اتحاد دولة الإمارات؛ مشروع وحدوي لم يكن ليرى النور لولا النظرة الثاقبة للمغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله، التي تصدت للفشل بدحر جميع الاحتمالات، فحققت أنجح اتحاد عربي على مر التاريخ، عبر تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

اليوم وبعد مضي 43 عاماً على قيام الاتحاد، أصبحنا نتلمس النجاح والتميز في كل المجالات، ونبصر الإبهار والتفرد في شتى الأحوال، وتلك المنجزات التي نستظل بها على امتداد إماراتنا الحبيبة، تحتم على الجميع في مواقع المسؤولية المختلفة، المبادرة بتوعية النشء للحفاظ على ما حققه الآباء والأجداد، وسرد تفاصيل كثيرة مهمة عن واقع الأمس، لذا بادرت دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، بالتعاون مع الأرشيف الوطني، بتنظيم ملتقى «تواصل الأجيال»، والذي يأتي ضمن احتفالات الدولة باليوم الوطني الثالث والأربعين، ويعد بمثابة همزة وصل بين الماضي وطلبة المدارس من المرحلة الثانوية، وقد استعرض فيه المشاركون قصصاً ونجاحات لأعلام من الإمارات، كانت لهم بصمات إبداعية سجلها التاريخ في ذاكرته.

حدث هام

«تواصل الأجيال» من منظور الدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، حدث هام يربط جيل الأجداد بجيل الأبناء، سعياً إلى بناء جسور التواصل بين جيلي الأمس والمستقبل، وإبراز جهود وإنجازات وطموحات أعلام الإمارات المبدعين من الرعيل الأول في حرفهم التراثية وممارساتهم المهنية، علاوة على شحذ الهمم نحو القمم لأجيال الغد، والإبداع في بناء مستقبل مشرق في قالب من الأصالة والمعاصرة.

ووصف الشيباني جلسة الملتقى بأنها أمانة تغذي عقول أبنائنا بنفحات الماضي، وتحفظ حقوق الذين ساهموا في تحقيق الرقي والرفاهية تحت مظلة الاتحاد، بسواعد المؤسسين رحمهم الله، الذين دفعوا بهذا الاتحاد نحو الضياء، ليدرك جيل اليوم أننا مطالبون باستمرار بتحقيق التنمية والعطاء من أجل دولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والذي قال: «قبل أن نقيّم المستقبل، علينا أن نلقي نظرة سريعة على الماضي لأنه أساس المستقبل».

مطبعة الرضوان

وذكر سعيد خميس السويدي رئيس وحدة دراسات الأنساب في الأرشيف الوطني، بعض الشخصيات والنماذج الإماراتية التي ساهمت في مجالات مختلفة، منها: محمد بن عبدالله الرضوان الحارثي الذي افتتح أول مطبعة على مستوى الإمارات في دبي عام 1958، بشراكة مع أحد أقاربه من الكويت، وهو رضوان محمد الرضوان، واستخدم فيها الآلات الميكانيكية اليدوية في البداية، وماكينة «سلندر» لطباعة الأحجام الكبيرة من الورق، ثم جلب مولد كهرباء لتشغيل الآلات وإنارة المبنى، إذ ان الكهرباء لم تكن متوفرة في تلك الأيام، وفي مرحلة لاحقة استوردت ماكينات أوتوماتيكية للطباعة من شركة «هايدلبرغ» الألمانية، وكانت أول مطبعة طبعت الجريدة الرسمية لإمارة دبي، وكانت كذلك تطبع المطبوعات الدورية، إضافةً إلى الأوراق الخاصة بالحكومات والبنوك والأعمال التجارية.

وكانت مطبعة الرضوان تغطي احتياجات كافة الإمارات، وبعض الدول المجاورة، وكذلك المدن والقرى الواقعة على الساحل. وألحقت بالمطبعة أول مؤسسة لبيع القرطاسية والأدوات المكتبية.

عام 1970 فضت الشراكة بين محمد عبدالله الرضوان وشريكه، فاستأجر محمد الرضوان المطبعة العمانية ثاني مطبعة في الإمارات، التي أنشأها هاشم الهاشمي بعد مطبعة الرضوان بفترة قصيرة؛ نحو سنتين تقريباً. وفي العام 1972 اشترى محمد عبدالله الرضوان مطبعة البلاد، واستمرت حتى وفاته عام 1989م.

تعمير السفن

ومن الأسماء الإماراتية التي ما زالت تقدم حتى يومنا هذا، الوالد سيف بن محمد بن مصبح بالقيزي الفلاسي، صاحب مؤسسة محمد سيف مصبح بالقيزي لإنشاء وتعمير السفن، وهي أول مؤسسة لصناعة السفن الخشبية بعد قيام الاتحاد، وبالقيزي يعتبر آخر صانعي السفن الخشبية، وقد تعلم هذه الحرفة واكتسب خبرته فيها على يد علي بن خلفان بالقيزي، ومصبح بن درويش بالقيزي، وامتهن كذلك النجارة في شبابه، وقبلها كان يعمل حارساً لـ«الفرضة» في دبي، في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، ومن ثم تفرغ للنجارة.

ومن إنجازات الوالد سيف بالقيزي أنه عمل مع أحمد بن ثاني بن عبود على صناعة سفينة خشبية من نوع «صمعا» للشيخ سعيد بن مكتوم رحمه الله، حاكم دبي بين عاميّ 1912م و1958م، وقد أطلق الشيخ سعيد على هذه السفينة اسم «الشندغة»، وكانت كذلك قرينة الشيخ سعيد بن مكتوم؛ الشيخة حصة بنت المر بن حريز الفلاسي، تستعين به في الأمور الخاصة بالنجارة لإصلاح الأبواب الخشبية، وفك الصناديق وغيرها من الأمور.

ومن إنجازاته كذلك بناء سفينة خشبية كبيرة لمتحف الشارقة البحري، إذ تم بناؤها في مصنعه الكائن بمنطقة الجدّاف في دبي، ثم نقلها إلى المتحف، وهناك صادف فريق العمل صعوبةً في إدخال السفينة إلى داخل المتحف، فتم فك كل خشبة في السفينة وإعادة تركيبها والعمل عليها مجدداً داخل المتحف. وأنجز بالقيزي كذلك يختاً من الخشب للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ثالوث وطني

في ما يتعلق بالهوية والولاء والانتماء، قال عبداللطيف الصيادي، باحث رئيسي ومحاضر في الأرشيف الوطني، إن هذه المفاهيم بمثابة ثالوث أمانة في عنق كل مواطن، يتحكم في بناء الشخصية الوطنية لكل فرد، من منطلق الاستجابة والتفاعل الإيجابي مع دعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ليكون عام 2008 عاماً للهوية الوطنية.

عناصر الهوية

سلّط عبداللطيف الصيادي، الضوء على عناصر الهوية الوطنية، ومعزّزات الانتماء والولاء للوطن، بوصفها حجر الزاوية في استقرار الشعوب وتماسكها وتقدمها، مشيراً إلى أنه لا قيمة لانتساب الإنسان لوطنه دون إيمانه والتزامه بقيم وعادات الوطن وتقاليده ونظمه الاجتماعية.

واعتبر الصيادي الهوية بأنها السمات أو الذاتية، وما يضمره الإنسان في داخله من أخلاق وعادات وجميع ما يشكل الشخصية من عناصر، وكل تلك المقومات يمكن اختصارها بأنها البصمة التي تميز أي شعب عن سواه.