هديته لي كانت طفاية سجائر في جوفها صورة لرئة مدخن ملونة بالسواد مكتوب عليها «اقلبها لترى الفرق»، وعلى الجهة المقابلة صورة لرئة شخص غير مدخن، ومن الصورتين الفرق واضح والمغزى صريح، وهو التنفير من التدخين قدر المستطاع. تلك واحدة من أدوات «أبو آمنة» محارب التدخين، التي يبتكرها ويصممها ذاتياً، ليتواصل بها مع من يصادفهم من المدخنين، إضافة إلى الولاعة المزودة بصور مماثلة، والكتيبات الكثيرة التي بحوزته، وأهم من ذلك الرسائل النصية القصيرة التي يبثها عبر الأثير ضد التدخين وحباً في المدخنين.

لأن اليوم بالتحديد؛ يصادف اليوم العالمي لمحاربة التدخين، لم نجد أفضل من «أبو آمنة» نجم الإذاعات المحلية الساطع في فضاء محاربة التدخين، الممتد من «الشارقة إلى نور دبي حتى أبوظبي للقرآن وصولاً إلى الرابعة في عجمان». رسائله المحفزة على الإقلاع عن التدخين لا يبهت صداها كل صباح أو مساء، وأدواته الكلمة والنصح والهدية الهادفة إن تطلب الأمر، أما دافعه فينبع من حس الحرص الإنساني الذي يكنّه في داخله لكل من وقع ضحية هذا البلاء «التدخين».

ضابط شرطة

أبو آمنة هو أحمد حاجي السركال من إمارة الشارقة، خريج جامعة الإمارات عام 1990 بتخصص العلوم «أحياء وكيمياء»، وهو ضابط في شرطة الشارقة، يسمعه ويعرفه كثيرون من اسمه وصوته اللذين يتكررا إذاعياً، ومن سعيه الدؤوب منذ سنوات في محاربة التدخين على كل الجبهات؛ الإعلامية والصحية والاجتماعية والوقائية.

لم يدخن يوماً ولم يقبل صداقة مدخن أو حتى موظفاً في قسمه من المدخنين، وحكايته مع محاربة التدخين تعود إلى العام 1987 حينما كان في دورة في مدينة «بورتسموث» البريطانية، وكانت معلمة اللغة، وهي خمسينية في عمرها، تدخن بشراهة، فبدأ معها سلسلته الفطرية في النصح والإقناع بالابتعاد عن التدخين، مختتماً الدورة بتقديم هدية لها عبارة عن «ولاعة» عليها صورة رئة مدخن وجملة «توقف عن التدخين»، فكان المشهد مؤثراً على الطرفين، عليها وعليه أيضاً.

رسائل الصباح

ذلك الموقف حفر في داخله إصراراً أكبر على مواصلة نهج التأثير على المدخنين، بشكل شبه يومي وقبل أن يتجه إلى عمله، يجهز أبو آمنه سلاحه «رسائله النصية» ويرسلها إلى جبهات إذاعية، محارباً بكلماته الرشيقة المعهودة سلوكاً مضراً، وساعياً إلى إقناع المزيد بالتفكير في حياتهم قبل فوات الأوان، فكل رسائله تُختتم بجملة «فكر وقرر فبيدك القرار»، وقد أرسل منها المئات إن لم يكن الآلاف التي يخاطب بها عقول وقلوب المدخنين صباح مساء، منذ نحو 7 سنوات.

يؤكد أبو آمنة الذي أبدى في البداية رفضاً لفكرة الظهور في وسائل الإعلام، أنه لا يريد أي هدف شخصي أو مادي، ولا يجني لنفسه أي مصلحة ذاتية من وراء سلوكه الصحي والاجتماعي الذي ارتضاه في حقل محاربة التدخين، أما إصراره فنابع من همٍّ إنساني وحس بشري تجاه الشباب والأقارب والأصدقاء والجيران وجميع من يتخذ التدخين عادة.

منع الشيشة

ويضيف: ذات يوم كنت في طريقي من أبوظبي إلى الشارقة، فسمعت عبر الإذاعة خبر منع تدخين الشيشة في مقاهي الشارقة، ربما أن هذا الخبر أزعج الكثيرين، لكنه أبهجني كثيراً، لدرجة أن أوقفت سيارتي على جانب الطريق، وأمسكت الهاتف وتحدثت عبر الإذاعة فوراً مهنئاً وملقياً أبياتاً من الشعر المنفرة من التدخين ابتهاجاً بهذه المناسبة.

ويقول أبو آمنة إن الأمهات غالباً يتواصلن معه، طالبات النصح والإرشاد لمساعدتهن في حض أبنائهن على ترك التدخين، وحينما يتلاشى صوت أبو آمنة وتتوقف رسائله النصية الإذاعية، لظروف الإجازة أو السفر، تأتيه الاستفسارات والاتصالات من كثيرين، لاسيما الأمهات كبيرات السن، اللواتي يطربن على سماع وجهة نظر أبو آمنة المتكررة والمتجددة ضد التدخين.

محارب شجاع

ويشارك أبو آمنة بصفة متكررة في عدد من المؤتمرات واللقاءات التوعوية في فعاليات صحية واجتماعية ضد التدخين، كما ويعكف على تجميع رسائله النصية الكثيرة التي عُرف منها محارباً شجاعاً ضد التدخين، في كتيب مفعم بكلمات صادقة ومؤثرة، يضعه بين أيدي المدخنين وسواهم، علهم يتأثرون.

يختتم أحمد السركال أبو آمنة: قبل أن تأخذ سيجارة وتشعلها لتنفث سمومها في جسدك؛ توقف قليلاً واسأل نفسك: هل تبدأ باسم الله، وحين تنتهي منها هل تحمد الله، وحين تريد التخلص منها فإنك تدوسها تحت قدمك، فانظر أيها المدخن ماذا تصنع بنفسك!

مواقف وطرائف

 

- أيام الدراسة، أجاب أحمد السركال عن سؤال في مسابقة جامعية، فكسب هدية في علبة مغلقة، وعندما عاد إلى السكن فتحها فوجدها طفاية سجائر كبيرة وأنيقة!

- سافر أبو آمنة في مهمة مع زميله المدخن، الذي طلب منه مساعدته على ترك التدخين، فأخذ السركال منه السجائر وصار يعطيه بعضها بالتقسيط والتقليل التدريجي، وبعد 40 يوماً توقف زميله عن التدخين نهائياً.

- في القصباء رأى أبو آمنة أماً تدخن وفي حضنها طفل يتهاوى عليه رماد سيجارتها، فطلب من زوجته مرافقته لينصح السيدة وينهاها عن تكرار موقفها، التي بدت عليها ملامح التأثر والندم والخجل.

- في أحد المؤتمرات التي كان يشارك فيها أبو آمنة متحدثاً ضد التدخين، وبينما كان يقف في الخارج، سأله أحد الإعلاميين الذي لم يكن يعرفه: هل تدخن؟

 أجاب: لا، فرد الإعلامي: »يعني أنت من أتباع أبو آمنة«.

- أحد المستمعين أرسل رسالة نصية إلى إذاعة الشارقة يقول فيها إن رسائل أبو آمنة المحرضة ضد التدخين أقنعته وأجبرته على ترك التدخين إلى غير رجعة.