دهن العود فتنة المناسبات، ورومانسية تفجر الأوردة عشقاً من أول ذرة عبر الأثير غير المرئي لتتجه نحو الأرواح قبل الأنوف، فهو ما أن يلامس البشرة حتى يمتزج معها في رومانسية بارعة ليكونان ثنائية مثالية للعشق الفريد، فسبحان الخالق الذي أهدى من شجرة ولحاء ملحمة خالدة من الجمال تتكسر سعادة وتحترق غراماً لتصيغ لنا عالماً من الوجد والولع بها.
التقت «البيان» محمد عمر البادع الذي ترعرع في تجارة الزهور ونباتات الزينة، واضطرته تجارته للسفر كثيراً إلى بلدان مختلفة في الشرق الأوسط وخاصة إلى فيتنام وكمبوديا اللتين تشتهران بتجارة أفخر أنواع العود، فامتزجت لديه متعة التجارة بعشق الهواية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أخذ يجمع خلالها أندر وأغلى أنواع دهن وخشب العود.
ترك البادع أخيراً تجارته الأصلية في الزهور ونباتات الزينة لأبنائه، بعد أن تحول اهتمامه إلى البحث عن عطر العود والعنبر والمسك النادرة التي يصنفها إلى مجموعات، وجمعها من بلدان بعيدة عدة، يحتفظ بها في معرضه الكائن بمنطقة جميرا، وتوسعت دائرة عشقه للأشياء القيمة، لتشمل الدلال القديمة من مختلف البلدان الخليجية، ليشكل باقة كبيرة من المقتنيات التي يحتفظ بها، ولا ينوي بيع إلا القليل، بعد أن تراكم لديه مخزون منها.
وأعرب البادع عن سعادته البالغة وولعه بهذه الهواية التي أسرته لسنوات طويلة وصلت إلى ثلاثين عاماً، كان ينفق فيها الغالي والثمين من أجل اقتناء زجاجات العود التي تعود لأزمنة طويلة تمتد لتسعة عقود، حين ألهبت كلمة «العود» أحاسيس العشق لديه فرسخت علاقته بالفخامة، ورقصت أبياته الشعرية طرباً وانتشاءً بالعطر.
ويعتبر عالم العطور عالماً قائماً على التجديد والابتكار، من أجل الوصول إلى أفضل الخلطات الشذية التي تزكي الأنوف، وتغلف من يستعملها بجاذبية عطرية ساحرة، وكون الشرق منبع السحر والثراء، فقد برز دهن العود مقوماً رئيساً لعطور عدة تتوجه لراغبيها منذ قديم الأزل، ويصف البادع مقتنياته من دهن العود وأنواعه المختلفة التي تجمع بين الأصفر والأزرق والأخضر والأحمر، قائلاً إن أياً منها لا يقبل الخلط معاً، وهذا هو قانون العود.

السلطان عبدالحميد
وأوضح أنه يمتلك العديد من زجاجات دهن العود القديمة التي تختزل الحقب التاريخية المميزة للتاريخ الإسلامي القديم من العصور الأموية والعثمانية والفاطمية، باعتبارها صاحبة حضارة غنية، حيث يمتلك زجاجة دهن العود التي تعود لمقتنيات السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وهو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، وآخر من امتلك سلطة فعلية منهم، لافتاً إلى أنه كان يخصص سابقاً دهن العود الأصلي غير المخلوط للسلطان أما الحاشية فكان لها المخلوط منه بالزيت.
وكشف البادع أيضاً عن قطعة نادرة يحفظها في «فاترينا» خاصة وهي عبارة عن قطعة من دهن عود مخلوطة بالعنبر كان الملك ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، أهداها إلى الملك صلاح الدين الأيوبي بمناسبة السماح له بالسفر للعلاج إلا أن صلاح الدين رفضها فوضعت في متحف بالقدس الشريف إلى أن امتلكتها الدولة العثمانية.
900 عام
تجولت «البيان» في معرضه الذي بدت عليه الفخامة واضحة وسلطت الضوء على أندر أنواع العود التي زينت الواجهات وكأنها أسطورة تتربع على عرش الزمان لتروي لنا قصة عشق قديمة تفوح منها رائحة الماضي الجميل، والتي ما أن تراها عيناك، حتى ينطلق بمخيلتك العنان لتسرح في التفاصيل الدقيقة لحياة العثمانيين القدامى عبر العصور التاريخية، بل وسيزداد فضولك للتعرف على أسرار الصناعة الدقيقة، والمهارة العالية التي استخدموها في صناعة دهن العود، ولم يكن لديهم آلات وتكنولوجيا متطورة.
ويحوي المعرض الذي يتكون من واجهات كثيرة زجاجة دهن العود المختومة بالختم السلطاني منذ ما يزيد على القرن، والتي لا يوجد أختها في مكان آخر من العالم سوى لدى البادع فقط، وأخرى تعود للعصر الأموي بحسب تاريخها الذي دون عليها لأكثر من 900 عام مضت، وفي زاوية أخرى وضعت زجاجة صغيرة لدهن العود الأزرق النادر قارب عمرها الـ 335 عاماً أي منذ عام 1100 هجرية، ولا يوجد منها سوى خمس زجاجات في العالم كله استحوذ عليهم البادع أيضاً.
لم يقتصر المعرض التاريخي الذي تفوح منه أفخر وأندر روائح العود والمسك والعنبر، وإنما يضم كذلك مادة زباد القط الأثيوبي التي يعد منها أغلى أنواع القهوة إذ يصل سعر الفنجان منها ما يقارب المئتي درهم، إلى جانب العنبر اليمني ومسك غزال الهيملايا المحرم دولياً لأنه مهدد بالانقراض.
ويضم كذلك أنواعاً نادرة من الدلال التي تعتبر إحدى ركائز الكرم العربي الأصيل، منها الدلة القرشية وهي دلة صنعت يدوياً في إمارة دبي تحديداً من النحاس المطلي بالذهب، وأخرى من الفضة صنعها إسماعيل الصفار آخر سلالة مزاولي هذه المهنة التي يعود تاريخها لـ180 عاماً، إلى جانب لوحات وطاولات مصنوعة يدوياً من الطبيعة ومطلية بطلاء بدهانات طبيعية مستخرجة من أشجار خاصة.
أنواع
عن أنواع خشب العود يقول البادع إنه يمتلك منه الأنواع النادرة والمنقرضة مثل خشب عود التايجر الكمبودي، وعود كمبودي بوسات، وكمبودي كهجونك، والماليزي الأخضر وهو أندرها، ويعود معظمها إلى أوائل التسعينات، أما أقدمها فيعود إلى أوائل الخمسينات من الألفية السابقة، مثل عود سمباوا المعتق.
التقطير
عملية استخراج مكلفة
يتم استخراج دهن العود بطريقة التقطير، حيث تقطع الأشجار ويوضع الخشب المصاب الذي التصقت به مادة العود في قدر، ويسخن بالحرارة العالية ثم يقطر. ويعد تقطير دهن العود عملية مضنية ومكلفة، الأمر الذي ينعكس على سعره، حيث إن كل كيلو من خشب العود ينتج 2 ملم من دهن العود.

لذلك فإن سعره غالٍ جداً ويقدم عادة للعروس في حفلات الزفاف أو كهدايا قيمة لكبار القوم. وكلما مر عليه الزمن يزداد سعره.
رائحة
العود مادة عضوية

العود هو مادة غنية راتنجية قوية الرائحة، يتم إنتاجها من قبل أشجار تسمّى ألكيلاريا أو جيرينوبس، التي تنمو في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من قارة آسيا، وخصوصاً في الأراضي الجبلية غير العالية والسفوح ذات التربة الرملية، بدءاً بمنطقة آسام الهندية وبورما وجبال خسيان الهندية، وكمبوديا وإندونيسيا وماليزيا. حيث تقوم هذه الأشجار بإفراز مادة العود العضوية، لمحاربة الفطريات التي تهاجم جذوعها. وهو يحتاج إلى مئات السنين ليتكوّن ويتشكل، لذلك يصعب الحصول عليه بكميات كبيرة.
