يشهد القطاع الطبي تطوراً مستمراً في مختلف التخصصات، فضلاً عن تطور أدوات تدريب طلبة الكليات الطبية، ومن ضمنها استخدام نظام المحاكاة السريرية وهو عبارة عن تأهيل الطلبة والمهنيين على علاج المرضى باستخدام دمى على هيئة الجسم البشري لها القدرة على التنفس والنظر إلى الطبيب المعالج.

ومع تطور مختلف قطاعات دولة الإمارات بما فيها القطاع الطبي، فتحت بعض المراكز أبوابها لتدريب كوادر متخصصة، وأبرزها مركز خلف الحبتور للمحاكاة الطبية في دبي، الذي يوفر هذا النوع من الدراسة التطبيقية من خلال التدريب الطبي بالمحاكاة السريرية عبر إعداد سيناريوهات لحالات طبية متعددة تحاكي الواقع من خلال دمى المحاكاة المشابهة للبشر إلى حد كبير، إذ إنها تتنفس ويوجد لديها نبض وعيون ترمش، كما تتواصل مع المتدربين عن طريق الكلام.

اختبار حالات

في لقاء مع إيان بالارد مدير تقنيات المحاكاة السريرية في المركز قال: إنهم تمكنوا من خلق ظروف سريرية تماثل الواقع، عبر إتاحة الفرص أمام المتدربين من اختبار حالات طبية قد تطرأ أو قد تحدث بالفعل في بيئة عملهم، ومن ثم تقييم أدائهم وكيفية معالجتهم للموقف، بما في ذلك مهاراتهم العملية ومقدرتهم على التواصل مع المرضى وطاقم الفريق الطبي الذي يعملون ضمنه.

وأشار بالارد إلى أن المركز نجح في تدريب أكثر من 800 فرد في مركز التدريب بالمحاكاة، والذين تراوحت مستوياتهم ما بين طلبة في مجالي الطب والتمريض، ومهنيين محترفين في مجال خدمات الرعاية الطبية، موضحاً أن المركز يوفر للعاملين في مجال الرعاية الطبية مساقات عامة عن الحالات الطبية الخاصة بمشكلات التنفس.

ومشكلات أخرى تتعلق بداء السكري وآلام الصدر والعناية المركزة والحالات الطارئة، إضافة إلى إعداد مساقات تدريبية خاصة للراغبين في الاستفادة من خدمات المركز لغايات تعليمية، سواء كانوا طلبة جامعات أو مختصين.

سلامة المرضى

وأضاف مدير تقنيات المحاكاة، إن نتائج الدراسات الحديثة، تشير إلى أن للتدريب بالمحاكاة نتائج إيجابية في تعزيز مستويات سلامة المرضى، حيث يتم نقل وتطبيق المهارات التي سبق التدرب عليها في مركز التدريب بالمحاكاة إلى غرفة العمليات وغيرها داخل المستشفيات.

وتؤكد جميع النقاشات القائمة حالياً حول سلامة المرضى، على أهمية التدريب بالمحاكاة ودوره في رفع مستويات سلامة المرضى، وذلك عبر التدرب على سيناريوهات محاكاة تشمل حالات طبية متعددة، والتي غالباً ما تسبق مرحلة التطبيق العملي من خلال العمل مباشرة مع المرضى، مؤكداً أنهم تطرقوا إلى ذكر حقائق مرادفة في مؤتمر الإمارات للمحاكاة السريرية مؤخراً، أبرزها توفير التدريب بالمحاكاة السريرية نحو 50% من الجهد، ومساهمته في تقليل الأخطاء الطبية.

وأردف قائلاً: بإمكان المحاكاة السريرية أن تهيئ الخريجين إلى الوصول إلى حالة من الثقة والاستقلالية في التعامل مع المريض وعائلته، إذ يعزز التدريب بالمحاكاة ثقة مقدمي خدمات الرعاية الطبية، ويوجد هنالك العديد من المقالات والأبحاث والدراسات حول هذا الأمر، كما يعزز هذا النوع من التدريب مستويات الثقة بشكل أكبر عند طلاب الطب والتمريض.

ونوه إلى أنه بعد أن يتعرّف المتدربون على دمى المحاكاة والأجهزة والمعدات المستخدمة في التدريب، تبدأ عمليات المحاكاة التي تتناسب مع المخرجات التعليمية المطلوبة من كل سيناريو، والتي تتراوح مدتها ما بين 10 دقائق إلى نصف ساعة، وبعد الانتهاء من الجلسة التدريبية، يُقيّم أداء المتدربين مباشرة، ويتم ذلك من خلال مجموعات وبشكل صريح، ومن ثم يفتح باب الحوار الذي قد تصل مدته إلى ضعف السيناريو التدريبي الأصلي.

مهارات التواصل

في لقاء مع الدكتور عامر الشريف المدير التنفيذي لقطاع التعليم في مدينة دبي الطبية، قال: إنه من ضمن الأمور التدريبية المفيدة التي يشملها التدريب بالمحاكاة، هو عملية التدريب على مهارات التواصل مثل إخطار أقرباء المرضى أو المرضى أنفسهم بأخبار سلبية، وذلك بواسطة تقنيات المحاكاة أو أشخاص يلعبون دور المرضى، وهو أمر مفيد جداً بالنسبة للطلبة والأفراد الملتحقين بمساقات تدريبية تختص بهذا الشأن.

وأوضح الشريف أن التعليم الطبي هو مسؤولية مشتركة، إذ إن مراكز التدريب بالمحاكاة مكلفة للغاية، وهي بحاجة إلى كادر مؤهل وقادر على توفير تجربة تدريبية مفيدة وفاعلة.

وبالتالي، لا بدّ من تضافر جهود الجامعات ومراكز الرعاية الطبية ومراكز التدريب بالمحاكاة المستقلة، بأن يعملوا سوياً، مشدداً على ضرورة افتتاح مراكز متخصصة في تدريب مهارات المحاكاة ضمن منطقة جغرافية معينة، نظراً لارتفاع مستوى الطلب.

وقال إنه في حال توفر التدريب بالمحاكاة للجميع، سواء من المهنيين أو طلبة الطب والتمريض، من خلال مركز واحد في المنطقة، فهذا من شأنه أن يضمن منح المتدربين نفس المعلومات والرسائل وطرق العناية الطبية، والتي ستصبح كمعيار على مستوى المنطقة ككل، مما سيرفع من مستوى خدمات الرعاية الطبية التي يتلقاها المرضى.

عمليات جراحية

وذكر أنه يتم تزويد المتدربين بمواد مكتوبة ليطّلعوا عليها قبل بدء المساقات التدريبية في مركز المحاكاة. وعقب تسجيل المتدربين في المساق باليوم الأول، يتم إجراء مراجعة سريعة للمواد المطبوعة التي حصلوا عليها من قبل، ومن ثم يرتدي المتدربون الزي المناسب للتدريب، كزي غرف العمليات الجراحية على سبيل المثال.

وبعد ذلك، يتعرف المتدربون على أجهزة المحاكاة التي سيستخدمونها خلال الجلسات التدريبية، ويتضمن ذلك الاستماع لأصوات تنفس ودقات قلب دمى المحاكاة، وتفقد نبضها ومجراها الهوائي، وغيرها من متطلبات المساق.

كما ينتهز المتدربون هذا الوقت ليعرفوا أنفسهم بالبيئة المحيطة بهم، بما في ذلك المعدات المتوفرة وأماكن تواجدها وآلية استخدامها في حال إن لم يقوموا باستخدام تلك المعدات من قبل. وقد تشمل هذه المعدات الآلات المستخدمة في تخدير المرضى، ومضخات الحقن الوريدي، وأجهزة تنظيم ضربات القلب.

ويتضمن التدريب تعريف المتدربين بآلية وضع المحاليل الوريدية وكيفية توصيلها بدمى المحاكاة، تماماً كما لو كان الأمر حقيقياً.

وأضاف: بشكل عام، تكمن القيمة التعليمية للتدريب في عملية إعطاء المتدربين موجز ما بعد التدريب، والذي يتم في بيئة غير عدوانية.

هذا ويعتمد عدد السيناريوهات بصورة رئيسية على عدد المتدربين المشاركين في المساق، مضيفاً إن كافة مساقات التدريب تعتبر جزءاً من برامج التعليم الطبي المستمر، وهي مصدقة من قبل مركز التخطيط والجودة للخدمات الطبية بسلطة مدينة دبي الطبية القطاع التنظيمي.

ثقة المتدربين

ولفت إلى أن مساقات التدريب بالمحاكاة نجحت في رفع مستويات معرفة وثقة المتدربين بالقضايا التي تناولتها المساقات. وكان لإعطاء موجز ما بعد السيناريو دور كبير في رفع مستوى التواصل، وسمح بإجراء محادثات حول تلك المواضيع، ليساهم في تطوير الكفاءات بسرعة عالية، مضيفاً إنه بعد الانتهاء من عقد كافة السيناريوهات التدريبية، تتاح الفرصة أمام المتدربين والجهات المنسقة للمساق.

لإعطاء آرائهم في التدريب، مؤكداً أن مدة المساقات تتراوح ما بين مساقات المهارات السريرية التي تمتد على مدار نصف يوم، إلى مساقات مدتها ثلاثة أيام لتدريب المدربين، والتي تُعنى بتأهيل المدربين بالمنهجيات المتبعة في التدريب بالمحاكاة.

وذكر المدير التنفيذي لقطاع التعليم في مدينة دبي الطبية، أن أهم الأهداف المستقبلية تتمحور حول توفير أكبر عدد من المساقات التدريبية التي تتنوع في اختصاصاتها، وتوسيع دور المركز في مجال التعليم على مستوى المنطقة، وتوظيف مؤتمر التدريب بالمحاكاة كمنصة نستعرض من خلالها أهمية التعليم بالمحاكاة لشريحة أكبر من الجماهير، وجار العمل والتنسيق مع جهات عدة لإدراج التدريب بالمحاكاة ضمن المناهج التعليمية في كليات الطب والعلوم الصحية والمستشفيات.

دراسة

هناك دراسات وأبحاث تدعم دور المحاكاة السريرية في تعزيز قطاع الرعاية الطبية حسب ما أوضح الدكتور عامر الشريف المدير التنفيذي لقطاع التعليم في مدينة دبي الطبية، إذ تشير دراسات عدّة إلى أن المهارات المكتسبة من خلال التدريب بالمحاكاة يمكن تطبيقها في الحياة العملية.

وأن التدريب ضمن فرق من شأنه أن يعود بالمنفعة على سلامة المرضى، كما تعزز بيئة المحاكاة من مستوى ثقة المتدربين بقدراتهم على التواصل فيما بينهم، وتسهم في تحسين درجة تعرف المتدربين على النتائج المعاكسة أو السلبية للتدابير الطبية المتخذة.