبالإضافة إلى المباني التاريخية ومسجد البدية العريق حفلت الساحة بمعرض «الصقر» إذ يحظى هذا الطائر بأهمية كبيرة لدى أبناء المنطقة منذ القدم ويعتبر إرثاً تاريخياً ورفيقاً للصيد منذ مئات السنين.
حيث اهتم أبناء المناطق في عموم الإمارات بهواية الصيد باستخدام الصقور ويعلم الكثير منهم طريقة تربيتها والتعامل معها وقد شارك نادي أبوظبي للصقارين في جناح المعرض لاطلاع الزوار على الصقور من خلال سرد لكافة الأنشطة المتعلقة بالصقر وتربيته وطريقة التعامل معه في رحلات الصيد وكذلك اطلاعهم على مقتنيات الصيد المطلوبة بالإضافة إلى الإرث التاريخي الذي يمثله بالنسبة لأبناء المنطقة.
وفي الجانب الآخر يأتي «معرض السلوقي العربي» أو كلب الصيد الشهير على مستوى العالم والإمارات على وجه الخصوص ويعد من الإرث التاريخي لأبناء المنطقة عبر مئات السنين حيث اهتم أبناء الإمارات في البيئات المختلفة بتربية كلاب السلوقي منذ القدم .
ولاسيما البدو العرب لما عرف عنه من الوفاء والذكاء فهو كلب الصيد وحارس المواشي أثناء الرعي وحارس البيت ويرافق صاحبه في الحل والترحال، وقد شارك «مركز السلوقي العربي» بإمارة أبوظبي بهذا المعرض حيث يعطي الزوار لمحة تاريخية عن السلوقي العربي ودوره في حياة أبناء المنطقة.
صناعة الحلوى
ولابد للزوار من التعرف على «ركن المحلوي وركن العسال» حيث سيطلع الزوار على الصناعة التقليدية القديمة التي كانت تصنع بها الحلويات وكذلك أدواتها حيث كان يطلق اسم المحلوي على صانع الحلويات وقد اختصت بهذه الصناعة الشعبية عدد من الأسر وتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد.
حيث كانت الحلويات تحضر من السكر والنشا والسمن وتخلط مع الماء في أوعية كبيرة على نار هادئة يضاف بعدها ماء الورد والزعفران والهيل وبعد أن تنضج تقدم في أطباق ثم يضاف إليها المكسرات.
وكانت الزراعة من بين أهم المصادر الطبيعية لغذاء أهل المناطق الجبلية منذ القدم فبالإضافة إلى زراعة النخيل وبعض أنواع الفاكهة والخضار انتشرت زراعة الحبوب ومن أهمها القمح والشعير والدخن والذرة حيث تزرع ضمن الأراضي المنبسطة الصالحة للزراعة في المناطق الجبلية وتعتمد في ريها على مياه الأمطار .
بالإضافة إلى زراعة الخضراوات والأشجار المثمرة في الوديان لريها من مياه الأفلاج والسيول وعند موسم الحصاد أو «اليز» كما كان يطلق عليه تؤخذ السنابل بكاملها مع القش وتخزن في «الينور» وهي عبارة عن حفر واسعة وليست بالعميقة .
حيث تبقى الحبوب إلى حين جفافها حيث يجري دقها بواسطة أداة تسمى «المداق أو القبان» وذلك لفصل الحبوب عن القش بعد ذلك يتم استخدام «ذراري الحب» من خلال نثره في الهواء فتتساقط الحبوب ويتطاير القش أو التبن إلى الجهة الأخرى وتجمع الحبوب بعد ذلك وتخزن في البيوت ..
وكان أهل المناطق الجبلية منذ القدم يهتمون بتنظيف الأراضي الزراعية والعناية بها بعد كل عملية حصاد لتكون جاهزة في الموسم التالي.
مناحل العسل
وتدخل مناحل العسل ضمن الموارد الاقتصادية لأهل المناطق الجبلية منذ القدم بل باتت مهنة تتوارثها الأجيال ومازالت قائمة إلى يومنا هذا حيث يعتبر العسل الذي تنتجه المناطق الجبلية من أفضل أنواع العسل والذي يعتمد بغذائه على شجر السدر الشهير.
وأما على صعيد الصناعة فقد كانت «صناعة الجص» من أهم الصناعات التي انتشرت قديماً ومازالت قائمة بتشجيع من الدولة للحفاظ على هذا الإرث التاريخي حيث كان الجص أو «الجصة» تستخدم في البناء بدلاً من الاسمنت ومنه أنواع مقاومة للتسرب وتستخدم لطلس وتغطية برك المياه .
بالإضافة إلى الحرف اليدوية التي امتهنها أبناء مناطق البيئات الإماراتية المختلفة والتي كانت تشكل مصدراً للرزق في أحيان كثيرة ومن بين هذه الحرف كان ما يختص به الرجال وأخرى كانت للنساء.
ولكنها بمجملها شكلت إرثاً ثقافياً يعكس أنماط الحياة ومتطلباتها خلال فترات تاريخية طويلة وقد أسهم المهرجان في نقل صور تفاعلية حية عن هذه الحرف بهدف تعريف الأجيال بمهن الاباء والأجداد والإرث التاريخي العريق الذي شكل معالم ثقافتهم.
ومن بين الحرف التراثية يأتي تحضير «الخمير وخبز الرقاق» فالخمير من أنواع الخبز التي كانت تصنعها النساء قديماً ويقدم على الإفطار ويدهن بالدبس أو العسل وأما خبز الرقاق فهو ذو شهرة واسعة ويدل اسمه على أن سماكته رقيقة ويخبز على قرص الصاج ويقدم مع السمن أو السكر أو المرق.
واشتهرت البيئات الإماراتية كذلك «بدباغة الجلود» لاستخدامها في شد الطبول أو قرب الماء أو الأحذية والملابس حيث تؤخذ جلود الماشية وتجفف تماماً في الشمس ثم يزال الشعر عنها بغمرها بماء مملح ثم تجفف وتصبح بعد ذلك جاهزة للصناعة.
ومن الحرف القديمة التي تناقلتها الأجيال «دق الحنة والمحنية» وهي من العادات العربية حيث تتزين النساء بوضع الحناء على الشعر أو اليدين والقدمين لاكتساب اللون الأحمر حيث تسحق أوراق شجر الحناء وتقوم «المحنية» وهي المرأة التي تخلط مسحوق الحناء بتزيين النساء به في المناسبات والأفراح.
أعمال البناء
شكل «بيت الحصى والطين والجص» نمطاً معمارياً قديماً في البناء ويسقف بالجريد والألواح الخشبية وتطل الغرف على ساحة البيت حيث يعلوها البرجيل لتوفير التهوية الباردة للغرف وأهل البيت.
واشتهرت مناطق الإمارات عبر التاريخ بـ«صناعة الطبول» وهو من الإرث لدى العائلة يتناقله الأبناء عن الآباء وكان يصنع من جذوع الأشجار بعد تفريغها للحصول على شكل أسطواني وبمقاسات محددة ثم يشد عليه جلود المواشي.
وكانت «صناعة الفخار» من الصناعات التقليدية المنتشرة منذ القدم ولها أثرها في مراحل التطور التاريخي للأمم وتمر صناعة الفخار بعدة مراحل تبدأ بتنقية الطين وخلطه بالماء ومن ثم تشكيله باستخدام قالب التدوير الذي يدفع بدواسة القدم.
ومن الحلويات المشهورة «محلا زايد / المحلى» ويحضر من عجينة رخوة مكونة من الطحين والسكر والحليب والبيض والخميرة ويخفف بالماء ثم يوضع في قدر ويغطى لمدة ساعتين ويخبز بعد ذلك وهو شبيه بسمكه خبز الرقاق ولكنه حلو المذاق.
حرفة الحدادة شكلت أدوات ومستلزمات المنزل
يحضر «الجامي» وهو من الأكلات التراثية الإماراتية القديمة من حليب المواشي وذلك بوضع الحليب على نار هادئة لبعض الوقت حتى تتكون كتل بيضاء منفصلة ويرفع بعدها ليبرد ويصفى ويقدم مع السمن العربي والتمر والخبز.
وظهرت حرفة «الحدادة» في الإمارات منذ القدم وارتبطت كذلك بأدواتها المعروفة؛ المطرقة والسندان والكور والسحب والطرق ويمتهنها الرجال حيث يصهر الحديد أو النحاس وغيره من المعادن لتشكيل الأدوات المنزلية والكثير من المستلزمات.
وتميزت بيئات الإمارات بحرفة «البادلة» منذ القدم وهي أشبه ما تكون بالتطريز اليدوي حيث تحتاج البادلة إلى مهارة ودقة عاليتين وذلك لتزيين سراويل النساء بنقوش جميلة وبألوان مختلفة تتباهى بها النساء.
وقد حفلت بيوت الإمارات قديماً «بالرحى» وهو عبارة عن حجرين مستديرين خشني الملمس يستخدم لطحن الحبوب الأول مثبت في الأسفل والعلوي يدور حول محور وله مقبض للتدوير وفتحة علوية توضع فيها الحبوب لتخرج مطحونة من بين جوانب الحجرين بعد الدوران ..
وكذلك «العجفة» قديما بدلاً من الصالونات حيث كانت العجافة تزين شعر النساء بتسريحه وعمل الضفائر أو العجائف مع استخدام روائح الورد والزعفران وكانت النساء تذهب أو تحضر العجافة في المناسبات والأعياد والأفراح.
ومن بين الأكلات المشهورة منذ القدم «العصيدة» وتحضر بطرق مختلفة وهي من الأكلات الشعبية التي تحظى بمكانة خاصة لدى أهل الإمارات وتقدم في المناسبات ومن أشهرها عصيدة البوبر «اليقطين» وعصيدة الجزر وعصيدة الطحين.
وكان أهل الإمارات قديماً يطلقون على ماكينة الخياطة اسم «الكرخانة» وكانت تعد من أهم مقتيات العائلة حيث كانت سيدة المنزل تخيط ملابسها وملابس زوجها وأبناءها وتستخدم الشبر والفتر والذراع في القياس قبل وجود المقاييس المعروفة.
ومازالت «اللقيمات» محببة منذ القدم حيث تنتشر في طول الإمارات وعرضها وهي نوع من الحلويات يحضر من خليط هش من الطحين واللبن والسكر والزعفران والهيل يتم قليها بشكل كرات في الزيت ثم يسكب الدبس أو العسل عليها قبل تقديمها.