أكد المشاركون في مؤتمر التغير المناخي ومستقبل المياه الذي اختتم أعماله أمس بأبوظبي في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الحاجة الملحة إلى البيانات لتقدير أثر تغيُّر المناخ في الموارد المائية بالدولة، وأشاروا إلى أن النقص في البيانات وغيابها يعتبران من المشكلات الرئيسية التي تعرقل دراسات أثر تغيُّر المناخ في الإمارات.
ودعا المؤتمر الى إنشاء مركز موحّد تجمع فيه المعلومات ويتمّ توفيرها لصانع القرار والباحثين والمهتمين مع الاشارة الى وجود تحسّن فيما يتعلق بجهود التنسيق داخل الدولة بتبادل المعلومات بينها وبين سائر دول الخليج العربي.
وأشاروا الى ان مركز أبوظبي للإحصاء يمثل احدى الجهات الفاعلة التي تسهم في تعزيز هذه الجهود وسبق أن تم اقتراح إنشاء مركز في الإمارات يجمّع البيانات والمعلومات المتعلقة بإدارة المياه على مستوى الخليج العربي ويُعنى بتنسيق استراتيجيات إدارة شؤون المياه في المنطقة.
وقال الدكتور أحمد علي مراد وكيل كلية العلوم بجامعة الإمارات في ورقة عمل قدمها خلال اعمال اليوم الثاني من المؤتمر انه لا يتوافر متوسط البيانات المتعلقة بتغير المناخ إلا لبضع دورات تغطِّي 30 عاماً فحسب ولم يبدأ العمل في إجراء قياسات لدرجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار في دولة الإمارات إلا في نهاية عام 1971 ونهاية عام 1976 على التوالي.
وأضاف: إننا في حاجة إلى أكثر من ذلك للتنبُّؤ الدقيق بتغير المناخ، حيث يرتبط التأثير الملحوظ لتغيُّر المناخ في الدولة ارتباطاً شديداً بارتفاع درجة الحرارة ويمكن أن يتراوح ارتفاع درجة الحرارة خلال 50 عاماً بين درجة واحدة ودرجتين مئويتين، وهو ما يشمل الدول في شبه الجزيرة العربية.
وستؤدي زيادة درجة الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر ما سيؤثّر بقوة في توافر المياه. وينبغي إجراء تنبؤات أكثر دقة للربط بين تفاعلات تغيُّر المناخ العالمي والإقليمي للتنبؤ بالمستقبل، ولتغذية المياه الجوفية، وضبط استهلاك المياه بالدولة.
زيادة الحرارة
وأوضح وكيل كلية العلوم ان مجموع زيادة درجات الحرارة في الفترة ما بين عامي 1982 و2000 وصل إلى 1.6 درجة مئوية، وهو ما يتّسق مع زيادة درجة الحرارة في شبه الجزيرة العربية.
وأشار الى أن متوسط هطول الأمطار السنوي في البلاد يقارب 100 ملليمتر؛ إذ تتراوح الأمطار بين أقل من 40 ملليمتراً حول واحة ليوا و160 ملليمتراً في الجبال الشمالية الشرقية ويتجاوز معدل التبخُّر أحياناً 2000 ملليمتر في السنة، ويمكن أن يزيد متوسط أقصى درجة حرارة على 40 درجة مئوية في الصيف.
وقال انه وفقاً لـ«استراتيجيَّة حفظ المياه في دولة الإمارات 2010»، تتمثّل سياسة الحكومة في الحدِّ من معدل استخراج المياه الجوفية بنسبة 25%-30% بحلول عام 2030 وتُعدُّ المياه المحلاة المصدر الرئيسي للمياه في البلاد وتجرى تحلية مياه البحر والمياه الجوفية بنسبة 64% من قبل هيئة كهرباء ومياه أبوظبي، و23% من قبل هيئة كهرباء ومياه دبي وسائر الإمارات.
وتكشف بيانات هطول الأمطار لمدة خمس سنوات عن أن كمية الأمطار تناقصت من عام 1978 إلى عام 1994، ثم ارتفعت من عام 1994 إلى عام 1996، لتعاود الانخفاض بعدها. ويشير الاتجاه العام لبيانات هطول الأمطار في خمس سنوات إلى أن هناك دورة من الزيادة والنقصان في كمية الأمطار، وتعادل الدورة من خمس إلى ست سنوات.
أخطار مستقبلية
من جانبه قال الدكتور بهمن بختياري المدير التنفيذي للمؤسسة الدولية للمجتمع المدني في الشرق الأوسط وشمال افريقيا ان دولة الإمارات سوف تستنفد ما لديها من المياه خلال الـ 50 عاماً المقبلة، مشدداً على ضرورة التفكير في كيفية ادارة مواردها المائية حتى لا تتعرض لمشكلة متفاقمة في المستقبل.
واشار إلى أن تحقيق الأمن المائي يُعد تحدياً كبيراً جداً بالنسبة لمنطقة الخليج ويجب التفكير في إعادة وضع استراتيجيات جديدة لإدارة المياه في المنطقة، خاصة وأن العديد من اقتصادات العالم ستتأثر مستقبلاً بمدى جودة ادارتها لمخزونها المائي.
وأشار الى أن حجم المياه التي يتم اهدارها في تحلية المياه وصل إلى 500 مليون متر مكعب عام 2012، لذا يجب العمل على تجاوز هذا الهدر، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة حيث تراوح الارتفاع في الـ 50 عاما الماضية ما بين درجة ودرجتين بمقياس سيلسيوس، مما اثر على التساقطات المطرية، لافتاً إلى أن التحدي الاكبر في التغير المناخي هو نقص البيانات الكافية.
5 % النمو السكاني في الدولة يزيد الضغوط على الموارد المائية
قال سيد آغا المنسق المقيم للأمم المتحدة في الإمارات، إن ندرة المياه هي حقيقة واقعة في دولة الإمارات إذ يعد معدل استهلاك الفرد من المياه حالياً، الأعلى عالمياً؛ حيث يبلغ أكثر من 500 لتر يومياً، أي أعلى بنحو 82 ٪ من المتوسط العالمي، وينمو عدد السكان في دولة الإمارات بنسبة 5 ٪ في السنة؛ الأمر الذي سوف يضع مزيداً من الضغوط على ما يسميه بعضهم «أزمة المياه الإقليمية». وأكد أن الاستخدام الفعَّال والترشيد في الاستهلاك يجب أن يكونا جزءاً من الحل لهذه «الأزمة» الوشيكة؛ كما أن الدعم الحكومي يسبِّب نقص الوعي بالتكلفة، وهي من بين التحديات التي تواجهها القيادة.
وحذر سيد آغا المنسق المقيم للأمم المتحدة في الإمارات من أنه بحلول عام 2030 سيواجه نصف سكان العالم ندرة في المياه، وأشار إلى أن القيادة الرشيدة والحكومة في دولة الإمارت تعملان من أجل توجُّه أكثر استدامةً نحو تغيُّر المناخ، وحوكمة المياه وإدارتها.
واختتم آغا بأن دولة الإمارات تحتاج إلى التركيز على زيادة إمدادات المياه، فضلاً عن تعزيز كفاءة استخدامها وتخصيصها.
وتناول المشاركون في المؤتمر موضوع قلة البيانات ونقصها في ما يتصل بالمصادر المائية، حيث أشار بعضهم إلى أنه بالنظر إلى حداثة دولة الإمارات، فإنه يتم الاستئناس بالبيانات الصادرة عن الجهات العالمية المعتمدة كالأمم المتحدة والمنظمة العالمية للأغذية والزراعة "فاو" والبيانات التي تصدرها الأقمار الاصطناعية والمراكز البحثية العالمية والإقليمية والمحلية.
وأكدوا أن النقص في البيانات يحول دون الحصول على تكهنات وتنبّؤات دقيقة لذلك تتم في دولة الإمارات عملية مواءمة مع البيانات العالمية، ولكن هامش الخطأ يكون واسعاً، ولا تكون النتائج المستخلصة نهائية، وفي المستقبل سيكون يجري العمل على تحسين القدرات للوصول الى تنبؤ أدق.
وفي إشارة إلى إحراز بعض المناطق الجافّة نجاحات في استخدام المياه المعالجة في الزراعة، بحيث ان المشكلة لا تتعلق بالجفاف في حدّ ذاته، بل بالممارسات البشرية، تم التطرق إلى استخدام المياه المعالجة في إنتاج المحاصيل الزراعية التي تتحمل نسبة عالية من ملوحة المياه. وقد نجحت هذه التجربة في كثير من الدول العربية بما افضى إلى تقليل استهلاك المياه العذبة، ويمكن التوسّع في توخّي هذا النهج.
وتمّ تأكيد أنّ تغيّر المناخ حقيقة علمية لا تقبل التشكيك، لا سيما أن مختلف البحوث والدراسات قد أجمعت عليه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تأثير تغير المناخ في مصادر المياه واستخداماتها وتوزيعها.
وإجابة على تساؤل تعلق بجهود تبادُل قواعد البيانات ونشرها في دولة الإمارات وعلى مستوى دول الخليج العربي، تمت الإشارة إلى أن هناك جهوداً حثيثة في هذا الإطار، على الرغم من النقص في المعلومات وفي التنسيق.
حماية المخزون
طالب الدكتور بيتر ويرنر مدير مركز المياه والتغير المناخي بجامعة الإمارات بضرورة اتباع طرق لحماية المخزون المائي في الدولة منها تدوير المياه المهدرة في عمليات التحلية والمياه المعاد استخدامها بدلاً من رميها في البحر، والتفكير في علاج المياه الجوفية الملوثة، وتجميع بيانات أكثر حول المخزون المائي والتغير المناخي للمحافظة على المخزون المائي.
