أكد محمد أمين مباشري مدير مركز التسوية الودية للمنازعات للـ »االبيان«، أن محاكم دبي تعتبر سباقة في إنشاء مركز متخصص للتسويات، لأن معظم المحاكم الأخرى يقتصر دور التسوية فيها على لجان مشكلة لتسوية هذه المنازعة، وأن الهدف من وراء المركز هو إيجاد آلية ميسرة وسريعة للتقاضي، بدلاً من رفع دعاوى قضائية تستمر شهوراً بدون حل، معرباً عن رضاه بخصوص آلية العمل والنجاح الذي تحقق من خلال الأرقام الكبيرة في إنجاز قضايا كثيرة متنازع عليها.

وأشار إلى أن من أكبر القضايا التي تم تسويتها، كانت بين بنك وطني وتاجر، وبلغت قيمة تسوية المبلغ المتنازع عليه ما يقارب 615 مليون درهم، وقد تمكنا من إنهاء النزاع في جلستين فقط، في مدة لا تتجاوز الشهر، بعدها قام التاجر المدعى عليه بتسديد المبلغ، وفق جدول زمني اتفق عليه الطرفان.

وقال إن الهدف من وراء تأسيس هذا المركز، يتمثل في توفير مسار قضائي بديل ميسر، ومتوافق مع توجهات حكومة دبي الاستراتيجية، في تفعيل طرق بديلة، تيسر تسوية النزاعات قبل الإحالة للتقاضي، بالإضافة إلى توفير آلية سريعة لتوثيق التسويات وتيسيرها بقوة التنفيذ الفوري. فضلاً عن زيادة مساهمة المؤسسة القضائية في تدعيم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الإمارة، وتخفيف عبء تراكم القضايا لدى المحاكم، وكسب ثقة أطراف النزاع عن طريق فسح المجال لإعادة العلاقات التجارية والاجتماعية بينهم، بعيداً عن تأجيج المشاكل التي تنتج عن طول فترات نظر القضايا أمام المحاكم.

دعاوى

وأوضح مباشري أن المركز يختص فقط بنظر المنازعات التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس المحاكم، وذلك أياً كان قيمتها، ويستثنى من ذلك، الأوامر والدعاوى المستعجلة والوقتية، والدعاوى التي تكون الحكومة طرفاً فيها، بالإضافة إلى الدعاوى التي تخرج عن اختصاص المحاكم، والدعاوى التي تم قيدها لدى المحاكم قبل العمل بهذا القانون.

ويضيف أن آلية حل النزاعات في المركز هي بديل عن الطرق التقليدية، حيث يقوم المتنازع بتسجيل النزاع بغرض الحل الودي، وليس تسجيله بصفة دعوى قضائية، وعلى هذا الأساس، يتولى المركز البدء بإجراءات تسوية النزاع بدعوة أطرافه أو من يقوم عنهم أو يمثلهم، ثم بعد ذلك يتم الاطلاع على الوثائق والمستندات والأدلة المتعلقة بها.

15 مصلحاً

ويقوم مصلح من ضمن 15 مصلحاً يعملون بالمركز، هم بالأساس متخصصون قانونيون وحاصلون على دورات تدريبية من مراكز عالمية، مثل مركز سنغافورة للتسوية، وهو مركز معتمد عالمياً، بدراسة الملف المقدم إليه دراسة وافية، مستعرضاً مواقف كل الأطراف ومدى قانونية حق كل طرف في الحصول على ما يطلبه من أموال أو عقارات، أو غيرها مما له قيمة وأثر مادي.

وعند الوصول إلى حل من وجهة نظره قد يرضي الأطراف جميعها، يبدأ بجمع المتنازعين في مكان مخصص لحل النزاعات داخل المركز، حيث توجد غرف اجتماعات تجمع المتنازعين بشكل ودي بعيداً عن أجواء المحاكم، وتوفير جو مناسب للتوصل إلى التسوية، وعرض الصلح عليهم، ومحاولة تقريب وجهات النظر بينهم للوصول إلى حل مرض للجميع.

ويوضح أن المركز يلجأ في كثير من الأحيان إلى الاستعانة بمن يراه مناسباً من خبراء ومختصين لتقديم الخبرة الفنية في المسائل المعروضة، وتتنوع هذه الخبرات لتشمل كل المجالات، فهناك قضايا قد تحتاج إلى خبراء طبيين لتقييم مشاكل طبية لطرف يطلب تعويضاً، كما في حالات الإصابة والحوادث، وهناك خبراء في تثمين العقارات والأشياء المادية الأخرى التي يصعب على الأفراد العاديين تقييمها من وجهة نظر تجارية، وهكذا تتنوع الاختصاصات والخبرات، كل حسب مجال تخصصه، وتجري كل هذه الخطوات تحت إشراف قاض مختص.

ويذكر مباشري أن المركز يتسلم نزاعات بمبالغ تبدأ من 20 ألف درهم وما فوقها، وفي حال رغب جميع أطراف النزاع في حل القضية بشكل ودي، يقوم المركز بدراسة النزاع وحله في مدة أقصاها شهر واحد من تاريخ حضور الأطراف أمامه، ويمكن مد هذه المهلة لمدد مماثلة أو أكثر بقرار من القاضي المختص.

اتفاقيات معتمدة

وينبه إلى أنه في حالة الوصول لصلح، فإنه يتم إثبات ذلك بموجب اتفاقية صلح، يوقع عليها أطراف النزاع، ويعتمدها القاضي المختص، حيث تكون سنداً تنفيذياً، غير قابل للطعن فيه، ويمكن تنفيذها بشكل فوري.

وإذا لم يتم الوصول لصلح وتعذرت التسوية ودياً لأي سبب، فإنه في هذه الحالة يتم إحالة النزاع إلى المحكمة المختصة، وإدراجه لتسجيله كدعوى قضائية.

ويقدم المركز في حالة تعذر الوصول إلى حل، تسهيلات، بحيث يتم تسجيل الدعوى القضائية بدون دفع رسوم، ويكتفى بالرسوم المدفوعة عند تسجيل النزاع، بالإضافة إلى أن أطراف النزاع يحق لهم، بموجب توكيل رسمي، توكيل من يشاؤون للحضور بالنيابة عنهم، وليس فقط المحامين، بشرط أن تتضمن تلك الوكالات حق الصلح والتسوية، كما يتم رد نصف الرسوم التي دفعت للمركز.

العدالة بالتراضي

ويقول مدير المركز، إن »مبدأ العدالة بالتراضي« هو هدفنا، ونحن بالمركز نسعى حثيثاً للوصول إلى النسب العالمية في حلول تسوية المنازعات، والتي تصل 25 % عالمياً، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، قمنا في المركز بتعيين 426 خبيراً متخصصاً في مختلف النزاعات، لمواكبة هذا العدد الكبير الذي يصلنا من التسويات.

ويضيف أن هناك نزاعات ترد إلى المركز، تمتد خيوطها إلى خارج الإمارات، وهذه نوعية من القضايا غالباً ما تكون شائكة وصعبة لتعدد أطرافها وتشابك المصالح والقضايا المتنازع عليها، لكن كل ذلك لا يثنينا عن العمل على حل كل أنواع التسويات التي ترد إلينا.

25 مليوناً

ومن جهة أخرى، يقول أيمن محمد ديب، مصلح قضائي في المركز، إنه من واقع خبرته بالعمل في المركز، فقد تعامل مع قضايا كثيرة، منها سهلة الحل، ومنها ما يحتاج لوقت، ويجب على المصلح أن يكون صبوراً لأبعد مدى مع الأطراف المتنازعة، حتى تتوج جهوده بحل يرضي كل الأطراف.

ويشير ديب إلى نجاح مركز التسوية في حل منازعة، كان المتنازعان فيها أوروبي وتاجر إماراتي، وبعد بدء التحقيق في التفاصيل المتشابكة، ارتفع عدد المتنازعين إلى 11 طرفاً من خلال 11 شركة، وبين جميعهم قضايا ونزاعات في محاكم الدولة، وكان المبلغ الذي تم تسويته في النزاع بلغ ما يقارب 25 مليون درهم، ما يعتبر مؤشراً قوياً على إسهام المركز في تنشيط ودعم الاقتصاد الإماراتي، من خلال ضخ هذه الأموال التي تعتبر مجمدة، لا يستطيع أحد الاستفادة منها في ظل وجود هذه النزاعات.

ويؤكد أنه قد اشترط عليهم للوصول إلى تسوية ترضي جميع الأطراف، أن يقوموا جميعاً بسحب كل القضايا والاتهامات المتبادلة في المحاكم أولاً، حتى يتمكن مكتب التسوية من البدء من خلال ثقة جميع الأطراف في بعض، وبالفعل، بعد مرور 7 أشهر استمر فيها النزاع، تمكن المكتب من فرض تسوية لكل الأطراف أرضتهم جميعاً، وتم تنفيذها.

الخبرة والصبر

ويوضح أن الخبرة لها دور كبير في نجاح المصلح في عمل التسويات، بالإضافة إلى تمتعه بالصبر والمثابرة على إقناع الجميع بإيجابية الحلول، وأنه من غير المفيد، الاستمرار في النزاع، لأن الأطراف كلها ستكون خاسرة، وبالتالي، يبدأ المتنازعون في مراجعة مواقفهم للوصول لحل سريع ومنصف لهم.

ويبين أن من واقع خبرته، اتضح له بعد إنجاز تسويات كثيرة، أن التسويات التي يكون أطرافها من جنسيات أوروبية، يميلون دائماً للحسم في اتخاذ قراراتهم، من خلال إطلاع المصلح على الحلول التي ترضيهم، ومع التفاوض، يتبين أنهم لا يحيدون عنها، ويصعب إقناعهم بالتنازل عن بعض المبالغ لإنجاح التسوية، على العكس من ذلك، يأتي المتنازعون ذوو الجنسيات العربية التي يكون التفاوض والتنازل من كل الأطراف سهلاً وإيجابياً، للوصول لحلول سريعة، وعلى النقيض من الحالتين، تتسم المنازعات التي يكون أطرافها من جنسيات آسيوية بالتردد الشديد في اتخاذ قرار أو التنازل عن بعض المبالغ هنا أو هناك، لكي تنجح عملية التسوية.

ويشير إلى أنه لا يعتبر ضخامة المبلغ المتنازع عليه عائقاً أمام التسوية، ففي كثير من الأحيان تكون القضايا ذات المبالغ الكبيرة سريعة الحل، وعلى العكس منها، تكون هناك صعوبة في تنفيذ تسويات تكون مبالغها صغيرة إلى حد ما.

اختصاصات

 

يختص مركز التسوية الودية للمنازعات في محاكم دبي، الذي افتتحه سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي رئيس المجلس القضائي بدبي، في فبراير 2011، ببحث عملية التسوية في المشاكل والمنازعات التجارية والمدنية والعقارية، بطريقة ودية، وتسوية المنازعات بشكل عادل بين الأطراف، وفق قوانين ولوائح قانونية تضمن الحقوق لكافة الأطراف، تحقيقاً لاستراتيجية إمارة دبي في عملية تسيير التقاضي، وتفعيل الحصول على طرق شرعية وفعالة لحل المنازعات ودياً، وذلك من خلال قانون أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، وهو القانون رقم (16) لسنة 2009، بإنشاء مركز التسوية الودية للمنازعات، ليختص بنظر المنازعات التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس المحاكم، وحلها ودياً عن طريق مختصين، وتحت إشراف قضائي، ويهدف ذلك القانون للتخفيف على المحاكم، والسرعة في نظر المنازعات، ومحاولة الإصلاح بين الخصوم، وفق آلية وإجراءات محددة وبسيطة بعيدة عن الإطالة والتعقيد.