في قلب منطقة أم سقيم المقابلة لأحدث معالم دبي العصرية «برج العرب» وما يرادفه حداثة، تعيش وأبناؤها المتزوجون في بيت إماراتي لا يختلف في تصميمه وشكله الخارجي عن بيوت الغالبية المواطنة من أبناء البلد، لكنّ هذا البيت يبدو مغايراً في ما يحتويه؛ ففي داخله بيت آخر يُقدر عمره بعقود طويلة أو قرن وربما يزيد، أدواته من الماضي وبساطته من قديم الزمان، وملامحه أصيلة بامتياز.
بيت الوالدة أم ياسر التقي في أم سقيم 3، حالة استثنائية في دبي الفريدة، إذ ارتكز ما يحتويه «الميلس» و«الحوي» والحجرات الأخرى، على أدوات ومسميات قديمة وأصيلة لا تزال تستخدمها في تقديم الضيافة وسواها من الممارسات اليومية، وإن كان معظمها متوفراً في البيت من باب جمع التراث والمحافظة عليه، وذلك نهج سارت به المواطنة أم ياسر منذ مطلع الثمانينات وحتى اليوم، لتظفر بآلاف القطع والمسميات التراثية الإماراتية التي قلبت الحياة في بيتها رأساً على عقب، وربما أوقفت ساعة الحداثة والتطور، وأبقت على الماضي حاضراً في حياة كافة أفراد البيت.
بيت الطين
رغم تمكنها من تشييد «البارجيل» في بيتها، لكنها تصرّ على الظفر ببيت قديم من الحجر والطين تبنيه في «الحوي»، يكون رديفاً لبيتها العصري في موقع يقابل حداثة ورقي الجميرا وبرج العرب.
ومن أجل ذلك فهي تبذل الوقت والجهد بإصرار، لنيل الترخيص من البلدية، وتشييد حلمها في بيت الحجر والطين القديم بكافة ملامحه الأصيلة، لتتقرب من خلاله من معيشة أجدادها ومن سبقهم، لأنها ببساطة لا تجد أجمل من هذه الحياة إطلاقاً.

بدأت الوالدة تجميع أدوات التراث والأصالة في وقت مبكر، ولسان حالها يقول أنا أوْلى بكل ما يُرمى ويهمل، ففي الماضي كانت الحداثة تطغى رويداً رويداً، والناس تستبدل القديم بالجديد، مهملةً ما لديها من أدوات الماضي، وملقية بها في المجهول، وأم ياسر تلملم هذه الأدوات وتعيد إنعاشها، وترث أيضاً عن أقاربها ما لا يريدون من تلك الأدوات، حتى أمسى بيتها موقعاً لتجميع «الأنتيك» والمهملات وحتى الأوساخ؛ هكذا ترى الغالبية، أما هي فكانت ولا زالت تجد في جهودها تلك الحياة من أجمل أبوابها.
30 عاماً
تقول أم ياسر التقي إنها أمضت أكثر من 30 عاماً تقتني التراث في بيتها، وتمزج أدواته في الاستخدام اليومي قدر الإمكان، وقد تمكنت من تجنيد أسرتها؛ الأبناء والأحفاد في خدمة مشروعها الفطري المحافظ على أصالة الماضي، رغم ما تفرضه الحداثة من أدوات ومسميات تُضعف من قيمة المسميات التراثية إلى حد «الإعدام»، ورغم ذلك تمكنت الوالدة من المحافظة على بيت تتمازج فيه أدوات الماضي مع الحداثة، وهي تؤدي أدواراً حياتية لا يُستهان بها.
في بيتها الحديث عمرانياً، أدوات لا تزال تُؤدي أدوارها في الخدمة اليومية، وفي زوايا البيت أيضاً خزائن مختلفة الأحجام والأشكال، تُغلّف مئات القطع التراثية النادرة والمهمة، الموروثة عن الأقارب والآباء والأجداد، وفي باحات منزلها ملامح أخرى من ماضي الإمارات وحياة أهل البر والبحر، ولديها أيضاً غرفة معيشة قديمة وأخرى للنوم فيها أسرة خشبية عمرها عقود، وساعات وصناديق وإكسسوارات لا تنتهي صلاحيتها.
القديم الأصيل
وتوضح أنها أرادت لأبنائها وأحفادها، وأبناء الإمارات عموماً ألا ينعزلوا عن ماضيهم الجميل، وألا ينجذبوا إلى الحديث المستورد على حساب القديم الأصيل، لذلك فقد قررت أن تعيش في عالمين قديم وحديث، وأن تجد في بيتها بيتين واحد يعود لعقود ماضية وآخر عصري من إفرازات الألفية الجديدة، وبين البيتين تعيش الوالدة حالة خاصة لا يشعر بها إلا هي وربما أبناؤها.
دموعها لا تجف كلما ذكرت اسم قطعة أو أداة من الماضي، أو تذكرت موقفاً ورثت فيه شيئاً عن أقاربها، وهي نفس الدموع التي تذرف في حال فقدت إبرة من تراثها الجميل أو كُسر شيء منه، والدموع ذاتها تنهمر حين تتحدث الوالدة عن الماضي وعن حياة أول وأهل القدم.
يشبهون الأدوات
تضيف الوالدة: أهل أول بسيطون يشبهون الأدوات التي كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية، واليوم كلما كبر البيت ضعفت ملامح التراحم والتواصل والتقارب بين أبناء البيت الواحد وبين البيوت عامة، على عكس ما كانت عليه البيوت قديماً من حيث التواصل والترابط والتقارب، وكأنها بيت واحد أبوابه عدة.
وتؤكد أم ياسر أن جل همها من وراء جمع التراث والمحافظة عليه وإدخاله في حياتها وحياة أبنائها وأحفادها، هو الإبقاء على خيط الترابط والتواصل بين الماضي والحاضر، وتقريب الأجيال من حياة الآباء والأجداد، وتقوية الأواصر والدفع بالعلاقات الاجتماعية إلى واقع أفضل، علاوة على تعريف الصغار بما كان عليه واقع الكبار قبل سنوات قريبة وعقود طويلة، لأن البيئة الحالية للأبناء تفتقد لكثير من المسميات التي ظلت حتى سنوات قريبة حاضرة في بيوت وحياة الإماراتيين، لذلك فهي تحرص وبقوة على المواصلة في نهج حياتها التراثي، وإبقاء بيتها ركناً من الماضي ومزاراً للجميع، خاصة لمن يريد أن يتذكر الماضي الجميل.

100 عام
من الأدوات التي تحتفظ بها الوالدة أم ياسر «كارخانة» عمرها 100 عام، وهي ماكينة خياطة قديمة، وراديو و«بشتختة»، وساعات قديمة وآلة السُدس لتحديد الوقت والزمن قديماً، وميزان قديم وآخر للولو، ومعدات لاستخراج اللؤلؤ قديماً، وكاميرات بدائية و«يحلة» أو الخرس الفخاري.
أضف إلى ذلك حجرات مكتملة الأدوات التراثية الأساسية التي تستخدم أو تحفظ في ركن خاص. ومعارض في «حوي» البيت فيها هيئة حقيقية تجسد حياة الآباء والأجداد، وركن خاص يجمع تفاصيل يومية لمعيشة أهل البحر. الجميل في الأمر أن كل هذه الأدوات والمسميات التي تقدر بعشرات آلاف الأصناف، باتت مألوفة ومعروفة لدى أبناء أم ياسر وأحفادها، الذين لا تخفى المتعة على وجوههم وهم يتنقلون بينها يومياً.
زارت دولاً عدة ولا تزال تبحث عن «قرحاف» و«سماور»
تحرص الوالدة أم ياسر على اقتناء كل ما أمكنها من مسميات الحياة قديماً، ولأجل ذلك فهي تبحث عن التراثيات الإماراتية في الهند وباكستان وإيران، وفي السعودية وقطر والبحرين، وفي أسواق الإمارات عموماً. تسافر أحياناً وتشتري الكثير، وتستبدل القطع إن توفر لديها المزيد، حتى تمكنت من استجماع كل ما يثري ماضي الإمارات في بيتها العصري بل التراثي.
إلى اليوم؛ تواصل أم ياسر البحث عن قطعتين قديمتين تفتقدهما في حياتها التراثية الثرية، الأولى تسمى «قرحاف» وهي الحذاء الخشبي المصقول الذي كان يستخدمه أهل الإمارات، والثانية تدعى «سماور» وتوضع في «القطيعة» التي تستخدم في الحمام و«السبوح» تحديداً، وهي قطعة نحاسية تساهم في تسخين الماء بفعل «السخام».
يقول ابنها ياسر محمود التميمي، إن والدته لا تتخلى عن التفكير والاهتمام بكل ما تجمعه، وما تسعى إلى توفيره من الأدوات التراثية، التي تسافر من أجلها وتقطع المسافات أملاً في الظفر ببعضها، ناهيك عن زياراتها المتكررة للأسواق الشعبية والتراثية في الدولة، ونبشها الدائم لمحتوياتها بحثاً عن أداة تزين بها بيتها «الجديم» المتشبث بالحياة في حياتنا العصرية.
«بيتنا الجديم».. انستغرام تراثي
«بيتنا الجديم» هو حسابها الإنجليزي على «إنستغرام»، وهو اسم مشروعها التجاري التراثي، لاسيما في تجهيزات ليلة الحناء التراثية، والديكورات التقليدية القديمة التي تبدعها الوالدة أم ياسر منذ سنوات طويلة، حتى باتت مطلب الكثير من الفتيات الباحثات عن ذكريات الماضي الجميل في حفلات الزواج التراثية، من دبي إلى رأس الخيمة وأبوظبي.
قبل فترة قريبة طرح المحيطون على الوالدة فكرة إنشاء حساب على «إنستغرام» لعرض منجزاتها التراثية وللتعريف بما يمكن لها أن تنجزه من ديكورات وتجهيزات تقليدية تخص حفلات الزواج، لم تستوعب الفكرة في البداية، لكن سرعان ما راقت لها بعد أن علّمتها ابنتها كيفية استخدام الموبايل وعرض الصور والتعامل مع الردود الواردة.

ليلة الحناء
وتتقن تحضير المكان بديكوراته التراثية الأصيلة الخاصة بليلة الحناء الإماراتية، وما يتصل بها من زينة قديمة وأدوات من الماضي من مسميات «الفنر والمشبكة والسرود والحصير والتكي»، وبذلك فهي تضيف إلى الفرحة بهجة إضافية، أصبحت مطلباً ملحاً لدى عدد من الفتيات المقبلات على الزواج هذه الأيام.
أضف إلى ذلك إسهامات الوالدة في إنجاز التجهيزات التراثية المعبرة، والخاصة بالمناسبات الوطنية المختلفة.
بعد كل ذلك، أصبح بيت الوالدة أم ياسر مزاراً لطلبة رياض الأطفال والمدارس، الذين يقصدونها للتعرف على التراث والماضي والمسميات القديمة التي تحتفظ بها بين جنبات منزلها، حيث تقول إنها تستقبل كل عام عشرات الطلاب والطالبات الذين ينشدون أجواء الماضي في بيتها.

مزار للطلبة
وتؤكد الوالدة أنها تحرص على تفعيل ملامح العلاقة بين الأجيال المختلفة ونمط الحياة قديماً، لذلك فقد أفردت في «حوي» بيتها مساحات مجهزة وحجرات مختلفة لتجسيد حياة الماضي لدى أهل الإمارات، وفي كل ركن يجد الزائرون عشرات الأدوات والمسميات التراثية التي ظلت حاضرة في حياة آنفة كانت لا تخلو من الصعوبة حتماً، رغم تفردها بمتعة كبيرة بحكم بساطتها وتعاون أهلها وتقارب الاهتمامات بين سكان «الفريج» الواحد.
تختتم أم ياسر التقي قولها: لأني أشعر بالمسؤولية الفردية، وأتحمل أمانة وطنية، وأدرك أن الأبناء بحاجة إلى عطاء أكثر من الأمهات والآباء، فقد بادرت بزيارة بعض المدارس القريبة، ودعوتها لزيارة بيتي التراثي الجميل في أي وقت، بقصد تعريف الصغار بحياة الماضي، وتقريبهم من أجواء الأصالة المتجذرة في نفوس أهل الإمارات، والتي لا يمكن أن يبهت بريقها يوماً لأنها ببساطة جزء من فطرة شعب الإمارات.
