مبنى أبدع في بنائه عمال مهرة، زين بالزخارف والمنحوتات، وغرف ذات تناسق جميل، وغرف استعملت لأغراض مختلفة، لكن المبنى الذي يعود تاريخه إلى 1912، كان بداية لمرحلة التعليم في إمارة دبي، فقد شكل المبنى رمزاً تاريخياً وتراثياً، وأصبح اليوم يرسم لأجيال اليوم، مرحلة ربما استمرت أكثر من مئة عام، الزائر لهذا المبنى الكامن في منطقة الراس القديمة، يشاهد تاريخ وعراقة وبداية مراحل التعليم، والرواد الأوائل ممن صنعوا الحضارة وعلموا أجيالاً عدة، حيث كانوا في البداية طلاباً في هذا المبنى ثم أصبحوا معلمين فيه، يعلمون الأجيال التي أتت بعدهم كل معارف العلم من فقه وقرآن ورياضيات وجغرافية وغيره من المواد التعليمية، بأسلوب جديد وممنهج ومدروس، هذا المبنى العريق هو «المدرسة الأحمدية» التي أصبحت اليوم أحد أهم معالم دبي التاريخية، راصداً تاريخ التعليم في الإمارة بكل مراحلها القديمة والمتوسطة، فماذا عن هذه المدرسة الأسطورية التي تخرج منها الشيوخ والوزراء والكفاءات في مختلف مجالات الحياة.

 

 

 

انطلاقة تاريخية

في لقاء مع أمينة الغفاري المديرة الحالية لمبنى المدرسة الأحمدية قالت: تعد المدرسة الأحمدية من المدارس الأهلية التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ التعليم في إمارات الساحل، وإمارة دبي خصوصاً، إذ تعد أول مدرسة شبه نظامية في دبي، أنشئت عام 1912 على يد مؤسسها الشيخ أحمد بن دلموك، الذي توفي قبل أن يكمل بناءها، وتولى إكمال بنائها فيما بعد ابنه محمد بن أحمد بن دلموك، وقد أطلق عليها اسم مدرسة الأحمدية نسبة إلى والده، ومما نعرفه عن طلبة هذه المدرسة من خلال الوثائق الموجودة وتاريخ الرواد من المدرسين والمعلمين، نجد أن عدداً كبيراً من الطلاب تلقوا تعليمهم في المدرسة، بلغ عددهم نحو 300 طالب، وكان من أوائل من درس في المدرسة الأحمدية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وأشرف بن دلموك الابن الذي استقدم المدرسين من منطقة الأحساء في السعودية، منهم.

 

كما تشير المنسوخات والوثائق الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل مبارك وابناه عبدالله وعبداللطيف، إذ تولوا تدريس تعاليم الدين الإسلامي واللغة العربية، وغيرهم من المدرسين، وفي عام 1920 استقدم بن دلموك، نخبة من المدرسين من منطقة الزبير في العراق، منهم الشيخ عبدالله بن عبدالوهاب الوهيب، والشيخ أحمد العرفج، والشيخ ناصر المنصور، والشيخ يوسف الجامع، وكانت الدراسة في السنوات الأولى مجانية، وفي مراحل لاحقة كان أبناء الأغنياء يدفعون رسوماً رمزية تتراوح بين ثلاث روبيات وخمس روبيات، أما غير المقتدرين فكان الشيخ بن دلموك يسدد الرسوم عنهم.

 

 

تطور تدريجي

تابعت أمينة الغفاري قائلة: تتكون المدرسة من مبنى مربع الشكل يتوسطه فناء مكشوف، وتحيط به غرف من جميع الجوانب التي وظفت لأغراض عدة مثل غرفة تطور التعليم، وغرفة تاريخ المدرسة، والمكتبة، إضافة إلى غرفة النشاطات الاجتماعية، والصف التقليدي، وغرفة ترميم المدرسة، والغرفة العلوية، والصف المفتوح، والمطبخ.

 

ومرت المدرسة الأحمدية بثلاث مراحل لتشييدها، منها المرحلة الأولى في عام 1912 حيث تم تشييد الطابق الأرضي للمدرسة بطول 24 متراً وبعرض 22 متراً ويتوسطه فناء داخلي، حوله منطقة مظللة يطلق عليها «الليوان»، ثم تتوزع الغرف الدراسية البالغ عددها 11 غرفة دراسية، أما المرحلة الثانية فكانت في عام 1920 تم خلالها بناء الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، وتشييد غرفة لمبيت المدرسين، و«بارجيل» فوق غرفة المدرسين، إلا أنه هدم في منتصف الخمسينات، فيما تم تشييد المرحلة الثالثة في عام 1922، حيث أضيفت المناطق المظللة على كامل السطح، وحول غرفة المدرسين، نظراً لزيادة عدد الطلبة والمساحات المستخدمة في التدريس.