يقول المثل: «الكي آخر العلاج»، لكن الواقع قديماً كان مخالفاً تماماً في ظل انعدام الطب النوعي والتخصصي، إذ تصدى المجتمع لأمراض الماضي بأساليب بدائية اعتمدت بشكل أساسي على الخبرة والمعرفة التي ورثها الشخص عن الآباء والأجداد، ولعل الكيّ أو ما يعرف محلياً بـالوسم، من العلاجات التي ظلت شائعة وموثوقة لدى العديد من الأشخاص وفي الكثير من الأمراض، ففي كل منطقة أو «فريج» هناك أشخاص عرفوا بخبرتهم في الكي، وكان يقصدهم المرضى من المناطق المجاورة وحتى البعيدة.

سيخ حديد

تبدأ عملية الكيّ بتسخين سيخ من الحديد، يطلق عليه محلياً «المخباط» أو «الميسم»، له شكل معين يتولى صنعه القدامى بأنفسهم، ملتزمين بمعايير محددة، ويمتلك مزاولو هذه المهنة مجموعة من الأشكال والأحجام من الحديد، تتناسب مع المنطقة المراد كيُّها لدى المريض، ويختلف كل مريض عن سواه بعدد مرات الوسم وحجمه.

 شيخة صالح من النساء القدامى، اشتهرت بالكي في «الفريج» الذي تقطنه، وقد شرَّعت أبواب منزلها لعلاج الأطفال والنساء دون مقابل، حيث قالت إن الكي أو الوسم، من العلاجات الرئيسة التي كان يلجأ إليها الإنسان في السابق، وقد أثبت فاعليته في شفاء العديد من الأمراض، لافتة إلى أن هذه المهنة بدأت في التلاشي في الوقت الحالي، وتقلص عدد الممارسين لها كثيراً.

تشخيص دقيق

وأضافت ان عملية الوسم تبدأ بالتعرف على القصة المرضية، فدور الشخص الذي يمارس الوسم لا يختلف عن الطبيب، إذ لا بد أن يشخص المرض ويتعرف على مسبباته أولاً، وإذا توافقت أعراض الأمراض مع خبرته المعرفية، يُوسم المريض في أماكن متفرقة من الجسم حسب الحاجة، مشيرة إلى أنه أثناء تشخيص المرض تبدأ عملية إحماء «المخباط»، وفي فترة الإحماء تحدد مواضع الوسم، وبعد الانتهاء من تحديد المواضع، يمسك المخباط بقطعة قماش وينظف مكان الموضع ثم يكوى بطريقة سريعة وخاطفة.

وأشارت صالح إلى أن الأمراض هي التي تحدد طريقة الكي، فبعضها يتطلب كيّاً عميقاً، وآخر سطحياً، كما أن هناك أشخاصا معينين اشتهروا بالكي في أصناف محددة من المرض، لافتة إلى أن أبرز الأمراض التي كانوا يعالجونها بالكي سابقاً، «العصبة» التي تصيب الظهر، وأعراضها الشعور بألم أسفل لوح الكتف، وعلاجها الوسم تحت سدف اليد اليمنى واليسرى، وكذلك عصبة الخاصرة والسعال الديكي أو الكحة، والتي كانت تصيب الأطفال في سن السادسة والسابعة غالباً، وكذلك الحال مع الذبحة الصدرية التي تظهر آلامها في ضيق التنفس، ويُكوى المريض فيها في قمة الرأس، إضافة إلى عرق الكبود وعرق النساء والعديد من الأمراض التي تصيب أجزاء الجسم المختلفة، والتي تغيرت مسمياتها الطبية في الوقت الحالي.

خوف شديد

من الذكريات التقليدية التي لا تنسى في عملية الكيّ، أن أهل المريض كانوا يستنجدون بعدد من الأشخاص، رجالاً ونساءً بحسب جنس الشخص المعالج، من أجل المساعدة في إمساك المريض وضمان عدم تحركه أثناء القيام بالعملية، حتى لا يتضرر في مواضع أخرى، لاسيما في ظل حالة الخوف الشديد التي كانت تنتاب الصغار والكبار على حد سواء، عند اقتراب موعد عملية الكي.