يعتبر العلاج الجيني إحدى طرق العلاج الحديثة، وفيه يُستبدل الجين المعطوب بآخر سليم، أو عبر إمداد خلايا المريض بعدد كافٍ من الجينات السليمة، وتقوم هذه الجينات باللازم فتعوّض المريض النقص في عمل جيناته المعطوبة.
وتنقسم الأمراض الجينية إلى شقين: وراثية إذ ينتقل المرض من الآباء إلى الأبناء عبر الخلايا الجنسية «الحيوان المنوي أو البويضة» الحاملة للجين المعطوب، وغير وراثية عبر تولدها في الشخص بعد ولادته نتيجة طفرات «حدوث عطب جيني». والجين هو الوحدة الوراثية في جسم الكائن الحي، ولكل وحدة وراثية أو جين، عمل معين يقوم به، ويكون هذا العمل تركيبياً أو وظيفياً لجسم الإنسان.

في هذا الصدد؛ قالت الدكتورة مريم مطر المدير التنفيذي لجمعية الإمارات للأمراض الجينية، إن أمراض الدم الوراثية تعتبر من أكثر النسب التي يعاني منها المرضى الإماراتيون وتشمل: (ألفا الثلاسيميا، والأنيميا المنجلية، وأنيميا الفول، والسكري، وسرطان الثدي، وسرطان الأطفال)، فيما يشكل مرضى الكوليسترول نسبة كبيرة من المجتمع الإماراتي، مشيرة إلى أن الجمعية تدرس الآن الطفرات الوراثية الخاصة بمرضى الكوليسترول، للوصول إلى التشخيص المبكر الذي سيساعد في القضاء على هذه النسب المرتفعة مستقبلاً.

د. مريم مطر: نسبة المصابين بالأمراض الجينية والوراثية في الدولة لا تدعو إلى القلق
ولفتت إلى أن الأطباء المختصين لا يركزون كثيراً على معرفة نسب الأمراض ومدى انتشارها، فما يهمهم أكثر هو اكتشاف هذه الأمراض ومعرفة الطفرات الجينية الخاصة بها، حتى تتم محاصرة نسبها إنْ كان هناك ارتفاع فيها.
خريطة جينية
وأوضحت مطر أن الخريطة الجينية للأمراض الوراثية في دولة الإمارات، بدأت تتضح لنا كمتخصصين، وبدأنا كمجتمع طبي وضع أطر أبحاثها والتجارب التي يجب أن نبدأ العمل عليها من الآن.
وأضافت إن ذلك سيسهل علينا كثيراً في احتواء أمراض طالما كانت تمثل معضلة كبيرة في علاجها، وستساعد الخريطة أطباء العلاج الكيماوي الذين سيتمكنون من تقديم العلاج المناسب الذي سيكون أفضل وأسرع من حيث النتائج. وأشارت إلى أن نسبة المصابين بالأمراض الجينية والوراثية في دولة الإمارات لا تعتبر ظاهرة، ولا تدعو للقلق مطلقاً.
الفحوص الجينية
وذكرت مريم أنه لا يتم حالياً علاج مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم، وغيرها من الأمراض الجينية، إلا بعد إجراء دراسة وافية عن نوعية الجينات الموروثة عند المريض، وسبب ذلك هو وجود طفرات كبيرة في صناعة الدواء المناسب لكل شخص، والذي تطور كثيراً خلال الفترات الماضية، مشيرة إلى أن الأطباء سابقاً كانوا يعتمدون على الفحوص المخبرية وتحاليل الدم، واليوم ينظرون إلى الفحوص الجينية، ولذلك نجد أن هناك كثيراً من المرضى الإماراتيين الذين يعالجون في الخارج، لا يحصلون على نتائج ملفتة أو متوقعة، والسبب في ذلك هو أن الأدوية التي تقدم لهم هي بالأساس موجهة لمرضى هذه الدول، بعد أن تمت دراسة الطفرات الجينية الخاصة بمرضاهم، وهذه الطفرات مختلفة عن طفرات المرضى الإماراتيين.
الإمارات على الطريق
وأشارت إلى أنه من خلال الفحوص يمكن الاطلاع على الطفرات الجينية للمريض، وأصول هذه الجينات، مما يمكننا من وصف الدواء المناسب الذي يظهر تأثيره الإيجابي من أول الجرعات، وقد كان الأطباء سابقاً يفحصون المريض ويصفون الأدوية له وينتظرون إذا ما كانت هذه الأدوية فعالة بالنسبة لحالته أم لا، أما الآن فالأمر اختلف كثيراً، إذ أصبحنا نقرر العلاج المناسب بمجرد الاطلاع على الجينات الخاصة بالمريض ودراسة تاريخه المرضي والطفرات الجينية له.
هذا التطور الكبير في عالم دراسة الجينات، خاصة في أوروبا وأميركا منحنا أملاً كبيراً في البدء فوراً بالعمل في هذا الاتجاه، وخلال الخمس سنوات المقبلة ستكون الإمارات في مقدمة الدول التي تطبق طرق العلاج الجديدة هذه، خاصة في أمراض السكري والضغط، كما تقول الدكتورة مريم مطر.
تبادل خبرات
وأكدت مطر وجود شراكات بين جمعية الإمارات للأمراض الجينية والمراكز العالمية المتخصصة في هذا المجال، إذ تعتبر الجمعية حلقة وصل بين الجانبين التشخيصي والعلاجي، ومن خلال الأبحاث التي نعمل عليها، والاتفاقيات المبرمة مع المراكز الطبية، فنحن نوصل الحلقة المفقودة بين تقديم العلاج وتشخيصه.
ونحاول في الجمعية أن نكون متابعين لكل ما هو جديد في تطور أبحاث العلوم الجينية، وهناك تواصل زمني مع الدول المتقدمة في هذا المجال.
بالإضافة إلى ذلك فإن الأبحاث التي تقوم بها الجمعية تم اعتمادها من خلال أعضاء المجلس العلمي الخاص بنا، الذين هم منتسبون لهذه المراكز العلمية العالمية. وبالتالي فكل شيء جديد له علاقة ببحث موجود في العالم، ومن خلال ميزانية مخصصة؛ يقوم باحثونا بالاطلاع على النتائج الجديدة، والعمل على تطويرها بشكل سريع.
تعاون سعودي
وأوضحت أنه من خلال مركز الشيخ زايد للأبحاث الخاص بالجمعية، تحاول الجمعية الاستفادة من التجارب الناجحة والخبرات المميزة المتاحة في منطقتنا العربية، وهناك تعاون كبير مع جامعة الملك سعود، ومن خلال أبحاثها الخاصة باكتشاف «الطفرات الوراثية الأكثر انتشاراً بمرض أنيميا الفول» والتي تم تجربتها على عدد كبير من السعوديين، وقد تم الاتفاق على الاستعانة بهذه النتائج التي توصلت إليها، وستساعد الجامعة بالإشراف على أبحاث الجمعية لتطويرها في الإمارات، وتطبيقها على مرضى الدولة المصابين بـ«أنيميا الفول».
الذكاء من المرأة
في ما يتعلق بالذكاء، نجد أن الجين المسؤول عن هذه الصفة مرتبط بالكرموسوم «x» وهو الذي تمنحه الأم في الحالتين إن كان المولود ذكراً أو أنثى، وذلك حسب ما ألمحت الدكتورة مريم مطر، يفيد بأن الطفل الذكر «xy»، إن كان ذكياً فقد اكتسب هذه السمة من الأم، لأن أبحاثاً كثيرة توصلت إلى أن الجينات التي لها علاقة بالنشاط الذكائي لدى الإنسان موجودة على الكروموسوم الخاص بالأم «x».
نهاية الثلاسيميا
من لغة الأرقام؛ نجد أنه في العام 2004 كان يولد أسبوعياً في الإمارات طفل مصاب بمرض الثلاسيميا، وفي العام 2011 أصبحت النسبة طفلا مصابا يولد كل شهر، إلى أن انخفضت النسبة منذ العام 2013 لتصبح صفراً، إذ لم يُولد منذ ذلك العام أي طفل مصاب بالثلاسيميا، وذلك يأتي انعكاساً للحملات الكبيرة التي قامت بها جمعية الإمارات للأمراض الجينية، ونتيجة استيعاب المجتمع الكبير لذلك.
اللقاءات الأسرية تُكوّن تاريخاً طبياً
نبهت الدكتورة مريم مطر إلى ضرورة توجه أفراد المجتمع إلى مراكز الأمراض الوراثية لإجراء فحص جيني، اعتماداً على التاريخ الطبي للأسرة.
وفي هذا الصدد؛ شددت على أهمية التجمعات الأسرية واللقاءات لدى كل عائلة، واستثمارها في أن نصنع لأنفسنا منها تاريخاً طبياً، على أن تتطرق أحاديثنا إلى معرفة هل أصيب أحد من أجدادنا أو آبائنا وأمهاتنا بمرض معين، ويجب أن تشمل هذه الاستفسارات جميع الأقارب، ومن خلال هذه الحوارات والاستفسارات، نبدأ في تسجيل ومعرفة إذا كان هناك مرض منتشر وسط العائلة الواحدة، مثل أمراض الضغط والسكري أو الكوليسترول، وهذا ما يسمى الثقافة الجينية والتاريخ الوراثي.

وأضافت: إذا وجدت امرأة مصابة بسرطان الثدي، فيجب على الفتيات الموجودات ضمن هذه العائلة عمل فحص للثدي، وعدم التخاذل والتكاسل كونهن فتيات صغيرات أو حتى لم يصلن سن البلوغ، لأن هذه الفحوصات تقلل بنسب كبيرة تعرضهن للمرض مستقبلاً. كما يجب على الأمهات تدريب بناتهن على كيفية إجراء الفحص الذاتي لأجسادهن.
وتعتبر الفتيات السمينات أكثر عرضة للإصابة بمرض سرطان الثدي، لأن السمنة لديها القدرة على استثارة هذه الجينات وتنشيطها.
وأوضحت مطر أن سرطان القولون والبروستاتا، وأمراض الكوليسترول، من أكثر الأمراض المنتشرة عند الرجال، وهم معرضون أيضاً لسرطان الثدي، الذي يسهل اكتشافه سريعاً، نظراً لعدم وجود كتلة من الثدي كالتي موجودة عند النساء، وبالتالي من الممكن إجراء فحص مبكر وإزالة هذه الأورام.
وأكدت وجود لقاحات حالياً؛ قد تغير مستقبلاً من تطور الأمراض الجينية، مثل لقاح سرطان عنق الرحم، ومن الممكن للفتيات إذا أخذنه في عمر مناسب أن يقين أنفسهن من الإصابة بهذا السرطان، والآن مع التطور العلمي، بدأت تتوفر بعض اللقاحات التي ستساعد كثيراً المرأة في تجنب كثير من مثل هذه الأمراض.
صحة
خارطة جينية عربية
قدّم الدكتور إحسان المحاسنة عميد كلية المجتمع في جامعة الشارقة، عضو الجمعية العالمية في المعالجة الجينية، ورقة عمل بعنوان: «أنماط السرطان الأكثر انتشاراً لدى المجتمعات العربية.. نحو إنشاء منصة للعلاج الجيني في المنطقة العربية»، وذلك خلال المؤتمر الوطني الخامس للأمراض الجينية.
«الجينوم» العربي
وتطرقت الورقة إلى بناء قاعدة بيانات تتضمن تحديد «الجينوم» العربي من حيث الأنماط الوراثية الممرضة، وكانت مرحلة تحديد الأنماط الوراثية العربية (خارطة الجينوم العربي)، بدأت منذ العام 1995، من خلال جهاز قارئ للشيفرة الوراثية، تم من خلاله بناء كشف للخريطة الجينية العربية، وهذا الكشف معتمد من قبل المختبرات الدولية، وتوجد شهادات اعتماد بذلك، وسجلت النتائج من خلال بنك الجينات الدولي الموجود في جامعة برلين الطبية في ألمانيا.

وأضاف، المحاسنة: نعمل حالياً على تتبع جينات القبائل العربية «الجينو جرافي»، حسب توزيعها السكاني في أي دولة عربية، وهذا الجزء انتهينا منه كفريق عمل، فهناك قبائل عربية بأسماء محددة؛ في الأردن والعراق والشمال الإفريقي، وقد ظهر لفرق البحث أن الأنماط الجينية لهذه القبائل هي أنماط موحدة، وهذا يخدمنا كثيراً في قضية تشخيص الأمراض، وقضية المعالجة الجينية التي نطمح إليها في أبحاثنا الآن.
ومن خلال التطورات العلمية المتلاحقة أصبح لا يكفي الآن، مجرد معرفة الجين المريض، لأن ذلك أصبح سهلاً جداً، بل إن العلم تعدى هذه المرحلة، ووصل إلى علاج الجين المختل، بحيث يتم تجنب الأمراض الوراثية مستقبلاً.
وقد نجح العالم الغربي من خلال مئات المختبرات المتوفرة هناك، في علاج بعض السرطانات مثل: سرطان المستقيم، والقولون، والثدي. ويتم حالياً العمل على رفع معيارية ثقافة المعالجة الجينية في العالم العربي، حتى نتمكن من إدخالها إلى منصة البحث العلمي، ولا تكون هناك فروقات كبيرة بيننا وبين المجتمع الغربي، كما أوضح الدكتور إحسان.
قارئ الشيفرة
وأكد أن جمعية الإمارات للأمراض الجينية، ستوفر جهازاً حديثاً يقرأ الشيفرة الوراثية، ومن المتوقع تشغيله في غضون شهرين، وأمامنا بين عام إلى عامين حتى نستطيع إجراء مسح للجينات المرضية الموجودة في المنطقة العربية، ثم البدء في مرحلة تصحيح الجينات المعطوبة.
وذكر أنه تم البدء في عمل (الشبكة العربية للأمراض الوراثية)، من خلال عمل قوائم وسجلات خاصة من مراكز البحوث المنتشرة في الوطن العربي، وستكون هناك شبكة تواصل إلكتروني بين كل هذه المراكز، لتبادل المعلومات.
وبين أن البحوث أثبتت أنه رغم الحروب التي شهدتها المنطقة العربية، وما تبع ذلك من اختلاط أنساب من بيئات أخرى، إلا أن ذلك لم يؤثر بشكل أو بآخر، على تغيير الشكل الرئيسي للجينات العربية ذات الصفات الوراثية الموحدة.
«عناقيد» القبائل
أشار الدكتور إحسان المحاسنة، إلى أن الدراسات الجينية تفيد بشكل كبير في تحديد الأمراض الوراثية التي قد تنتشر في قبيلة دون أخرى، مثل أمراض السكري والضغط، فمتى توفرت لدينا معلومات جينية خاصة بها، سيسهل علينا حينها إن جاء إلينا مريض من هذه القبيلة، ولديه اضطرابات مرضيه معينة، أن نحدد المرض الذي يعاني منه من خلال توفر الخارطة الجينية الخاصة بقبيلته، وسنتمكن من معالجة هذا الجين، مما سيؤثر إيجاباً على تجنب أمراض معينة وتحسين الصفات الوراثية الطبية لأي شخص، وهذا ما يسمى «العناقيد»، وكل تكوين قبلي أو منطقة جغرافية عربية يمكننا تشخيصها مرضياً ومعالجتها جينياً، وتوجد لدينا دراسات على القبائل الإماراتية، توضح أن أصلها من قبائل العرب الأنباط في الأردن، وأنها ارتحلت إلى الجزيرة العربية، مما يوضح لنا علاقة القبائل الإماراتية بغيرها من القبائل في دول أخرى.
نصائح
فحوصات المقبلين على الزواج

تنصح الدكتورة مريم مطر المقبلين على الزواج، بإجراء الفحوصات الجينية المبكرة، وذلك لتجنب أي عوائق جينية مرضية، أو طفرات وراثية غير مرغوب فيها. وتعول في ذلك على إدراك المجتمع الإماراتي والوعي الكبير الذي أصبح منتشراً بين أفراده، مؤكدة أن هذه الفحوصات أصبحت سهلة وفي متناول الجميع من خلال انتشار المراكز الطبية المتخصصة، التي تقدم الاستشارة والفحص والعلاج بسهولة ويسر.
سرطان الثدي.. تاريخ طبي
لابد من الكشف المبكر على الطفرات الجينية في مرض سرطان الثدي، وحتى الآن توجد 42 عينة لسيدات إماراتيات لديهن تاريخ طبي لسرطان الثدي أو لدى أحد أفراد الأسرة، وهذا يعطى مؤشراً ممتازاً لمعرفة المرأة الإماراتية بهذا المرض، التي لم تنتظر صدور قانون يلزمها بعمل فحوصات، بل سعت إلى وقاية نفسها من خلال الطريق السليم والواجب اتباعه في هذا الحقل.
الفحص الجيني مرة في العمر

يجب على كل شخص إجراء الفحص الجيني الذي يجرى مرة واحدة في العمر، وهو متوفر في مراكز متخصصة كثيرة داخل الإمارات، ويفضل أن يتم هذا الفحص في مرحلة عمرية مبكرة. وعلى الرجال إجراء فحوصات سرطان الثدي أسوة بالنساء، لاسيما في حال كان هناك تاريخ مرضي لدى العائلة.
