تتنوع عادات الشعوب وتقاليدها وتتباين باختلاف المناسبات، فيما تجمع الشعوب العربية والإسلامية مظاهر كثيرة تُميز احتفالاتها، وخاصة الدينية منها، مثل عيدي الفطر والأضحى، وغيرهما من المناسبات الدينية.

وللإمارات كما لغيرها طقوس احتفالية خاصة، تعكس بيئتها وتميز مجتمعها، ويمثل عيد الأضحى مناسبة دينية جميلة، تجمع شمل الأسر والعائلات، التي تتفنن في تجهيز كل ما يعطي العيد طعماً ورونقاً خاصاً من أطعمة وملابس وعطور، لإضفاء فرحة تستمر أياماً.

ولما كان التراث الإماراتي معبراً عن واقع أجدادنا السابقين، ومرآة تعكس وتحكي كيف كانوا يعيشون، ويحتفلون بمناسباتهم، وخاصة عيد الأضحى، ما جعلنا مشتاقين لأن نتعرف على احتفالات الماضي، كيف كانت، وما يميزها، ولنبحر في هذا الزمن الجميل.

الوالد عبدالله محمد أحمد، من مواليد 1942 حسب الأوراق الثبوتية على حد تعبيره، لكنه لا يعرف تحديداً متى ولد، ولأنه يقطن إمارة الشارقة فإن شجرة الرولة هي الذاكرة الأولى لتلك الأيام السعيدة، أيام العيد.

ميدان الرولة

يقول إن تجمعات الناس في الأعياد، وكبرى المناسبات قديماً كانت تقام في ميدان الرولة، وكانت الاحتفالات وقتئذٍ أشبه بكرنفال كبير يشارك فيه الجميع ولا يستثنى من ذلك أحد. فبإمكانك أن تلتقي جميع سكان الشارقة في يوم العيد، بل إن الزوار كانوا يتوافدون من الإمارات الأخرى لقضاء هذا اليوم في محيط شجرة الرولة العملاقة وافرة الظلال. ولم تكن فرحة العيد مقصورة على تزاور أفراد الأسرة الواحدة، بل كان الجميع جزءhW من الحفل؛ الرجال والنساء والصبية والفتيات، كانوا يخرجون في أفضل حلة أو بملابس جديدة لمن استطاع شراء الجديد، كما يضيف الوالد عبدالله.

الصغار فاكهة العيد قديماً وحديثاً

 

خطبة العيد

في الماضي كما اليوم؛ كانت الاحتفالات تبدأ بعد صلاة العيد وبعيد الاستماع للخطبة التي يلقيها الشيخ جمعة محمد، أو الشيخ سيف، والذي كان يشغل منصب القاضي وخطيب الجمعة، بالإضافة إلى خطبة العيدين، وبعد انتهاء الصلاة يحضر الأطفال لتقبيل جدهم أو والدهم أو خالهم للسلام عليهم وأخذ العيدية.

ويضيف الوالد عبدالله محمد إن ذبح الأضاحي من أهم الأعمال التي يقوم بها من أراد الأضحية في أول أيام العيد، فبعد العودة من صلاة العيد، يتجمع أهل «الفريج» ويأتون بذبائحهم ليتولى أحد المتبرعين من الجيران، ذبح الأضاحي واحدة تلو الأخرى، وفي هذه العادة من الحب والتعاضد والتآخي، ما يجعلها تمثل ركناً أساسياً، يقرب أهل المكان الواحد من بعضهم، ويجعلهم على قلب رجل واحد في المناسبات كافة.

خبز الرقاق

بعد ذلك، يلتم شمل الأسرة مرة أخرى في البيت للإفطار في أول يوم عيد، الذي يكون مختلفاً عن أي يوم آخر، إذ تجمع مائدة الإفطار أصنافاً كثيرة تشتهيها النفس مثل: «القرص العكيلي، والباجيلا، والنخي، وخبز الرقاق، وبعض الحلويات الشعبية»، ثم يذهب الأجداد والآباء إلى المجالس لتقديم التهاني للجيران والأعيان والشيوخ.

وكانت الاحتفالات تقام في كل مكان، وخاصة في الأماكن الفسيحة كالبحر وأماكن التنزه وغيرها، بالإضافة إلى ذلك؛ تجد الرقصات الشعبية ومنها رقصة العرضة، وفي الأثناء تجتمع بعض النسوة في هذه الساحات على الأرض، لبيع المكسرات والحلويات المعروفة كـ «الملبس والنقل والسبال والسمسمية والبرميت».

«الآنة» عيدية

وظل ميدان الرولة في الشارقة يمثل مركز احتفالات الإمارة، إذ كان الناس يتوافدون إلى الميدان فيملؤون الأجواء فرحاً وبهجة، بوجود الألعاب للكبار والصغار، والمراجيح المعلقة على أغصان شجرة الرولة، بالإضافة إلى المسابقات المتنوعة وركوب الخيل، ولا تخلو أجواء المرح من صنوف الأكل الشعبي والحلويات التقليدية، التي كان الباعة المتجولون يضعونها على رؤوسهم، أو يجلسون في ركن من الميدان، وينادون على بضاعتهم بترديد كلمات تأخذ شكلاً موسيقياً متميزاً يشبه الغناء.

ولا ينسى الوالد عبدالله، عادة التزاور لمعايدة أعيان المنطقة والذين يوزعون العيدية على الصغار والكبار من باب الإحسان وعمل الخير، وكانت عيدية الصغار في حدود الـ «آنة» أو «آنتين»، وهي أجزاء من الروبية «العملة الهندية» المستخدمة آن ذلك قبل استخدام الدرهم.

فرحة الأطفال

ويعتبر اجتماع الأسرة مرة أخرى للغداء من تقاليد العيد الرئيسية، حول مائدة مميزة، بما يليق مع حجم المناسبة، ويكون الغداء كما درجت العادة في وقت مبكر، فالبعض يفضله في الضحى والبعض الآخر بعد صلاة الظهر، وهكذا تستمر الفرحة طيلة أيام العيد.

ومن أهم الطقوس أيضاً، مرور الأطفال على البيوت لأخذ العيدية، وفيها يعطي أصحاب البيوت الأبناء الدراهم و«فوالة» العيد، وهي تختلف نوعاً ما عن الفوالات العادية، وتتكون من«الهريس» وغيرها من الحلويات، وتعتبر الفوالة في اللهجة المحلية؛ الأصناف الغذائية التي تقدم أمام الدلة سواء كانت فاكهة أو حلويات أو أطعمة أخرى، وكان الأطفال يلتقون في مجموعات ومن ثم يمرون على البيوت لجمع العيدية وهم يرددون «باجر العيد بنذبح لبقرة..».

3 «كنادير»

ارتداء المحتفلين الملابس الجديدة أحد أهم مظاهر الفرحة في العيد، إذ كانت الأسر تبدأ بتجهيز الملابس منذ الليل لتأدية صلاة العيد بها، وإذا كان الكبار يكتفون بـ «كندورة» واحدة للعيد، فإن الصغار لا يقبلون أقل من 3 «كنادير»؛ واحدة لكل يوم من أيام العيد، حتى يحضروا بها عصراً سباقات الهجن والخيل أو عروض الحربية والعيالة. وتشارك الفرق الفنية الشعبية بفنونها، حيث يلتف حولها الناس يرددون مع أفرادها الأغاني الشعبية المعروفة، ويستمر كل هذا حتى بعد منتصف الليل.

عيد البادية

في البادية تأخذ احتفالات العيد طابعاً هادئاً ورصيناً، ربما يكون مبعثه الهدوء والاستقرار الذي اعتاده أهل البادية من خلال إيقاع حياتهم المنبسطة في الصحراء، فالبدوي يبدأ صباح العيد بتناول حبات التمر، وبعض الحليب، ثم يتجمع الرجال لأداء صلاة العيد بصحبة أبنائهم، ويعودون بعدها إلى البيت لتناول الإفطار. ومن تقاليد التهنئة بالعيد في البادية، زيارة الأهل والأقارب، والجلوس معهم بالترتيب حسب درجة القرابة، فالأب والأم أولاً، ثم الأعمام ثم أبناء العمومة وهكذا، وبعدهم الجيران والعشيرة.

ابتكار

دباغة الجلود.. مهنة من التراث

في الماضي، حاصر ضعف الموارد والإمكانيات الإنسان، لكن الإماراتي لم يقف مكتوف اليدين، بل اجتهد وابتكر وعمل في مهن كان لها الفضل في تلبية احتياجات الحياة، وتفنن في دباغة الجلود، وأبدع في مراحل تحويل جلود الحيوانات إلى ملابس وأحذية. تفاصيل هذه الحرفة تبدأ منذ المرحلة الأولى لسلخ جلد الحيوان التي تتطلب مهارة عالية للحفاظ على أجزاء الجلد من التمزق، كي يصلح استخدامه في عملية التصنيع، ومن ثم يُنقع في الملح بضعة أيام، لإزالة الشعر والشوائب، وليجفّ من السوائل.

بعد التأكد من جفاف الجلد، تبدأ عملية انتزاع الشوائب من الجلد، واقتلاع الشعر والصوف، باستخدام أعشاب تساعد على ذلك، ومن ثم يُنقع الجلد في الماء والملح، ويخلط مع بعض الأعشاب والمواد التي تزيد الجلد متانة، وتجعله أكثر تحملاً عند الاستخدام، ليُجفف مرة أخرى.

بعد جفاف الجلد يُقطع بحسب الحاجة: أحذية، وملابس وأثاث، وربما يبقيه البعض كما هو، لإمكانية استخدامه في تبريد المياه أو صنع اللبن، وذلك بعد ملئه بالماء وحفظه في الظل فترة طويلة لإزالة الروائح، لكي لا يختلف الطعم لاحقاً.

تفاصيل

موسم «اليداد».. لقاء الأسرة والجيران

يجمع موسم ثمر النخيل سنوياً، الأسر والجيران، الذين يتكاتفون ويتعاونون في تفاصيل كثيرة، فمنذ اليوم الأول لظهور ثمر النخيل الذي يُطلق عليه «عذوق الطلع»، يبدأ يتشارك الجميع في تلقيح الثمار بعملية يطلق عليها «تنبيت النخل»، وفي مرحلة النضج بتساقط بعض الثمار على الأرض، ويحرص كثيرون على جمعه وتقديمه طعاماً للحيوانات. وقديماً كان يتجول الصغار في المزارع أو يصطحبهم رب الأسرة منذ الصباح، وتُوكل إليهم مهمة جمع الثمار، فيتسابقون في تلقيطه والفرحة تغمر وجوههم، ليهنئوا بعد ذلك بسباحة في بركة المزرعة أو جوار بئرها التي تستخرج منها الحيوانات المياه ليلطفوا بها حرارة الصيف.

وعند نضج الثمر، يصعد كبار الأبناء إلى النخلة لجني الثمار، وتوزيع حصة منه على الجيران، وعند نهاية الموسم يتشاركون في عملية قطع ثمار النخل التي يطلق عليها محلياً «يداد النخل»، وفرزه ونقله إلى أماكن مخصصة لتجفيفه في مساحات نظيفة.

وفي مختلف هذه المسميات، يتقاسم أفراد الأسرة الأدوار.