«شوابنا» ماضينا؛ وهم الحاضر الذي ينعش ذاكرة الأمس، ننهل منهم حقائق تراثية وكثيراً من القصص والحكايات الاجتماعية. كنا معهم في رحلة بحرية على ضفاف خور دبي، جمعت كبار السن من دور رعاية المسنين في دبي والشارقة وعجمان، برعاية من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية، وقرية البوم السياحية، وتنظيم مؤسسة «كوتوبيا» للمسؤولية الاجتماعية، تزامناً مع اليوم العالمي للمسنين 2014، بمشاركة مجموعة من المتطوعين والمتطوعات، الذين حرصوا على مشاركة «شوابنا» أجمل اللحظات في البحر، والاستماع لقصص تتحدث عن شظف الحياة بالأمس.

مغاصات اللؤلؤ

الرحلة أعادت شريط الذكريات إلى «الشواب»، ومن بينهم الوالد سيف بن علي المنصوري، الذي خَبِر البحر منذ كان في سن السابعة، وتعلم الغوص بالقرب من شواطئه، ثم شارك في رحلات غوص كثيرة؛ إلى مغاصات اللؤلؤ المشهورة «الهيرات»، لعل أشهرها حسب ما ذكر المنصوري: «ريلة» و«مشابك» و«الحد» و«العمير العودة» و«العمير الصغيرة» و«المعترض» و«الزريع» و«السيفية» و«بودليخة» وغيرها الكثير من أسماء المغاصات المشهورة قديماً في الخليج العربي، وبالقرب من إمارتي أبوظبي ودبي.

مخاطر البحر تبدو كثيرة، والأمثال الشعبية التي ذكرها الوالد المنصوري خلال الرحلة البحرية، ترمز إلى علاقة الخبرة والقرب من البحر، منها: «للبحر له ناس لفيحه.. يعرفون التوح من اليره»، ومثل شعبي آخر «وش لك بالبحر وأهواله وأرزاق الله على السيف»، وغيرها من الأمثال الشعبية.

«صراع من أجل لقمة العيش» هكذا وصف المنصوري رحلة البحث عن اللؤلؤ في الماضي، وأضاف أن الرجال كانوا يغوصون لأعماق تبلغ نحو 12 باعاً، إذ يقفز إلى البحر ما يقارب 20 غواصاً من يمين المركب «المحمل» ويساره. وعلى الرغم من عدم توفر الأدوات اللازمة للتنفس تحت الماء، إلا أن بعض الرجال يتميزون بقدرتهم على البقاء تحت الماء طويلاً، بحيث يغوص البعض لثلاث أو أربع دقائق كحدٍ أعلى.

الطاقات البشرية

تختلف أعمار الغواصين بحسب طاقة وحيوية كل منهم، فرحلة الغوص تشمل الشباب من عمر 16 عاماً وحتى الأربعين، ويمكن استخدام مراكب عدة في عملية الغوص منها: «سمبوق» و«جالبوت» و«بقارة» و«شاحوف» و«البوم» و«التبيل» وغيرها. وتنطلق المراكب من مناطق ساحلية عدة في الدول وبأعداد مختلفة، إذ كان عدد المراكب في إمارة دبي، يتراوح بين 200 و300 مركب، بينما تنطلق من منطقة الخان في الشارقة نحو 200 سفينة، ومن إمارة عجمان ينطلق نحو 150 مركباً، وهكذا في الجزيرة الحمراء وأم القيوين وغيرها.

الشاعر راشد غانم العصري، الذي شارك المنصوري الحديث عن «سوالف» البحر، ذكر أن الصغار في السابق كانوا يتعلمون الغوص بالقرب من اليابسة، وكذلك صيد الأسماك كان يتم بالقرب من الشواطئ، نتيجة استخدام قوارب تعمل بالتجديف، إلا أن الصيد ظل وفيراً نظراً لهدوء الساحل وقلة الصيد، بالمقارنة مع الواقع اليوم، وأكثر أنواع الأسماك صيداً في الشتاء؛ أسماك السردين «العومة» القريبة من الشاطئ، وأحياناً يبعد الصياد من البحر أكثر لصيد أسماك «القرفة» التي تتميز بألوانها الفسفورية ليلاً.

"التوح" و"الحلاق"

ويطلق على عملية صيد أسماك «القرفة»، «التوح» أو «الحلاق»، بينما يطلق على الغوص بالقرب من «السيف» أو اليابسة «القحة»، ولا تحتاج عملية البحث عن اللؤلؤ سوى ثلاثة رجال أو أربعة، ويطلق على اللؤلؤة الواحدة «قماشة» والجمع «قماش»، وغالباً ما تكون هذه العملية في الصباح، ويعود الرجال ظهراً بما ظفروا به من لؤلؤ، ويتناول الجميع غداءه في البيت، ثم يتجهون عصراً إلى نقطة تجمع لفتح المحار أو «فلقه»، ويمر تاجر اللؤلؤ «الطواش» في تلك الأثناء عليهم لشراء اللؤلؤ، ليبيعه لاحقاً إلى تجار أكثر ثراءً وشهرة.

واسترسل الشاعر سيف بن حمد الشامسي حديث الذكريات، بصوت يجره الحنين إلى الماضي، موضحاً أنهم في الشتاء كانوا يتوجهون إلى الخور لانتشال بعض الطحالب «الشبا»، واستخدامها طعماً في صيد الأسماك عبر أقفاص الأسماك «القراقير»، إلى جانب استخدام أسماك السردين «العومة الصغيرة»، ويطلق على عملية تجهيز «القرقور» بـ«اليمار»، بينما يحرص البعض الآخر على صيد الأسماك بطرق أخرى مثل «الحداق»، أي استخدام السلك أو الخيط في عرض البحر للصيد، كما هو حال السنارة حديثاً.

الطين و«سمين»

الشتاء كما يقول الشامسي ظل يتميز بالتغيير الذي يحدثه في البيوت، وفي مساكن الناس قديماً في المدينة «الديرة»، وكأنه يعيد تشكيل بناء البيوت، إذ يحرص الأهالي على شراء أنواع جيدة من الطين لطمر الأسقف من الأعلى، منعاً لتسرب مياه الأمطار إلى داخل البيوت أو المخازن القريبة من البحر، بينما يشتري أصحاب الخيام عازلا عن الأمطار «سمين».

"الطهف" والقرش

الحذر من أهوال البحر واجب على كل من كان يلج البحر قديماً، وهنا ذكر الوالد سيف بن علي المنصوري بعض المواقف المخيفة في البحر، منها على سبيل المثال، التهام سمك القرش «اليريور» لأحد الغواصين من إمارة عجمان، ومحاولة أخرى لسمكة قرش أزرق «الذيبة» لالتهام غواص آخر، لكنها لم تتمكن إلا من نهش رجله. بينما نجح أحد الرجال وهو حميد الزعابي رحمه الله، في الإمساك بسمكة قرش بعد صراع طويل معها. وأكثر المشاهد رعباً واجهت البحارة في الماضي، المرور وسط العاصفة الكبيرة أو الطوفان، أو كما يطلق على الإعصار محلياً في الماضي «الطهف».