«الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأخلاق»، ومن منا لا يحفظ بيت الشعر هذا من قصيدة العلم والأخلاق لشاعر الشعب والنيل حافظ إبراهيم، هذا البيت الذي صار مدرسة في التربية الاجتماعية، والتنشئة الأسرية، هو بمثابة وصفة نجاح واستقرار مختصرة، ليس للأسرة فحسب، وإنما للمجتمع بأكمله، فالأم كالقلب من الجسد، إذا صلح، صلح الجسد كله، ولكي تكون صالحة فاعلة، وقلبها سليماً، فإنها تحتاج إلى إعداد جيد، قوامه التربية والتعليم والتدريب والتوجيه، والانخراط المبكر في الحياة العملية، والاستعداد الوافي للقيام بهذا الدور السامي عندما تأتيها الفرصة لتكون زوجة، ومن ثم أُمّاً ومربية مهيأة لبناء أسرة متماسكة.
مسؤولية
إذاً هي حلقة متكاملة، تبدأ وتنتهي بالأم التي يرتبط حول عنقها عقد طويل من المسؤوليات والواجبات التربوية تجاه أبنائها الذين ستحضنهم حتى يكبروا وتنضج مداركهم، وتغرس فيهم القيم والأخلاق والعادات النبيلة، وتؤصل فيهم البر والإحسان والطاعة والاحترام، بما يكفل لهم الاستقرار وسط هذا المجتمع سريع التطور، والثبات في وجه عواصف العولمة والتغيير التي تطيح بهم من كل جانب.
مركز حور للفتيات، أحد مراكز جمعية النهضة النسائية في دبي، التقط هذه الإشارة التربوية بوضوح، ونصَّب نفسه مساعدا ومستشارا مخلصا للأم والأسرة والمجتمع، وأمسك إبرته وخيطه، وبدأ يرتق الفجوة بين فتيات جيل اليوم، والأجيال السابقة التي كانت عذراء من كل هذه المستجدات والمتغيرات التي تترصدها، في ظل ابتعاد الكثير من الأمهات عن أدوارها الحقيقية في التربية والتنشئة، وتوكيلها إلى الخادمة أو المربية، حتى فقدت الفتاة من يعلمها ويدربها، ويحقن فيها صفات «الأم المدرسة»، وصارت جاهلة -إن جاز لنا التعبير- في تدبير أمور الزوج والمنزل.
ومؤخرا أطلق مركز حور بالتعاون مع مركز الفنون أحد مراكز الجمعية كذلك، برنامجا تربويا تأهيليا شاملا، تحت عنوان «روائع الإجازات»، يستهدف 3 فئات من البنات، من عمر 6 سنوات إلى 18 سنة، وزينته بفقرات وفعاليات تنمي مهاراتهن، وتساعد في بناء شخصياتهن، وإعدادهن جيداً ليكنَّ أنوية زوجات وأمهات صالحات في المستقبل، متحليات بالأخلاق والمهارات العالية، والمواهب الرائعة..
فتاة إيجابية
فاطمة أحمد الزرعوني مدير مركز حور للفتيات، بدأت حديثها عن أهداف البرنامج منطلقة من رؤية المركز الرامية إلى إعداد فتاة إيجابية مع نفسها وأسرتها ومجتمعها، تكون بمثابة قيادية مساهمة في بناء المستقبل، بالتوازي مع تنمية روح الابتكار والإبداع والثقة بالنفس، والتصميم على الإنجاز، وقالت بلغة مختصرة «نسعى إلى ترميم العلاقة بين البنت وبيتها، بعد أن تهتكت بفعل العولمة والتغير الذي طرأ على بنية المجتمع وثقافته، وتأثره بمستجدات العصر».
وتضيف ان لدى المركز كذلك طائفة أهداف شاملة يصار إلى تحقيقها ليس من خلال هذا البرنامج الصيفي فحسب، وهي تنمية القدرات لدى الفتيات، وتعمير شخصياتهن تربويا واجتماعيا، واستثمار الطاقات والمواهب الإبداعية، وبناء شخصية متوازنة محافظة على العادات والتقاليد والموروثات الإماراتية، ومساعدة الفتاة على الاندماج في المجتمع، وتدريبها على حسن استثمار الوقت، وصولاً إلى فتاة قيادية مبدعة من الصف الأول، ومواطنة صالحة قادرة على العيش في مجتمع منفتح على الثقافات الأخرى، حتى في ظل عدم وجود من يساعدها في تربية الأبناء، وتوفير احتياجاتهم المعيشية .
رسالة
وتقول رئيسة المركز: «مما لا شك فيه ان الفتاة مشروع مؤجل للزواج والأمومة والقيادة، وعليها تعقد آمال وتطلعات كثيرة في ظل هذا الاهتمام غير المسبوق من القيادة الرشيدة بأبنائها وبناتها، ودعمهم ماديا ومعنويا، وبالتالي فإن كل فتاة هي نواة أم لها جذور وثوابت وأخلاقيات، وتحتاج إلى مهارات كثيرة لتكون كذلك، ومن هنا ولدت رسالتنا، واستُمِدت برامجُنا ومبادراتُنا التي تصب في قنوات تربوية واجتماعية وصحية وسلوكية، لتروي المهارات العامة التي تحتاجها أي فتاة وتصبح ناجحة وفاعلة في بيتها ومجتمعها، متسلحة بالمواهب والقدرات الابداعية التي تميزها عن غيرها».
الزرعوني أطلقت دعوات إلى أولياء الأمور، حثتهم فيها على تسجيل أبنائهم في المركز، والانتفاع من الخدمات المتوفرة فيه، والبرامج والفعاليات التي ينظمها على مدار العام، لا سيما البرامج الصيفية التي صممت لسد الفراغ، واستخدامه في تطوير شخصيات الفتيات، وتوسيع مداركهن، وحقنهن بالقيم والمهارات التي تؤسس لمستقبل اسري واجتماعي ناجح.
وقالت: «من ثمرات المركز كذلك، إنه يؤهل الفتيات اللواتي لم يكملن دراستهن، ولم يحصلن على شهادة الثانوية العامة، بالتعاون مع بعض المؤسسات والمعاهد التعليمية الرسمية المعترف بها من وزارة التربية والتعليم العالي، وهو ما يعبد الطريق أمامهن لدخول سوق العمل والالتحاق بوظائف بمقاس شهاداتهن التي تمنح لهن بعد عدة دورات وتدريبات داخلية.
تكامل مع المدرسة والبيت
أكدت مديرة المركز أن برنامج »روائع الإجازة” الذي يقام بالاشتراك مع مركز فنون التابع للجمعية، ثري بالفعاليات والفقرات المهمة لبناء شخصية الفتاة وإعدادها جيدا لتكون أماً وزوجة ناجحة، وفيه فقرات متنوعة تناسب احتياجات كل فتاة مشاركة قياسا بعمرها، كما أنه يأتي متمماً لدور المدرسة والأمهات، في تعليم الفتيات المهارات الحياتية اللازمة لإنجاح مستقبلهن الأسري والاجتماعي.
خطوات واسعة في إعداد فتيات المستقبل
سمر عبدالمعطي مسؤولة مركز الفنون، ومدربة طبخ وأشغال يدوية، قالت في حديثها عن أهمية البرنامج، ودوره في إعداد الفتيات للمستقبل: «ما نسعى إليه في البرنامج، عبر جميع الفقرات، هو إعداد الفتاة لتصبح أماً وزوجة، ومربية ومديرة بيت ناجحة، ونؤهلها لتدبير حياتها من دون خادمة، وفي فقرة الطبخ على وجه الخصوص نعلم الفتيات المشاركات أساسيات العمل في المطبخ، وتعلم المقادير، ونحاول عمل وصفات ومأكولات يحببنها في هذا السن، ويستمتعن بتحضيرها، كي نرغبهن بالعمل في البيت، وخصوصاً في ركن إعداد الطعام والحلويات، والأمر مشابه في فقرة الفنون والمشغولات اليدوية التي ترمي إلى نفس الهدف».
وأضافت: «بكل أسف، فإن بنات هذا الجيل، يختلفن كثيراً عن زميلاتهن في السابق، لجهة أنهن لا يتقن العمل المنزلي، ولا يهتممن بهذا الجانب من حياتهن، لأنهن صرن يعتمدن كثيراً على الخادمات، ونسين أنهن ربما يواجهن ظروفاً تستدعي تدخلهن، وتدبرهن، ناهيك عن إشكالية أخرى وهي حذف بعض المناهج المتعلقة بالتربية الأسرية والمنزلية، بعد أن كانت تدرس في المدارس قبل سنوات قليلة، وهو ما زاد المسؤولية على مؤسسات ومراكز التنمية الأسرية والمجتمعية، لتعوض هذا الجانب المفقود على شكل برامج ودورات».
بدورها، وصفت فاطمة جنجر مشرفة ومدربة أشغال يدوية، البرنامج، بأنه فرصة ثمينة للكشف عن مواهب ومهارات المشاركات، وتأهيلهن للقيام ببعض الواجبات المنزلية، إلى جانب أنه قد يؤسس لمهنة الغد بالنسبة للبعض منهن، ممن تبرع في عمل المشغولات، ويساعدهن على افتتاح مشروع خاص بهن.
وقالت إن خبرتها في هذا المجال جاء حصيلة مشاركاتها السابقة الورشات والدورات التي نظمها المراكز خلال الدورات السنوية السابقة، وحثت أولياء الأمور على استثمار هذه الفرص التي تنمي الجانب الإبداعي والمهاري لدى فتياتهم.
آراء المشاركات
بالانتقال إلى آراء بعض الفتيات المشاركات في البرنامج، والأسباب المتحصنة وراء مشاركتهن فيه، نجد أنهن مستمتعات كثيراً وهن يتحضرن للأمومة والقيادة الأسرية والمجتمعية، وسعيدات بقضاء ما تبقى من الإجازة الصيفية داخل غرف وقاعات التدريب والتأهيل، وبناء الشخصية المتسلحة بذخيرة المهارات والقيم المختلفة، الكفيلة بنجاح جميع جوانب حياتهن في المستقبل، وخصوصاً كيفية إدارة أمور الزوج والأبناء والبيت.
أسماء إدريس طالبة عمرها 14 عاماً، كانت مندمجة مع زميلاتها وهن يحضرن كعكة الشوكولاتة بالبوظة والفراولة، داخل المطبخ المخصص لورش تعليم الطبخ في مقر الجمعية، وعاشت دور الأم في وقت مبكر، وأكدت أنها سعيدة جداً بالالتحاق بمركز حور للفتيات، والانضمام إلى طلبة برنامج «روائع الإجازة».
مهارات ومواهب
وقالت: «كل فتاة لديها مهارات ومواهب تحتاج لمن ينقب عنها، وينميها، ويستثمرها بشكل جيد، ونحن في هذا البرنامج نبحث عن شخصية الزوجة والأم في داخلنا، لنطورها، وندعمها بالتعلم والتدريب العملي، حتى نصبح زوجات وأمهات ناجحات في المستقبل، ثم إن فقرات هذا البرنامج التي بالفعل تراعي احتياجاتنا، تسهم في تعويض ما نفتقده في المدرسة من تربية أسرية واجتماعية، ومهارات بناء الشخصية، على اعتبار أننا ندرس في المناهج مواد علمية تركز على الجانب النظري والأكاديمي، ويهمل كثيراً الاهتمام بالجوانب التي تحتاج إليها الفتاة كي تصبح زوجة فاعلة وأماً ناجحة في تربية الأبناء وإدارة شؤون البيت، دون الاعتماد على الخادمات اللواتي لهن آثار سلبية كثيرة لا تقل عن حجم الحاجة لهن لدى بعض الأسر».
استمتاع واستفادة
وتقاسمها السعادة والاستئناس زميلتها الطالبة شمسة صلاح (12 عاماً)، التي قالت إنها استفادت كثيراً من اشتراكها في البرنامج، وإعمار الأيام المتبقية من إجازتها الصيفية بالشيء النافع، بدل قضائها في النوم، أو اللهو، وتشعر بأنها وضعت رجليها باكراً على طريق الأمومة، خصوصاً بعد أن تلقت دورة إسعافات أولية، وتعلمت فنون الطبخ والخياطة، والإدارة الأسرية والبيتية، واستمعت لمحاضرات حول مواصفات الفتاة الصالحة الناجحة في المجتمع.
وتشترك معهما في المنافع نفسها، الطالبة هند أحراري (12 عاماً) التي قالت إنها تحرص على التسجيل في جميع فعاليات وبرامج مركز حور، مشيدة بحجم الفائدة التي تحصدها من المشاركة، إلى جانب قضاء وقت ممتع بصحبة زميلاتها اللواتي تعرفت إليهن أخيراً، وأصبحن صديقات دائمات لها.
وقالت: «استمتعت كثيراً وأنا أتعلم الطبخ، وصناعة بعض الحلويات، وتعلم الخياطة، والرسم على الملابس، والتصوير الفوتوغرافي، إلى جانب ممارسة بعض فنون المشغولات اليدوية الأخرى التي أشعرتني بأني أمٌّ ناجحة، قادرة على تدبير شؤون أبنائها ومنزلها، ومن هنا أدعو جميع الفتيات إلى الالتحاق بمثل هذه الدورات، والاستفادة من الخدمات التي يوفرها المركز للمشتركين، والحرص على تعلم المهارات الشخصية والاجتماعية والفنية والصحية، والاستماع إلى المحاضرات الدينية التي تعلم الفتاة أمور دينها».


