للحياة في الماضي تفاصيل كثيرة وذكريات جميلة، تبقى راسخة في نفوس الآباء والأمهات، وعلى الرغم من قساوتها وصعوبتها، إلا أن العلاقات بين الجيران وأبناء «الفريج» أو المنقطة الواحدة، أشبه بما يكون بين أهل البيت الواحد، فالأمهات ينهضن باكراً للصلاة وإعداد الإفطار «الريوق» الذي يجمع أفراد الأسرة، يتم ذلك بمساعدة البنات بمختلف أعمارهن، ثم ينطلق الرجال والأولاد إلى مزاولة مهنهم وأعمالهم، أما البنات وبعد إكمال واجباتهن المنزلية، فتحمل كل منهن طبق إفطارها ومشغولاتها اليدوية ويتجهن إلى بيت يُتفق على الاجتماع فيه بين نساء الفريج أو الحي.

عيدة سلطان من النساء اللواتي احتفظن بتفاصيل الماضي، ورغم التغيرات الكثيرة التي طالت شتى جوانب الحياة، إلا أنها استطاعت إلى الآن الحفاظ على هذه العادة برفقة مجموعة من صديقات الطفولة، إذ تحرص على لمّ صديقاتها لممارسة بعض الحرف التي واظبن عليها قبل سنوات، ولا تتوانى في استقطاب أحفادها وأبناء الجيران للتعرف على تفاصيل الماضي.

متعة الحياة

ما دفعها لذلك كما تقول، لذة الحياة ومتعتها في كثير من التفاصيل في الماضي، فعقب انطلاق الرجال إلى مزاولة مهنهم البسيطة برفقة الأبناء الذين تتعدى أعمارهم عشر سنوات وفي بعض الأحيان أقل، تبدأ المرأة في ترتيب منزلها وتنظيفه، وبعد ذلك تضع وجبة الإفطار في أوان وتحملها إلى جانب مستلزمات الحرفة التي تقوم بها، فتنادي على أبنائها وتصحبهم إلى المنزل الذي اتفق على التجمع فيه، وعادة ما يكون التجمع في منزل أكبر نساء الحي تقديراً لها أو عند المرأة المريضة للتخفيف عنها ومؤانستها.

وأشارت عيدة إلى أن الأطفال وبمجرد وصولهم ينطلقون بين منازل الحي يلهون ويلعبون، فتعلو صرخاتهم تارة وتخفت تارة أخرى، أما النساء وبعد اكتمال جمعتهن فتضع كل منهن ما جلبته من منزلها ليتناولن وجبة إفطار مشتركة متبوعة بتناول التمر والقهوة، وتجاذب الحديث حول مواضيع مختلفة، ثم تنخرط كل واحدة في حرفتها، فمنهن من تقوم باستغلال سعف النخيل في صنع بعض المستلزمات كالحصير أو السرود أو أغطية الطعام، وتسمى هذه العملية «سف الخوص»، وتتشارك في هذه الحرفة نساء عدة إلى جانب البنات الصغار اللواتي تحرص أمهاتهن على تعلميهن أصول هذه الحرف منذ نعومة أظفارهن.

شعر النساء

وتتولى بعض النسوة صناعة الملابس وحياكتها في عمليات مختلفة، منها الغزل والنسج وصناعة التلي، إضافة إلى صناعة البخور والعطور، ولا تخلو كذلك الجلسة كذلك من قيام إحداهن بتزين شعر النساء أو بشرتهن باستخدام المواد الطبيعة التي تحرص ربات المنازل على صناعتها في البيوت.

وفي حال غياب إحدى النسوة عن لمة الحريم، يُرسل الأبناء الصغار للاستفسار عن السبب، كما تضيف الوالدة عيدة، فإذا كانت تعاني من إرهاق أو مرض تتفق النساء على إعداد وجبات الطعام لها، ومساعدتها في شؤون المنزل، إن كان أبناؤها وبناتها غير قادرين على ذلك، إلى أن تُشفى من المرض.

المالح والسحناه

قديماً كانت النساء تحمل الأرز و«الرحى» لطحن الدقيق وتنظيفه من الشوائب استعداداً لطهيه استعداداً لوجبة الغداء، كما تتكاتف النساء في مواسم مختلفة على مساعدة بعضهن في تنظيف التمر وصنع الدبس أو تقطيع رؤوس السردين لإعداد «السحناه»، أو تمليح الأسماك لصنع المالح، وتمتد هذه الجلسة التي يسودها التعاون وتبادل المعارف والخبرات والأخبار والقصص والحكايات حتى قبيل وقت الظهر، حيث تنادي كل أم أطفالها وتحمل ما جاءت به من أوان وأدوات إلى منزلها، لتبدأ في إعداد وجبة الغداء، وتتجدد هذه العادة بعد صلاة العصر، وتارة بعد العشاء.