عندما اشترى والده رحمه الله سيارة نوعها «لاند روفر» من طراز 1959، كان خليفة بوسكين الغفلي أحد سكان منطقة فلج المعلا في إمارة أم القيوين، حريصاً على أن يتعرف على أجزاء السيارة الرئيسية رغم أنه كان طفلاً لم يتجاوز 13 عاماً، فكلما سمحت له الفرصة فتح غطاء السيارة وتفقد محركها،

وقد تمكن مع الأيام من اكتساب الخبرة في صيانة بعض المشكلات الميكانيكية نتيجة تعطل سيارة والده باستمرار، مما ساهم في تعزيز مهاراته الفنية التي كان لها الأثر الواضح على المدى البعيد.

ظل بوسكين مهووساً بالسيارات منذ صغره، وعندما بلغ مرحلة الشباب في عام 1973، حرص على شراء سيارة خاصة به، وهكذا بدأ مسلسل البيع والشراء في السيارات، إلى أن تمكن منذ نحو عشر سنوات، من جمع خبرته الطويلة في السيارات، وتوثيق تاريخ الإمارات بالسيارات عبر تأسيس مركز الفلج للسيارات الكلاسيكية والتدريب المهني، لعرض وبيع السيارات القديمة في منطقة فلج المعلا في المنطقة الوسطى.

«لاند روفر»

يضم المركز نحو 200 سيارة قديمة من نوع «لاند روفر» بأنواعه المختلفة، و«بيت فرت»، وسيارات «كمر» التي تشبه الشاحنة، وسيارات «دوج» فضلاً عن بعض السيارات النادرة أبرزها سيارة «روز رايز» القديمة، وسيارة فورد من طراز 1967 يطلق عليها «فندر بيرد»، وسيارة «كاديلاك» من طراز 1951، وغيرها من السيارات التي عاصرت مراحل تطور السيارات على الصعيدين المحلي والعالمي.

حظي مشروع بوسكين على إعجاب منقطع النظير من المجتمع، بدليل حرص بعض المدارس على إقامة الورش الفنية التدريبية صيفاً للطلبة، نظراً لخبرته الواسعة في فك وتركيب وصيانة السيارات، وقد استقبل مجموعة من الطلبة تمكنوا في نهاية تدريبهم من صيانة إحدى السيارات وطلاء أجزائها كي تكون أكثر حداثة، مطالباً في هذا الصدد بتوفير الدعم من خلال إعداد أماكن تحتوي الطلبة خلال فترة الصيف، لاستثمار قدراتهم أثناء الفراغ بصورة تخدمهم مستقبلاً، لاسيما وأن المشاركين ضمن ورش العمل يبدون سعادتهم إزاء تدريبهم في مجال صيانة السيارات، بدليل طلب البقاء حيناً إلى وقت متأخر لتعلم المزيد.

1800 صورة

الأجانب هم أكثر الناس حرصاً على زيارة المكان، وقد نجح بوسكين من إعداد خطة استثمارية في هذا الجانب تتمثل في تنظيم رحلات إلى البر «سفاري» باستخدام السيارات الكلاسيكية القديمة ذات الدفع الرباعي، وغالباً ما تكون هذه السيارات مكشوفة من الأعلى، وكثيراً ما قدم له هؤلاء الزوار الأجانب صور قديمة عن الإمارات في الماضي، وجمع حتى الآن نحو 1800 صورة تتحدث عن حياة أهل البادية وسمات الحياة الإماراتية قديماً.

وهناك فئة من الزوار الأجانب، يأتون إلى المركز لشراء بعض قطع غيار السيارات النادرة كما أوضح، ويشترون القطع بالسعر الذي يحدده دون جدل، على خلاف بعض زبائنه المحليين، وذكر في هذا السياق أحد المواقف الطريفة لرجل من منطقته جاء إليه لشراء قطعة رئيسية في محرك السيارة، وعندما ذكر له السعر وضع فنجان القهوة على الطاولة مستهجناً السعر ثم غادر، ورجع في اليوم الثاني لشراء القطعة نفسها بالسعر المحدد مسبقاً، فأجابه بوسكين أنه استخدمها في تركيب إحدى السيارات القديمة لديه.

ما زال بوسكين يتذكر الكثير من الأحداث تأبى الذاكرة نسيانها، أهمها رحلة ذهابه اليومية إلى المدرسة صباحاً بواسطة سيارة نوعها «أوستن» من طراز 1962، لذلك حرص أثناء تدشين المركز على شراء السيارة ليجدد ذكرى الطفولة بالنظر إليها. وذكر أنه عندما كان شاباً، كان يستخدم الطرق الرملية عوضاً عن الطريق المعبد أثناء انتقاله من فلج المعلا إلى مدينة دبي والإمارات الأخرى.

قطع الغيار

لقد تمكن بوسكين من استثمار خبرته الطويلة في السيارات، من خلال تركيب بعض السيارات وتجميعها في المركز، خاصة وأنه يمتلك مجموعة ضخمة من قطع غيار السيارات لمعظم السيارات الكلاسيكية المتداول استخدامها في الإمارات قديماً، وقد زاره مدير عام مصانع شركة «لاند روفر» من بريطانيا حيناً، ودقق على بعض قطع غيار السيارات، ثم قضى يوماً كاملاً ضمن رحلة ترفيهية بسيارة «لاند روفر» القديمة في البر، وأبدى إعجابه من قطع الغيار المتوفرة للسيارات القديمة، وشدد على ضرورة تنظيم رحلة مستقبلية للمهندسين.

لعل مشاركات بوسكين المجتمعية كثيرة، بصفته يرحب بجميع الدعوات الموجهة إليه سواء من المدارس أو المؤسسات الأخرى، وقد سبق له المشاركة في بعض المهرجانات والاحتفاليات الخاصة بالسيارات الكلاسيكية، منها على سبيل المثال مشاركته في ليوا وتحديداً ضمن بطولة «تل مرعب»، إذ حصل على المركز الأول عن فئة السيارات الكلاسيكية، إلى جانب مشاركته في العديد من المسابقات التي استطاع خلالها الحصول على المركز الأول محلياً عن فئة السيارات الكلاسيكية.

تأثر أبناؤه به لكن بطريقة مختلفة، إذ يهتم أبناؤه بالسيارات الحديثة، وتميز أحد أبنائه بقدرته الالكترونية في برمجة السيارات وحل بعض مشكلات أجهزة الكمبيوتر داخل السيارات الحديثة، وتطوير أداء بعض السيارات من حيث السرعة والخصائص الأخرى للسيارة.

جذب سياحي وإعلامي

رفض بوسكين ضم سياراته إلى أحد المتاحف، رغبةً منه في الحصول على الخصوصية، وسعياً إلى أن يكون مركزه بمثابة موقع سياحي يخدم المنطقة وزوارها في فلج المعلا والمناطق المجاورة. وبعض القنوات الأجنبية الكورية والروسية أعدت تقارير عن المركز، وقناة بريطانية بثت برنامجاً مباشراً تضمن عملية الربط بين المراسل التلفزيوني في الإمارات والمذيع في بريطانيا، وقد تحدث بوسكين عن تجربته للمشاهدين وزودهم بمعلومات عن المركز.

سيارات «أنتيكا» للمشاركة في إكسبو 2020

خليفة بوسكين يعد خطة مستقبلية للمشاركة بالسيارات الكلاسيكية «الانتيكا» ضمن الحدث العالمي «إكسبو 2020» الذي ستحتضنه دولة الإمارات، ليعرض سياراته أمام الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم خاصة وأن السيارات الكلاسيكية القديمة تحظى باهتمام واسع من قبل الأجانب، ومشاركته بعرض السيارات ضمن معرض إكسبو الدولي ستصنع تفاعلاً مع الزوار كونها تعتبر جزءاً من اهتماماتهم، مما سيساهم في تعزيز السياحة بالسيارات الكلاسيكية في الدولة.

كما أن ثمة سيارات لديه غير مخصصة للبيع، نظراً لندرتها في الشرق الأوسط أو العالم بصورة عامة، لعل أبرزها إحدى السيارات للقائد الإنجليزي أثناء العدوان الثلاثي على مصر، إلى جانب سيارة أخرى نالت إعجاب الزوار الأجانب فور مشاهدتها، كونها تنتمي إلى حرب قادها الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية، وتتميز هذه السيارة الحربية بوجود رقم «53» على ظهرها يرمز إلى الفرقة الحربية المشاركة آنذاك في الحرب، وسيارات أخرى كانت قد شاركت بحروب سابقة.