أكد الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي أن فضل ليلة النصف من شهر شعبان ورد فيها كثير من الأحاديث والآثار وعمل السلف والخلف، والفرحة والبهجة بها من غير إسراف.

وقال الدكتور الحداد  إن من هذه الأحاديث التي بينت فضل ليلة النصف من شعبان، ما أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان 12/481 وأحمد في مسنده 2/176، والترمذي في السنن 3/116 وغيرهم،  من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا المشرك أو المشاحن» وفي رواية أحمد: «أو قاتل نفس».

وأوضح الدكتور الحداد إنه ورد هذا الحديث بألفاظ متقاربة عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم منهم أبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبو بكر الصديق، وعوف بن مالك، وعائشة ، وأبو ثعلبة الخشني، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، ومنها ما جاء من رواية علي رضي الله عنه عند ابن ماجه في سننه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر».

وأضاف أن هذه الأحاديث وإن كان لا يخلو واحد منها من مقال، إلا أن بعضها يجبر ضعف بعض كما هي قاعدة أهل الحديث إذا كان ضعف الحديث منجبراً، فإنه يتقوى ولو بطريق واحد، فما الظن إذا كثرت الطرق، وتعددت الشواهد؟! فإن ذلك دليل على أن للمسألة أصلاً لا شك فيه.
وهذا ما ذهب إليه كثير من المحدثين ممن عنوا ببيان الأحاديث الواردة في هذه الليلة، فقد أفردوها بالتأليف، كما فعل الحافظ ابن الدبيثي ت سنة: 637هـ ، إذ أفرد أحاديث هذه الليلة في جزء، وهو مطبوع، وكذلك العلامة المحدث عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، فقد أفردها كذلك في مؤلف خاص سماه (حسن البيان في ليلة النصف من شعبان).

وقال إن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيحه 3/135 ـ 139 تكلم عن هذه الأحاديث كلاماً محققاً مستفيضاً، صدره بقوله: (حديث صحيح روى عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضاً) وأنهاه بقوله: «وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب، والصحة تثبت بأقل منها عدداً، مادامت سالمة من الضعف الشديد كما هو الشأن في هذا الحديث، ثم رد على الشيخ جمال الدين القاسمي قوله في كتابه: (إصلاح المساجد) عن أهل التعديل والتجريح إنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح، قال عنه: (فليس مما ينبغي الاعتماد عليه، ولئن كان أحد منهم أطلق مثل هذا القول، فإنما أتى من قبل التسرع وعدم وسع الجهد لتتبع الطرق على هذا النحو الذي بين يديك). ا هـ

هذا وقد كان السلف من التابعين يحيون هذه الليلة عملاً بما ورد فيها من أخبار وآثار فقد ذكر ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص 136 أن التابعين من أهل الشام كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم كانوا يعظمونها ويجتهدون في العبادة فيها.

وقال الدكتور الحداد إن محمد بن إسحاق الفاكهي مؤرخ مكة ت سنة:275 هـ  ذكر في كتابه.. تأريخ مكة 3/84 تحت عنوان (ذكر عمل أهل مكة ليلة النصف من شعبان) أن أهل مكة فيما مضى إلى اليوم ـ يعني يوم تأليفه قبل اثني عشر قرناً ـ إذا كان ليلة النصف من شعبان خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد فصلوا وطافوا وأحيوا ليلتهم بالقراءة في المسجد الحرام حتى يختموا القرآن كله.. قلت وما زال عمل أهل مكة، ومن جاورهم من أهل الحجاز على ذلك النحو إلى اليوم كما شهدته خلال عشرين سنة من مجاورتي بمكة المكرمة، وهذا يرد على ما ذكره ابن رجب الحنبلي في لطائفه من أن أكثر علماء الحجاز أنكروا ذلك.

ومعلوم أن أهل الشام أو أهل مكة في تلك القرون كانوا من أهل القرون المفضلة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم...» كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه. فإنهم إنما فعلوا ذلك تأسياً بمن أدركوا من قبلهم من صحابة وتابعين، ولم تكن البدع قد فشت، ولا البعد عن الله تعالى قد كثر.

ثم توارث الناس ذلك العمل عنهم في سائر الأزمان والبلدان، على أن أصل هذا العمل مشروع قطعاً؛ لأنه ذكر الله تعالى في هذه الليلة، فهو من جنس ما شرع الحق سبحانه وتعالى .. فإن ذكر الله تعالى مطلوب في كل وقت، والصلاة خير موضوع، والصيام في شعبان من أجل الأعمال تأسياً بالنبي صلى الله عليه و سلم  الذي كان يكثر الصيام في شعبان مالا يكثر في غيره كما هو ثابت مشهور.

لذلك فإذا رأينا عمل الناس مجتمعاً على مثل هذا لا ينبغي بل لا يجوز الإنكار عليهم، لأنه إنما ينكر المجمع عليه لا المختلف فيه. هذا إذا كان هناك خلاف وجيه وإلا: فليس كل خلاف جاء معتبراً     إلا خلاف له حظ من النَّضر

وقال الدكتور الحداد: إن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى قد تكلم في الفتاوى 23/132ـ 133 عن هذه المسألة فقال: (وأما ليلة النصف من شعبان فقد روي في فضلها أحاديث وآثار، ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها، فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيها سلف، وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا. وأما الصلاة فيها جماعة فهذا مبني على قاعدة عامة في الاجتماع على الطاعات والعبادات) ثم ذكر أنها نوعان: أحدهما: سنة راتبة إما واجب وإما مستحب.

والثاني: ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل على قراءة قرآن أو ذكر الله أو دعاء قال: فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة ـ إلى أن قال: فلو أن قوماً اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره، لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ا هـ.

فهذا كلام علم وإنصاف، ممن هو معروف بشدته على البدع و أهلها، لو أنه رأى في ذلك ما يكره وما ينكر، ينبغي لطالب العلم أن يطلع عليه ليقف عند الحق، ولا تحمله المكابرة على ضرب النصوص عرض الحائط لكونها لا توافق هواه .

وأوضح الحداد أن الفقهاء من المذاهب  الأربعة – مذاهب أهل السنة والجماعة – فإنهم قد عنوا بذكرها  وما ينبغي أن يكون فيها من العبادة وما يكره، بما يطول ذكره، ولا بأس بذكر شيء من ذلك على سبيل الاستشهاد، ومن أراد المزيد فعليه بكتب مذهبه أو مذاهبهم، ومن ذلك ما ذكره  العلامة حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي (المتوفى: 1069هـ)  صاحب مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: 151) فقال : و" ندب إحياء " ليلة النصف من شعبان" لأنها تكفر ذنوب السنة والليلة الجمعة تكفر ذنوب الأسبوع وليلة القدر تكفر ذنوب العمر؛ ولأنها تقدر فيها الأرزاق والآجال والإغناء والإفقار والإعزاز والإذلال والإحياء والإماتة وعدد الحاج وفيها يسح الله تعالى الخير سحا. اهـ،

وقال في نور الإيضاح ونجاة الأرواح (ص: 80) : ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد. وهذا الكتابان عمدتا الفقه الحنفي من المختصرات

وأيد كلامه ابن عابدين الشامي  في الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (2/ 25) فقال:  وقد بسط الشرنبلالي في الإمداد ما جاء في فضل هذه الليالي كلها فراجعه. اهـ

وللمالكية كلام كثير في ذلك من أحسنه كلام ابن الحاج (المتوفى: 737هـ) في كتابه المدخل   (1/ 299) - وهو من أشد الناس إنكارا للبدع - فقد بسط القول في هذه الليلة ومما قاله في شأن هذه الليلة : ليلة مباركة عظيمة القدر عند الله تعالى قال الله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] ، وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم هل هي هذه الليلة، أو ليلة القدر على قولين. المشهور منهما أنها ليلة القدر ، قال : وبالجملة فهذه الليلة، وإن لم تكن ليلة القدر فلها فضل عظيم وخير جسيم وكان السلف - رضي الله عنهم - يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد علم من احترامهم للشعائر على ما تقدم ذكره هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة . اهـ

ولكن المالكية كغيرهم كرهوا الاجتماع لها في المساجد ونحوها كما في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/ 74) فقد قال: لا يختلف المذهب في كراهة الجمع ليلة النصف من شعبان وليلة عاشوراء وينبغي للأئمة المنع منه انتهى.

وفي  شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 12) وأما صلاة المنفرد فلا كراهة فيه في أي مكان كان ، وللشافعية كلام نحو ذلك فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه الأم (1/ 264): وبلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليال في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان . اهـ ونقل الإمام النووي رحمه الله في المجموع  (5/ 43) كلام الشافعي  وقال: واستحب الشافعي والأصحاب الإحياء المذكور مع أن الحديث ضعيف؛ لما سبق في أول الكتاب أن أحاديث الفضائل يتسامح فيها ويعمل على وفق ضعيفها.  ثم قال: والصحيح أن فضيلة هذا الإحياء لا تحصل إلا بمعظم الليل وقيل تحصل بساعة. اهـ

بل زاد الشافعية ذكر ما جرت به العادة من الفرح بها وقالوا إن ذلك مما يقضى به للزوجة كما في حاشية البجيرمي على شرح المنهج  (4/ 108) فقال في بيان ما تستحقه الزوجة من النفقة: وما جرت به العادة من الفاكهة إذا كانت تزيد على الأدم تجب مع الأدم، وكذا ما اعتيد من الكعك، والنقل، والسمك في العيد الصغير، والحلوى ليلة النصف من شعبان، وما يفعل يوم عاشوراء من الحبوب، والحلوى على ما يليق به. اهـ

مع أن الشافعية كانوا أشد المذاهب إنكارا لما يجري فيها من المخالفات من إيقاد الشموع إلى الفجر كما في حاشية الجمل شرح منهج الطلاب (1/ 489) فقال: ومن البدع ما يفعل في كثير من البلدان من إيقاد القناديل الكثيرة السرف في ليال معروفة من السنة كليلة النصف من شعبان ويحصل بسبب ذلك مفاسد كثيرة منها مضاهاة المجوس في الاعتناء بالنار ومنها إضاعة المال في غير وجه الحل ومنها ما يترتب على ذلك من اجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم وامتهانهم المساجد وانتهاك حرمتها وحصول الأوساخ فيها وغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي يجب صيانة المسجد عن أفرادها.

كما رأوا أن ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تأويل قول الله تعالى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} من أنها ليلة النصف من شعبان، ورأوا أن هذا لقول شاذ، وأن الصواب والمحفوظ أنها ليلة القدر.

وقال الحداد: للسادة الحنابلة كلام طويل في هذه المسألة، و قد كانوا أكثر المذاهب تساهلا فيها ، ففي المبدع في شرح المقنع (3/ 57)  لا بن مفلح (المتوفى: 884هـ) نقل  قول  ابن عباس رضي الله تعالى عنه: يقضي الله الأقضية ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر. و نحوه في  كشاف القناع عن متن الإقناع  (2/ 344)للبهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)

وفي الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل(1/ 154) للحجاوي المقدسي  (المتوفى: 968هـ) قال: وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان في السلف من يصلي فيها لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة اهـ، وينقلون كلام ابن رجب في لطائف المعارف المتقدم ذكره من غير نكير.
وفي الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 118) ويسن قيام الليل وافتتاحه بركعتين خفيفتين ووقته من الغروب إلى طلوع  الفجر، ولا يقومه كله إلا ليلة عيد ويتوجه ليلة النصف من شعبان.

وهكذا ترى أن فقهاء الإسلام ندبوا العمل بما ورد في فضل هذه الليلة من غير ابتداع، وكان ذلك مع تسليم أكثرهم بضعف الأحاديث التي وردت فيها، عملا بأصلهم بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إذا لم يشتد ضعفه وكان مندرجا تحت أصل عام ولم يعتقد عند العمل به ثبوته،  وقد علمنا أن هذا الضعف غير مسلم عند المتأخرين، بل ارتقت بمجموعها إلى الصحة فضلا عن الحسن، كما بينه الشيخ الألباني وهو عمدة المتأخرين لاسيما أهل التشدد.

فينبغي إذاً حث الناس على الطاعة لا تنفيرهم منها، فكثير من الأمة اليوم بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم لما يقربهم من مولاهم ، فمشاغل الحياة ألهتهم وأبعدتهم عن كثير من القربات.

وقد ذكر ابن حجر الهيتمي الفقيه في تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (3/ 453) تعليقا على حديث أسامة بن زيد ، قال : قلت : يا رسول الله ، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان ، قال : " ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" فقال : تعرض في ليلة نصف شعبان وفي ليلة القدر ، فالأول عرض إجمالي باعتبار الأسبوع،  وأعمال العام إجمالا ليلة النصف من شعبان وليلة القدر ، وأما عرضها تفصيلا فبرفع الملائكة لها بالليل مرة وبالنهار مرة.