عرفت الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، بالعلاقة المميزة، التي جمعت الخيل والجمل، والصحراء والإنسان، بل لم تكن هذه الرابطة، مجرد وسيلة ركوب ينتقل بها المسافر، أو يركبها المقاتل للقتال، بل هي علاقة امتزجت بالحب والصداقة والوفاء، ربطت بينهم على مدى القرون، فاهتم الرجل البدوي بتربية حصانه، والتحف معه الخيمة نفسها، وشاركه طعامه، وتجسدت العلاقة بينهما إلى أقرب ما يكونا صديقين..

وكذلك الحال مع الجمل والناقة، فكانا لكل منهما وظيفته، الجمل للسفر والترحال ونقل المتاع، والناقة يشرب من حليبها وتكثر من الجمال، فالتراث العربي غني جداً، ويحمل لنا الكثير من الدلالات والنماذج، التي تبين مكانة الخيل والجمل مع الإنسان العربي، ودولة الإمارات مثلها مثل بقية الدول، كان الإنسان فيها يتعامل مع الخيل والجمال، بكثير من العاطفة والرعاية، حتى أصبح لها مكانة خاصة في نفوس أبناء الإمارات..

فاهتموا بالسلالات وأقاموا لها الحظائر والعيادات البيطرية، إلى أن كبرت هذه الرعاية وهذا الاهتمام، بإنشاء المتاحف الخاصة للجمال والخيل، وهذا دليل آخر على قوة هذه العلاقة بين الإنسان وبين الحيوان، ولإبراز دور هذين المتحفين الواقعين في منطقة الشندغة التراثية، كانت هذه الجولات مع القائمين عليهما والمرشدين المدربين والملمين بتاريخ الخيل والجمال.

الخيل والإنسان

تقول سميرة يوسف التنّاك، تنفيذية رئيسة- متاحف:، تحافظ إمارة دبي، على التراث الحضاري والتاريخي، من خلال إقامة متاحف متنوعة، شكلت الحياة القديمة للمجتمع بعاداته وتقاليده ومسكنه، كما كانت علاقة الإنسان مع الخيل علاقة أبدية، ولذلك أنشئ متحف الخيل في منطقة الشندغة بالقرب من بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، الذي يشكل وجوده ومعلوماته الغنية عن حياة الخيل، وتاريخها في العالم وفي الإمارات تحديداً..

إضافةً تحسب لدبي ولمكانتها الاستراتيجية ومخزونها الثقافي والتراثي، وشيد متحف الخيل، في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث استخدم منزلاً للمغفور لها الشيخة موزة بنت سعيد آل مكتوم، وتبلغ مساحة المبنى 698 متراً مربعاً وبارتفاع 5.85 م، ويتكون من طابقين..

حيث تتوزع فيه معظم الغرف، حول فناء داخلي «الحوش» وطابق علوي يحتوي على غرفة واحدة، وللمبنى مدخلان أحدهما شرقي والآخر جنوبي، يمكن للسائح أن يتعرف على أهم عناصر المتحف الذي يتضمن تاريخ الخيل، صفات الخيل، وطرق العناية بها، الخيل والعرب، الخيل في الأدب العربي، الخيل في الإمارات، سباقات الخيول، أدوات الخيل، كما أن الخيل يمثل جزءاً من التراث العربي والإسلامي..

واهتم العرب بأصولها وسلالاتها وتاريخها وأسمائها، وكانوا يتسابقون لاقتناء الجياد الأصيلة، ويأتي إنشاء هذا المتحف في دبي، ليجسد الاهتمام الذي أولاه العرب وأهل الإمارات للخيل، حيث كان يستخدم في التنقل والترحال، وهو جزء من تراث هذه المنطقة.

مكونات المتحف

وتضيف قائلة: يضم المتحف 13 غرفة وجميعها مخصصة للخيل، تحوي الغرفة الأولى معلومات قيمة عن تاريخ الخيول، وغرفة مخصصة لسلالات الخيل، تحتوي على معلومات تتضمن السلالات الأفريقية والاسكندنافية، وسلالات الخيل العربية، والسلالات الإقليمية و الأوروبية والأميركية، وفي غرفة مجاورة تتضمن أصول سلالات الخيل، وقصة أول خيل عربية، إضافة إلى علاقة الإنسان بالخيل، وألوانها وسبب البياض في جبهتها.

ويرى بعض المؤرخين، أن أصول الخيول عربية وانقسمت إلى سلالات عالمية عدة، منها الإفريقية والاسكندنافية والأوروبية والأميركية، وتعرف السلالة الأفريقية من الخيول باسم بربري، وهو جنس عربي الأصل، ساعد على تكوين أجناس أخرى، وألوانه الأسود والرصاصي والبُنّي، والسويدي ودمه ساخن وهو مهجن..

حيث يستخدم في الركوب والسباق وفي سلاح الفرسان، ومن السلالات الأوروبية، الإنجليزي الذي يعتبر خليطاً من الجنسين العربي والإنجليزي، ويمتاز بصدر واسع وظهر ضيق وأفخاذ خفيفة، ويوصف بالرشاقة والنشاط والاندفاع والذكاء والوداعة.

الخيل الحجازية

وبالحديث عن السلالات الأفريقية، صنفت الخيول العربية قديماً حسب البيئة التي عاشت فيها، إذ هناك الخيل الحجازية، وهي ذات أحداق سوداء جميلة، وحوافر صلبة وأرساغ متينة، وتوجد النجدية وهي طويلة الأعناق، مكورة الهامة، عجفاء الوجه وقليلة لحم الفخذ، دقيقة الآذان عريضة الأرداف رحبة البطون غليظة الأفخاذ، وهناك الخيول اليمنية..

وهي مكورة الأبدان وقصيرة الأعناق، خشنة القوام وحادة الأرداف وخفيفة الجوانب، وتوجد الشامية، وهي جميلة الألوان وواسعة العينين، صلعاء الجبهة ولينة الحوافر، متسعة الأشداق، والخيول المصرية صفاتها طويلة الأعناق، حادة الآذان وقليلة الشعر، دقيقة القوائم وطويلة الأصابع، في حين شكل الخيول البرقية نسبةً إلى ليبيا الآن، خشنة البدن وكبيرة الرأس، غليظة القوائم، متسعة الحوافر، وأما المغربية فهي عظيمة الأعناق وشعر ذيلها طويل وغليظة القوائم.

7 آلاف عام

يعود تاريخ سلالة الخيول العربية إلى أكثر من 7 آلاف عام، حسب ما ذكره بعض المؤرخين، حيث اهتم العرب بخيولهم وحرصوا كل الحرص على ألا تختلط دماؤها بدماء غيرها من الخيول المهجنة، وحافظوا على أنسابها، ويجمع معظم فرسان الخيل في البادية العربية، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على أن سلالات الخيول العالية الأصل تنسب إلى خمسة أصول أساسية هي، (كحيلة) وجاء اسمها من سواد العينين..

 وهناك خيل (عبية)، واسمها جاء من حفظ عباءة راكبها، إضافة إلى خيل (دهمة)، التي تميز من قتامة لونها، و(شويمة)، التي تبين وجود شامات عليها، و(صقلاوية)، التي جاء اسمها من صقالة شعرها، والزائر للمتحف يلاحظ وجود المعلومات التعريفية عن الخيل، باللغتين العربية والإنجليزية، والسياح على سبيل المثال، يرتادون مثل هذه المتاحف للاطلاع على الثقافة والموروث المحلي والعربي الإسلامي.

بيت الهجن.. ابحار في العلاقة بين سفينة الصحراء والإنسان

عندما تتجه نحو نفق الشندغة، على طول خور دبي، وامتداداً لشارع الخليج من جهة الشرق، تجد منطقة الشندغة التاريخية النابضة بالبيوت الثقافية والتراثية، تنشر بين مساحاتها مواقع تراثية عديدة، كلها تحمل ملامح الحياة القديمة، التي كان يعيشها الحاكم والمجتمع، ومن هذه المعالم التراثية بيت الهجن، أو ما يمكن تسميته «متحف الإبل»، الملاصق تماماً لبيت الخيل..

والمقابل لبيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وأثناء التجول في المتحف، قالت المرشدة مريم سلطان، إن بيت الهجن بني في أربعينيات القرن الماضي، وكان يسمى بيت الركاب، وتعود ملكيته وقتها للمغفور له، بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وتبلغ مساحة البيت 664 متراً مربعاً، ويتكون من طابق واحد، وارتفاع يقارب أربعة أمتار ونصف المتر، وفي وسط المبنى فناء، وللمبنى مدخلان، الأول يقع في الجهة الغربية، والثاني في الجهة الشرقية، وتتميز غرف المتحف باستطالتها، ويضم ثماني غرف.

معلومات

تقول كليثم إبراهيم البدواوي، تنفيذية رئيسة- متاحف: في متحف الإبل كل ما يتعلق بالجمل، توزعت عبر غرف ممتدة وموزعة ومتوافقة مع الطبيعة المستطيلة للمبنى، وعلى اليمين مباشرة، تقع الغرفة الأولى المتعلقة بتاريخ الإبل، ثم غرفة تحوي حقائق عن الإبل، والغرفة الثالثة خصصت لسباقات الهجن، في حين تضم الغرفة الرابعة معلومات عن جسم الجمل..

وفي الخامسة مجسم تشريحي لجسم الجمل، وغرفة لفوائد الإبل، وأخرى تحاكي سباق الهجن، في حين تحوي الغرفة الثامنة معلومات كاملة عن حياة الجمل، وبمعنى آخر، إن المتحف شمل كل المعلومات الخاصة بالإبل، إلى جانب العلاقة التي كانت ولا تزال بين الإنسان وبينه..

وتكمن أهمية الإبل عند العرب، باعتبارها عنوان الرفعة والمنعة والجاه، ومنها كانوا يحصلون على اللحم والحليب والكساء، كما اعتبرت وسيلةً مهمة للتنقل ودفع مهر العروس، ومنها أيضاً كانت تدفع دية لأولياء القتيل، إذاً استعمل الجمل لأكثر من وسيلة، وقدم منها السلالات الأصيلة هدايا للملوك، كما كانت تدفع جزية للمنتصر، منذ عهد المملكة الآشورية عام 1200 قبل الميلاد، وكان العرب الأوائل يستخدمون الجمال في حلّهم وترحالهم، واستخدم البعض منها، في توصيل البريد وحماية الحدود، وهو ما عرف باسم شرطة الهجانة.

مزايا الجمل

أما في جزيرة العرب فقد عرفت الإبل منذ ستة ألاف عام، ومن مزايا الجمل التي لا يعرفها الكثير، أن الله سبحانه وتعالى خلق رأسه بهذا الصغر، حتى يصبح قادراً على مقاومة الرياح والأعاصير، فالشفة العليا مشقوقة لتساعده على أكل الأشواك، ويغطيها شعر كثيف، والشفة السفلى متدلية، حيث يستمر الجمل في تحريك فمه مفرزاً اللعاب، ويجتر باستمرار حتى يحافظ على رطوبة فهمه، وبالنسبة إلى جهازه الهضمي..

فإن جسم الجمل يتميز بتركيب تشريحي وعضوي يساعده على التأقلم مع العديد من المواد الغذائية الخشنة، حيث يتكون الجهاز الهضمي في الإبل منأجزاء عدة تبدأ بالفم، إذاً الجمل له سجل طويل مع الإنسان، عبر آلاف السنين، حين لم تكن الوسائل متوفرة، كما هو قائم اليوم، فالوسائل الحديثة توفرت، لكن الجمل ظل حاضراً، في السباقات وفي المزارع ومازال محل اهتمام الإنسان، الذي يحافظ على السلالة الأصلية للجمل، وهناك من يقوم بتربيتها، والاستفادة منها ثروة حيوانية.

الخيول والجمال في الإمارات منذ الألف الثالثة قبل الميلاد

 علاقة الإنسان مع الجمل والخيل، علاقة أزلية توطدت منذ آلاف السنين، ويؤكد ذلك الاكتشافات التي عثر عليها، في منطقة كلباء بإمارة الشارقة عام 1993، وعثر على آنية فخارية تحمل رسوماً لعدد من صور الإبل تعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، أيضاً كشفت الحفريات والتنقيبات الأثرية في واحات العين ومنطقة مليحة في إمارة الشارقة، عن وجود نقوش وتماثيل للإبل ترجع إلى نحو 2500 سنة قبل الميلاد..

وفي منطقة مليحة بالشارقة اكتشفت في العام 1994 مقبرة ضمت هياكل لخيول وجمال تعود إلى القرن الأول الميلادي، ومنها الجمل ذو السنامين، وتدل الحفريات والتنقيبات الأثرية، إلى وجود الخيل في أرض الإمارات قديماً، كما توجد في جزيرة العرب، وهي تشكل امتداداً للحضارة والثقافة العربية والإسلامية، وفي عام 1979 عثر العالم بيتر وايبرو المختص بالعصر البليوسيني..

والذي عمل في متحف التاريخ الطبيعي في العاصمة البريطانية لندن، على آثار لأسنان خيل في الصخور الرملية قرب جبل الظنة في إمارة أبوظبي، وفي موقع مليحة جنوب منطقة الذيد في إمارة الشارقة، عثر المنقبون على مقبرة كبيرة تضم خيولاً وجمالاً دفنت بجوار أصحابها، كجزء من معتقدات دينية في تلك الحقبة، كما تم العثور على جمل وحصان دفنا إلى جانب بعضهما البعض..

إضافة إلى رأس حصان مدفون بكامل لجامها، المؤلف من حلقات معدنية مزينة بعشرة أقراص ذهبية مزخرفة، وتزخر الغرفة الخاصة بتاريخ الإبل في المتحف، بجميع المعلومات المتعلقة ببداية ظهور الجمل، ذلك أن الحفريات كشفت في مصر والصحراء الكبرى في شمال إفريقيا، وأكدت وجود الإبل في فترة 8000 سنة قبل الميلاد، في حين أظهرت الدراسات أن سكان الجزيرة العربية عرفوا الإبل منذ 3500 سنة قبل الميلاد، وفي منطقة حضرموت كان أول استئناس للجمل منذ 3000 سنة قبل الميلاد.