من نافلة القول إن المكتبات ما انفكت تتربع على عرش الوسائل التعليمية وأبقاها أثراً وفائدة، بالرغم من منافسة الوسائل التكنولوجية الأخرى لها في القيام بمهمة توصيل المعلومة إلى القارئ، ولم يعد دورها يقتصر على توفير الكتب وأوعية المعلومات المختلفة فقط، وإنما تمدد دورها ليشمل النشاطات الثقافية ذات الاهتمامات المتنوعة، الهادفة الى توسيع نطاق خدماتها لتصل الى اكبر شريحة من المجتمع، وتُحدث التغيير في ثقافته، فحولت نشاطاتها الى سرد القصص وعرض الأفلام الوثائقية والتعليمية والمسابقات والورش من أجل ان تحول الثقافة والمعلومة الى عالم ملموس يمزج بين اللعب والقراءة، ويواكب روح العصر الذي نعيشه.
وإيماناً من مكتبة دبي العامة بدورها في الحراك التنويري والثقافي والتعليمي، وترغيب شرائح المجتمع وجذبها لعوالم الثقافة والقراءة، وغرس حب الكتاب في نفوس الأطفال، أطلقت مؤخراً برنامج «صيفنا ثقافة وفنون» الهادف الى تنمية المهارات الشخصية والاجتماعية للأطفال، من خلال أنشطة وفعاليات ثقافية وترفيهية وتعليمية ورياضية، مستلهمة شعار البرنامج من اسم ورؤية هيئة دبي للثقاف والفنون.
البرنامج الذي ينظم في فروع المكتبة بشكل سنوي، ضمن الفعاليات الصيفية، حلقة في سلسلة النشاطات والفعاليات المنظمة على مدار العام، وهي امتداد لرؤية ورسالة المكتبة القائمة على اتاحة الفرص للمجتمع للاتصال الدائم بالتطوير في مجال العلوم والأدب والثقافة والفنون والتراث.
فقرات جديدة
خديجة علي تنفيذي رئيسي أنشطة وفعاليات في مكتبة دبي العامة، أكدت ان فقرات برنامج هذا العام جديدة وديناميكية، ومتفوقة على سابقاتها، وأنها تطرح لأول مرة في المكتبات، لكن تحت الشعار نفسه، وهو «صيفنا ثقافة وفنون»، المنسجم مع رؤية ورسالة هيئة دبي للثقافة والفنون.
ورداً على ملاحظات بعض أولياء الأمور بشأن قصر المدة المخصصة للبرنامج، وعدم وجود مدربين ناطقين باللغة العربية قالت علي :« ما من شك ان طلب أولياء الأمور زيادة الوقت المخصص للبرنامج يسعدنا كثيراً، ويعطينا دفعة قوية للأمام، مثلما يدلنا على اننا ماضون في الاتجاه الصحيح نحو خططنا وأهدافنا، لكن اختيار الوقت متصل بعدة ظروف حالت دون انطلاقة البرنامج في وقت ابكر، خصوصاً شهر رمضان المبارك واجازة العيد، اضافة الى اننا اخترنا الفترة المسائية لدوام الطلبة لأنه وقت نشاط وحيوية بعد نوم طويل واستراحة قيلولة، ونحن على قناعة ان ثلاث حصص يومية كافية للطلبة، وكفيلة بإيصال الفائدة لهم».
واضافت:« بخصوص المدربين الناطقين باللغة الانجليزية، وعدم توفر آخرين عرب، فإنه لا بد من التنويه الى ان ثمة مترجما لمن يود ذلك، وأن هناك أولياء امور كثيرين يفضلون ان تكون لغة التدريب والتعليم انجليزية، لتطوير مهارات المحادثة والقراءة والكتابة لدى ابنائهم، علاوة على ان المركز القائم على تنفيذ البرنامج ليس عربيا، وان جميع المدربين فيه يتحدثون باللغة الانجليزية».
فعاليات البرنامج
بدورها توضح رنا محيسن منسقة البرنامج، ان هذه الدورة حلقة في سلسلة الفعاليات التي تنظمها المكتبة خلال السنة، وتؤكد انه بإمكان أي طفل لم يلتحق بالدورة الصيفية لهذا العام، ان يتابع حضوره في دورات وبرامج اخرى، لافتة الى ان انتقاء الفقرات والمواضيع الخاصة بالبرنامج تم بعناية فائقة تناسب روح العصر، والطرق التعليمية الحديثة، والفئة العمرية المشاركة. وقالت:« ترتكز البرامج على تعليم الأطفال عدة مهارات اضافة الى الجانب العلمي والعملي ، منها احترام الذات، الثقة بالنفس، الإبداع، التواصل، فن المحادثة، أصول الانترنت، تحديد الأهداف والتغلب على التحديات الشخصية، تعزيز روح التعاون والمنافسة الشريفة وفن ادارة الوقت».
وذكرت: يشمل البرنامج على عدة فقرات، منها تركيب وبرمجة الروبوت الهادفة الى اكساب الطلبة معارف تقنية متطورة من خلال انشطة ميدانية تحفز مهارات التصميم وتعزز روح العمل الجماعي، ثم فقرة الثقافة المالية، التي تزرع في الأطفال الإحساس بالمسؤولية تجاه ادارة حياتهم في المستقبل، ومعرفة كيفية تكسب المال وصرفه من خلال النقاش والألعاب والمحاكاة وورشات العمل. اما الفقرة الثالثة فهي تعلم الرياضيات واللغة الانجليزي، من خلال البرنامج العالمي لنظام الحاسب الذهني الذي ينمي المهارات الحسابية لديهم والتركيز، اضافة الى ورشة عمل اخرى عن برنامج رسم عالمي اسمه (داينو ارت) يلتقي فيه الفن بالمنطق، ويساعد الأطفال على اكتشاف الفن الكامن في داخلهم، ويغذي مهارات الخيال التصويري والمفاهيم الابداعية والتفكير التجريدي.
270 مشاركاً
يتضمن البرنامج باقة واسعة من الأنشطة التعليمية والابداعية، استقطب في فروع المكتبة نحو 270 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين6-12 عاماً، وهو عدد وصفته بالأكبر في تاريخ البرنامج منذ انطلاقته، موضحة أن الأنشطة معدة خصيصاً لتنمية مواهب الأطفال، وتوفر منصة مميزة لتطوير المهارات الشخصية والعقلية عبر مجموعة من الورش والأنشطة المقدمة بإشراف نخبة مختارة من المدربين المؤهلين والخبراء في هذا المجال.
البرنامج يحظى برضاء أولياء الأمور
عبر عدد من أولياء الأمور والطلبة المشاركين عن سعادتهم وإعجابهم بفقرات «صيفنا ثقافة وفنون»، وأكدوا ان حجم الفائدة كبير، وأن قرب المكتبات من أماكن سكنهم سهل عملية المشاركة، وشجعهم على عمل عضوية فيها، علاوة على أن حرصهم على الحضور يأتي من باب المتعة واستغلال الوقت واكتساب المزيد من المهارات.
أم الطالبة سارة خالد الريس لديها اربعة ابناء لهم عضوية في مكتبة دبي، ومشتركون في البرنامج، وتحرص على عدم تفويت ابنائها اي نشاط يعود بالفائدة عليهم، وتبدي اعجابا شديدا ببرنامج صيفنا ثقافة وفنون، وتؤكد ان الفقرات التي تشملها هذه الدورة، غنية بالمعلومات والمهارات التي يحتاجها الطالب، ليقوي بها اساساته التي سيبني عليها بقية المراحل الدراسية، وتؤهله لان يدخل المرحلة الأساسية بأرضية صلبة، وشخصية اصلب، تمكنه من التعاطي مع البيئة المدرسية بكل اقتدار.
وتقول:« وجود اكثر من فرع لمكتبة دبي العامة في عدة مناطق من هذه الامارة يشجع أولياء الأمور على تسجيل أبنائهم فيها، ليستفيدوا من البرامج والدورات والخدمات التي تقدمها للمجتمع، فعندما تكون المكتبة او اي مؤسسة تعليمية وتدريبية قريبة من الأهالي فإنهم يتحمسون لإشراك ابنائهم فيها، وعمل عضوية دائمة لهم، وتجعلهم مطمئنين الى ابنائهم، وواثقين بمستوى الفائدة التي يتلقونها منها، بدل تضييع أوقاتهم في اللعب واللهو ايام الاجازات الصيفية والعطل الأسبوعية».
وتضيف:« المكتبة مركز علم وتنوير واشعاع فكري، وهو مدرسة للتربية والتعليم والرعاية والتثقيف، وطالما ان ابناءنا مشتركون بالمكتبات وبرامجها ودوراتها الصيفية فإنهم في مأمن عن الضياع، والتفكك، والجهل، والتأثر بأصدقاء السوء، ثم انهم يستفيدون كثيراً من هذه البرامج، ويطورون مهاراتهم التعليمية، والشخصية، ويصبحون أكثر اعتماداً على انفسهم، نتيجة التدريب والتعليم، والاحتكاك بزملائهم المنحدرين من جنسيات مختلفة، مما يثري ثقافتهم اللغوية والعلمية، ويساعدهم على التعرف الى ثقافات أشخاص جدد ربما يكونون اصدقاء صالحين في المستقبل».
اعجاب وانتقاد
عامر الخياط ولي امر الطالبة غزل، يتفق تماماً مع ما قالته أم سارة، بشأن الفائدة العظيمة من هذا البرنامج، وبقية الفعاليات والبرامج التي تنظمها مكتبة دبي على مدار العام، وأكد أن «صيفنا ثقافة وفنون» له من اسمه الكثير من التثقيف والتعليم والتدريب والترفيه والكشف عن المواهب، بما في ذلك ثراؤه بالمهارات التي يحتاجها الأطفال لتطوير شخصياتهم، وعقولهم، وتنمية الجانب الإبداعي لديهم بجانب مهارات المطالعة والقراءة والبحث.
وقال الخياط:« ما من شك ان هذا البرنامج، وبقية البرامج والورشات والدورات التي تنظمها المكتبة تعود بفائدة كبيرة على الأطفال انفسهم، وعلى أولياء أمورهم، خصوصاً في الاجازة الصيفية التي يفترض استغلالها بالشيء النافع للطلبة، بدل هدر الوقت لصالح الألعاب والنوم وممارسة نشاطات منزوعة المنافع، ناهيك عن أن المكتبة مكان آمن لتسجيل الأبناء في برامجها، وهي جديرة باحتضانهم حتى في ظل غياب أهاليهم عنهم».
وبالرغم من هذا الإعجاب بالبرنامج، وفقراته، والمنافع المرجوة منه، الا ان الخياط يأمل في زيادة عدد ايامه، ويقول ان الوقت الذي تم تخصيصه ليس كافياً للطلبة، داعياً الى اعادة النظر في توقيت دوام المشاركين، واقترح ان يبدأ في وقت مبكر من اليوم بواقع ساعات اكثر، وتوفير مدربين باللغة العربية حتى تتسع دائرة الاستفادة، وتصل الفكرة سليمة، وتتحقق الأهداف.
كلمات الطفولة
الطالبة نور سعيد 12 عاماً سعيدة جداً بمشاركتها، وتقول إنها تعلمت الكثير من هذه الدورة والدورات السابقة، وتمكنت من تطوير مهارات كثيرة لديها، وتعرفت على اصدقاء جدد، وتتمنى ان يكون وقت البرنامج في المرات المقبلة اطول، لأنها تحب قضاء اجازتها في استغلال كل ما هو نافع ومفيد لشخصيتها ودراستها.
ويشاطرها الرأي الطالب راشد محمد ثاني الذي يحرص على عدم تفويت أي نشاط للمكتبة، ويضيف ان فقرات برنامج صيفنا ثقافة وفنون لهذا العام مفيدة جداً، وغنية بالمهارات التعليمية والاجتماعية والشخصية والترفيهية، وخصوصاً فقرات الروبوت والرياضيات والفن. ويضيف الطالب عبد الله حسن ان طريقة عرض فقرات البرنامج شيقة وجاذبة للأطفال، وتجمع بين التعليم والترفيه والتدريب واللعب، وهي فرصة كبيرة للترويح عن النفس والاسترخاء الذهني والبدني والكشف عن المواهب، وتشجع المشاركين على الحضور واستغلال وقت البرنامج والاستفادة من شروحات المدربين.
المكتبات العامة مفتاح المعرفة
عبد الرحمن ابراهيم مدير ادارة المكتبات العامة في دبي، قال إن المكتبة العامة لم تعد حاضنة للكتب فقط، ولا مكانا يقتصر على القراءة بحد ذاتها، بل اصبحت وسيلة شاملة ومتجددة لإيصال المعلومات الى المجتمع بطريقة غير مباشرة، من خلال الدورات التدريبية وورش العمل والبرامج الصيفية التي تنظمها على مدار العام، زيادة على قاعات الحاسب الآلي والرسم، والنشاطات الترفيهية التي تتقاطع جميعها في تطوير مهارات الطالب وتحويل الثقافة والعلم الى عالم ملموس، وزيادة مستوى الوعي الفكري والاجتماعي والثقافي والابداعي لديه، لذلك أصبحت المكتبات العامة مفتاح المعرفة للأجيال.
ومكانا آمنا لتعزيز ثقافة الطفل وكذلك توفير المراجع الأساسية للباحثين. وقال ان هذه الانشطة تسهم في تعزيز الهوية الوطنية، وتمكن الاطفال من اكتساب خبرات ومهارات تساعدهم على تحقيق النجاح في حياتهم، وإن للمكتبات دورا في تعزيز الحوار بين الثقافات، وتفسح المجال امام الطلبة للمشاركة في مجموعة من النشاطات الكفيلة في توسيع مداركهم حيال واقع التراث والفنون والادب في الامارة والدولة.
ويرى ان استراتيجية مكتبة دبي العامة القائمة على افتتاح فروع لها في مناطق عدة من الامارة تأتي من حرصها على مراعاة احتياجات المجتمع في اكثر من مكان، اضافة الى انها حققت اهدافا كثيرة في مقدمتها تشجيع الناس على القراءة والمطالعة والبحث، والتحاق الطلبة ببرامجها، بموازاة ازدياد عدد الاعضاء والمشتركين فيها في جل النشاطات التي تنظمها.
وأوضح ان عضوية الاشتراك في الخدمات المكتبية تنشطر الى نوعين، الاولى فردية للكبار فوق سن 13 عاما، وتتيح لصاحبها استعارة 15 كتابا لمدة اربعة اسابيع، والاخرى جماعية للأسرة بواقع 25 كتابا للفترة نفسها، علما ان مدة العضوية خمس سنوات.






