حلت بالأمس الذكرى الرابعة لرحيل آخر مؤسسي دولة الاتحاد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ صقر بن محمد القاسمي، وامتاز رحمه الله بسياسته الحكيمة وبعد رؤيته وتطلعه الدائم إلى المستقبل بتفاؤل وأمل، حيث استقطبت الإمارة في عهده العديد من الصناعات الناجحة التي أسهمت في دفع عجلة التقدم، ومنها صناعة الأسمنت والأدوية والسيراميك والحديد وغيرها من المصانع والشركات.
وشكّل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ صقر بن محمد القاسمي مع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشيوخ المؤسسون أعضاء الاتحاد الذين توفاهم الله.. اللبنة الأولى لانطلاق مسيرة الاتحاد.
ولد المغفور له بإذن الله الشيخ صقر القاسمي عام 1918 في مدينة رأس الخيمة، ونشأ نشأة إسلامية عربية في كنف والده الشيخ محمد بن سالم بن سلطان القاسمي، الذي كان حاكماً للإمارة ما بين عامي 1917 - 1919، واتصف بالهدوء والحلم وقوة الإرادة والشجاعة في إبداء الرأي، كما عُرف عنه اعتزازه الشديد بتاريخ أجداده الذين بنوا أكبر قوة بحرية عربية في المنطقة، وعرف عنه أيضا ولاؤه لأمته العربية ونصرته لقضايا الحق والعدل والسلام.
ينتمي الشيخ صقر بن محمد القاسمي في نسبه إلى الشيخ رحمة بن مطر بن كايد مؤسس دولة القواسم في المنطقة 1760 ميلادي، عقب انهيار دولة اليعاربة، ويعود تسلسل نسبه كما يلي: صقر بن محمد بن سالم بن سلطان بن صقر بن راشد بن رحمة بن مطر بن كايد وهو الجد الأكبر للقواسم.
تمتع الشيخ صقر منذ ولادته برعاية أبوية خاصة أساسها التعلم وأخذ المعرفة بأمور الدين والدنيا، فقد نشأ بين أشقائه وزملائه ينهل في دراسته معاني القرآن الكريم وحفظ آياته وتعلم القراءة والكتابة على يد ما كان يسمى في ذلك الوقت «المطاوعة»، حيث درس الشيخ صقر في طفولته على يد المطوعة الفاضلة فاطمة، زوجة حمد الرجباني، المعروف باسم «المغربي»، وتلقى في تعليمه الأولي حفظ آيات من القرآن الكريم والحساب ومبادئ القراءة والكتابة.
وكان عمر الشيخ صقر حينئذ لا يتجاوز عشر سنوات، ثم درس فيما بعد على يد معلمين متخصصين، أحضرهم الحاكم في تلك الفترة خصيصاً من نجد، لتدريس أفراد العائلة الحاكمة في بيت الحاكم، ثم تلقى دراسة العلوم الدينية والعربية على يد الشيخ سيد الهاشمي في بيت فضيلة الشيخ علي بن محمد المحمود، وكانت الدراسة شبه نظامية.
نشر العلم
أعطى الشيخ صقر بن محمد القاسمى جل اهتمامه لنشر العلم والمعرفة في المجتمع، إيمانا منه بدور التعليم في بناء الإنسان والمجتمع وتكوين الوعي الحضاري للدول، حيث أمر بإنشاء دائرة للمعارف لمتابعة شؤون البعثات العلمية في الإمارة، وقام بتذليل العقبات أمام كل الوفود التعليمية التي أرسلتها الدول الأخرى من أجل نشر العلم، كما قام بافتتاح مدارس نظامية في الإمارة، وكان يشجع الطلاب وأولياء الأمور ويحثهم على تعليم أبنائهم، ويصرف لهم مكافآت شهرية، كما قام بافتتاح عدد من المدارس، وجعل التعليم إجباريا للإناث كما هو للذكور، وكان يعاقب الطالب إذا ما تغيب عن المدرسة دون عذر، ولا يعفى عنه إلا بضمانة ولي أمره، وتعهده بمتابعته، والمثابرة في الدراسة وتلقي العلم.
ومنذ أن تولى الحكم، أولى العلم والتعليم جل اهتمامه، فأصبح في رأس الخيمة عشر مدارس في عام 1960، خمس منها للبنين وخمس للبنات، وعمل على إنشاء المدرسة الزراعية في الدقداقة، في سنة 1955، ثم أنشأ المدرسة الصناعية في سنة 1969، وكان التعليم في بداياته مختلطاً في المرحلة الابتدائية، ومع ازدياد الطلبة تم بناء المزيد من المدارس، حتى وصل عدد المدارس في عام 1969 إلى 27 مدرسة، وارتفع عدد الطلبة إلى نحو ستة آلاف طالب وطالبة.
الوحدة الوطنية
عمل الشيخ صقر بن محمد القاسمي خلال حكمه إمارة رأس الخيمة على إرساء قواعد الوحدة الوطنية بين القبائل في الإمارة، وجمع شملها، والتأليف بينها، وجعلها وحدة متماسكة وتوحيد صفهم، لأن الإنسان في نظره هو الثروة الكبرى للوطن، لذا عكف على رفعة شأن إمارته وتقدمها في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فحققت رأس الخيمة بجهوده المتواصلة تقدما كبيرا في ركب العلم والتقدم.
انتخب الشيخ صقر عام 1965 رئيسا لمجلس الحكام قبل قيام اتحاد دولة الإمارات وضم إمارات الساحل، واستطاع خلال ترؤسه المجلس تحقيق الكثير من المنجزات، وظل في هذا المنصب إلى قيام الاتحاد.
وعمل إلى جانب اخوانه حكام الإمارات على إقامة اتحاد متماسك ومترابط، يجمع شمل الإمارات في دولة واحدة، تزيل الحواجز بين أبناء المنطقة الواحدة.
توجيه وإشراف
توالت نهضة رأس الخيمة العمرانية والاقتصادية بتوجيه وإشراف مباشر من الشيخ صقر، حيث تم افتتاح المشاريع الكبيرة، ومنها مطار رأس الخيمة الدولي وميناء صقر، وبذلك حققت إمارة رأس الخيمة خلال سنوات قلائل في عهده منجزات كبيرة، وشهدت تحولات جذرية على طريق التقدم والازدهار، انطلقت من وضع خطط حديثة لتطوير المدينة على أسس عصرية بإقامة العديد من المرافق الحيوية بالإمارة.
وحرص الشيخ صقر بن محمد القاسمي على الالتقاء بالمواطنين من خلال مجلسه المفتوح دائما أو على الطبيعة، وتفقد احتياجاتهم والاطمئنان على أحوالهم، والاستماع إلى مطالبهم واحتياجاتهم من مشاريع الخدمات بمناطقهم، وكرس كل جهوده منذ أن تولى مقاليد الحكم لخدمة المواطنين وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في حياة كريمة يسودها الاستقرار والأمان والرفاهية، وبناء دولة حديثة ينعمون بظلال تقدمها وازدهارها.
