الحج قديماً ظل بالغ الصعوبة حتى لمن استطاع إليه سبيلاً، فمن كان يذهب إلى الحج يُودّع أهله وداع من لا أمل له بالعودة، والذرائع عدة؛ منها بُعد المسافة، وخطورة الطريق، والأمراض الفتاكة، إذ كان الحاج يتجهز للحج قبل عام، سواء في جمع المال أو اختيار الرفقة، وتجهيز المركب أو الراحلة والزاد.

وكان الحجاج يسافرون قبل الحج بشهر أو شهرين حتى يتمكنوا من الوصول في الوقت المحدد، بالإضافة إلى ندرة وسائل المواصلات وقلتها، والطرق الوعرة، وكان الحاج إذا عاد سالماً إلى أهله، احتفوا به وذبحوا الذبائح، لأنه حج وعاد سالماً ولم يتعرض لأذى.

وفي طريق للتعرف على معالم هذه الرحلة الروحانية قديماً، كان الحاج ناصر علي بن دلوان الكتبي، البالغ من العمر 65 عاماً، بذكرياته التي شاهد فيها مراحل كثيرة من تطور الدولة، وعاصر أحداثاً مختلفة، فهو يملك ذاكرة قوية مدججة بمعلومات وتفاصيل كثيرة، كشفت بين سطورها معاني جميلة في زمن مضى. بدأ حديث ذكرياته وقت كان صغيراً، يرى بعض أهل «الفريج» يريدون الذهاب العام المقبل للحج، كان ذلك بعد شهر رمضان مباشرة، ففترة الشهرين تعتبر كافية للإبقاء على كل ما من شأنه إعالة أسرته من مؤن أثناء غيابه، وتجهيز حاجاته.

الوداع والوصية

وأضاف ان رحلة الحج كانت شاقة جداً، فكل كل حاج ينوي السفر عليه ترك وصية، وتأمين بيته وأهله في كل احتياجاتهم من طحين وتمور، وغيرها من الأشياء التي تعينهم على قضاء هذه الفترة الطويلة دون العوز لأحد، إضافة إلى أن أهل الفريج أو الحي يتولون رعاية هذه الأسرة، في أجواء من المحبة والتكافل، مطعمة بشيمة الكرم التي تميز المجتمعات القبلية.

وأوضح أن كل منطقة كان يعرف منها من سيذهب للحج هذا العام، وكان الحجاج يجمعون أنفسهم، بحيث يسافرون معاً، وكان لا يقل عدد المشاركين في الرحلة عن 15 شخصاً، يتعاونون جميعاً فيما بينهم، خاصة وأنهم من مناطق متقاربة ويعرفون بعضهم، لافتاً إلى أن الحجاج كانوا يقصدون أحد المطوعين العالمين بأمور الدين، قبل سفرهم ليتعلموا ويتدارسوا مناسك الحج.

»البروة« لأهل الحاج

وقال إن وسيلة التنقل كما هو معروف لدى أهل البر والبدو، كانت الناقة أو «الركاب»، وهي ذات مواصفات استثنائية، ومن سلالة أصيلة، وكان الحجاج يعملون منذ فترة طويلة، على تسمينها وتغذيتها بشكل جيد، حتى تستطيع تحمل مصاعب الرحلة، التي تستمر شهوراً.

وأشار الحاج ناصر الكتبي إلى أن شيوخ القبائل كانوا يساعدون أهل الحجاج المسافرين ويقدمون لهم كل ما يحتاجون أثناء غياب ذويهم، وهذه المساعدات تسمى «البروة» وهي الطحين والعيش وغيرها من لحم وتمر وسمن، وكان الشيوخ بمجرد علمهم بسفر شخص معين لأداء فريضة الحج، يقولون له: «سر وتوكل.. الله يحفظك»، وكانوا يتولون رعاية أهله بالمطلق. ولفت إلى أن كل حاج كانت له ناقتان، إحداها ليمتطيها خلال الرحلة، والأخرى ليحمل عليها أغراض السفر من مؤن وما يحتاجه طوال هذه المدة، وكانوا يعتمدون على المياه التي يحصلون عليها من القرى التي يمرون بها.

وكان الحجاج لا يجدون صعوبة في معرفة الطرق التي سيسلكونها، خاصة أنها طرق طويلة ووعرة، وفيها مخاطر محسوبة، ولذلك كانوا يستعينون بدليل لهم في الرحلة، يكون قد سافر من قبل في مثل هذه الطرقات.

الحج شتاءً

وبيّن الكتبي أن القدامى كانوا يختارون توقيت الشتاء قدر المستطاع، للسير في رحلة الحج، وذلك لصعوبة السفر في أوقات «القيظ» التي ربما تؤدي فيها الحرارة المرتفعة إلى الهلاك.

وسابقاً كان الحجاج حريصين على ذبح الهدي بأنفسهم، وتوزيع اللحوم على الفقراء والمحتاجين في ضواحي مكة المكرمة، وفي طريق العودة إلى الديار، لا تختلف هيئة قافلة الحجاج كثيراً عن الذهاب، غير أنهم كانوا يبيعون النوق التي كانوا يمتطونها في جدة أو الرياض، ليكملوا مسيرة العودة عن طريق البحر، كنوع من التيسير على النفس، وكانت الرحلة تستمر عادة بين 4 إلى 5 أشهر.

استقبال وهدايا

فور عودة الحجيج، كانت تقام احتفالات في كل «الفريج» كما يقول الحاج ناصر الكتبي، باقتراب العائدين يبدأ أهل الحي بإطلاق الأعيرة النارية، وإشهار علامات تخبر الأهالي بعودة الحجاج للبدء في الاحتفالات وتقديم الولائم. وكان الحجاج يحملون معهم الهدايا للأقارب والجيران منها المسابح والغتر والمسواك وماء زمزم، وأيضاً التمر، وللصغار نصيب من الهدايا يفرحون بها كثيراً مثل اللعب وما شابه، وكانوا يحملون هذه الهدايا في »الوزار« لعدم وجود حقائب.