«ليس المعاق معاق العقل والجسد.. إن المعاق معاق الفكر والخلق»، كلمات قليلة اصطفت إلى جانب بعضها لتبني هذه الحكمة الشعرية، وتختصر جملاً طويلة وكثيرة، يمكن أن تقال في حق الأشخاص، سواء الأسوياء منهم، أو من خالفهم، مثلما أنها تعزز القناعة والإيمان المطلق، بأن الإعاقة الحقيقية ناتجة عن تعطيل وعدم إعمال العقل والتفكير والإرادة والعقيدة، فكم من شخص يتحلى بلياقة عقلية وجسدية، لكنه معاق بأفكاره، مريض بسلوكه، فاقد للأخلاق والمنطق والصواب، وحسن المعاملة.

ولأن غمدان أحمد يحيى يؤمن بهذه الحكمة، والقاعدة التي تقيس «الوزن» الحقيقي لأفراد المجتمع، رسم لنفسه طريقاً التفافية، تجنبه الوقوع في شِرك تبعات وتداعيات إعاقته الذهنية، التي يحاول إعاقتها، وتعطيلها بكل ما أوتي من قوة، ويجابهها بالتعلم، والتدريب، والهوايات والمواهب، وممارسة حياته اليومية بشكل يقترب من الطبيعي، ويبتعد عن كل ما قد يقال عنه نتيجة إصابته بهذا المرض الذي ولد معه قبل سبعة عشر عاماً.

تعريفات علمية

ووفق التعريفات العلمية، فإن الإعاقة العقلية تشير إلى «وجود أداء عقلي عام أقل من المتوسط يرتبط بقصور في السلوك التكيفي، ويمكن ملاحظته أثناء فترة نمو الطفل الذي لم يصل إلى سن 16، كما ينص التعريف الإجرائي على أن المستوى الوظيفي للأداء العقلي في اختبارات الذكاء المعروفة والذي يقل عن الأداء المتوسط، بانحرافين سالبين، يصاحبه عدم القدرة على الاستجابة لمتطلبات الحياة الاجتماعية اليومية (السلوك التكيفي)، ويظهر خلال مراحل نمو الطفل من الولادة وحتى سن الثامنة عشرة».

وبالرغم من إصابة غمدان بهذا المرض، إلا أنه لا تبدو عليه أي علامات قد تشير إلى «تخلفه» العقلي، أو السلوكي، بل إن أي شخص يخالطه، لا ينتبه إلى إعاقته، ويشك في قرارة نفسه أنه معاق، ذلك أن إعاقته العقلية من النوع المتوسط، كما أنه يتحدث ويتصرف بطلاقة الواثق من نفسه، ومن قدراته، ومهاراته، خصوصاً بعد التحاقه بمركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة في دبي منذ العام 2010، وتلقه تأهيلاً من قبل المختصين، لتجاوز إعاقته، بأقل الأضرار والنتائج.

حنجرة قوية

كما أنه صاحب حنجرة قوية، وحادة، ولديه موهبة وألق في الإنشاد والغناء والخطابة وإلقاء الشعر، ويطمح رغم ظروفه الصحية، إلى أن يصبح نجماً في الكوميديا، والإنشاد الديني، ويقول إنه متأثر بالمنشد العالمي سامي يوسف، ويحلم بمجاراته، وشهرته، مشيراً إلى غنائه مع ميحد حمد وتامر حسني عندما زارا في مناسبتين منفردتين مركز راشد، والتقيا الأطفال، وشاركاهم بعض احتفالاتهم.

من جانبه، يقول محمد سلطان المشرف على تأهيل غمدان: إن «الأخير» يبدي تجاوباً كبيراً في العلاج والتدريب والتعلم، ويكاد يكون الأفضل بين زملائه المصابين بنفس المرض والإعاقة، في وقت لفت إلى تطور مهاراته في القراءة والكتابة، والرياضيات، والحاسوب، وحفظ بعض قصار السور من القرآن الكريم، إلى جانب تزايد فرص اندماجه في المجتمع بعد تليقه تأهيلاً نفسياً واجتماعياً وأكاديمياً ومهنياً.

ويضيف: «لدى غمدان مواهب متعددة، ومهارات عالية مقارنة بحالته الصحية، وقدراته العقلية تكاد تكون جيدة، مع أنه يعاني من ضعف الذاكرة، ولديه نقص في الكالسيوم يتسبب في بعض الأحيان في حالة من الدوخة والإغماء لديه، علماً أنه ربما كان بالإمكان علاجه في وقت مبكر لو تلقى رعاية واهتماماً كبيرين».