بدأت وزارة الشؤون الاجتماعية تنفيذ عدد من المبادرات بهدف تعزيز التلاحم بين الجيران بعضهم بعضاً، ونشر وزيادة مساحة التقدير والاحترام والمساواة بين أفراد الأسرة والمتمثلة في الأب والأم والجد والجدة والأبناء والأقارب.

وتعزو إدارة التنمية الأسرية بوزارة الشؤون الاجتماعية طرح مبادرة توطيد العلاقة بين الأسر وبين جيرانها، إلى الفجوة التي حدثت في العلاقات الاجتماعية والتواصل بينهما، على عكس ما كان موجوداً في الماضي القريب من مودة وتراحم وتزاور.

وأشارت فوزية طارش مدير إدارة التنمية الأسرية بوزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن زحمة الحياة ونظام المعيشة ووسائل التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، أدت إلى فجوات كثيرة سواء بين أفراد الأسرة بعضهم بعضاً، أو بين الأسر وبين الجيران، والتي باعدت بينهم طبيعة الحياة ومشاغلها، وما جد فيها من أمور أثرت سلباً على هذه العلاقات.

وقالت طارش، إن ما ينطبق على الجيران ينطبق على أفراد الأسرة من الآباء والأمهات والأولاد، الذين انشغلوا بالأعمال وبوسائل التواصل الاجتماعي، والأصدقاء ومحلات الوجبات السريعة، التي يسارعون إلى تناول وجباتهم فيها، أكثر من تـــناولهم للوجبات المنزلية، التي تجمع أفراد الأسرة على طاولة واحدة، مما يعزز من التـــقارب والتلاحم.

فجوة اجتماعية

وتقول ناعمة الشامسي رئيس قسم التلاحم الأسري بإدارة التنمية الأسرية بهيئة تنمية المجتمع بدبي إن الفجوة بين الجيران زادت بشكل لافت للنظر، وباتت تشكل ظاهرة أو مشكلة، يجب التعاون على حلها بشكل كبير وخاصة أن نظام الحياة الحديثة يزداد تعقيداً، والوسائل الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي كانت من أسباب انقطاع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى انشغال الناس بالأعمال وانكفائهم على ذاتهم، وانتهاء البساطة وظهور التكلف الذي أصاب قطاعاً كبيراً من المواطنين والمقيمين.

وتضيف الشامسي أن ارجاع السبب في طريقة البناء المتباعد فقط ليس صحيحاً، لأن الأجداد كانوا أكثر تواصلاً سواء مع الجيران أو مع الأقارب، واهتمام كل واحد منهم بالآخر، ونرى ذلك حينما يغيب أحدهم عن صلاة بالمسجد، فكان الكل يسأل عنه خشية إصابته بمكروه، والآن لو غاب أحدهم لا يسأل عنه، فكل واحد يعـــيش في مملكته وحياته الخاصة وثقافته الخاصة، وهذا يدعو المختصين والهيئات المعنية للعمل على تعزيز الهوية الوطنية والتي تؤكد على التواصل بين الجميع وعلى حقوق الجيران.

ويقول الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء، إن الإسلام يرى أن العلاقة بين الجيران يتعين أن تكون حميمة، قائمة على مبدأ الإكرام والإنعام، والإيثار والإفضال، فقد كان الجيران محل عناية القرآن، توصية بهم وتنويهاً بشأنهم، فقرن حقهم بحق الله تعالى وحق خلقه وذلك بقوله سبحانه (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) [النساء: 36]، فجعل لهم حقاً في الإحسان كما يكون للوالدين والأقارب واليتامى والمساكين، وذلك لأن الجار يسعد بأخيه أو يشقى به.

ولما كانت الخلطة والقرب قد تولد بعضاً من المماحكة وسوء الخلاف، جعل الله تعالى الإحسان محل ذلك؛ لما فيه من نفع للجار ونفع للنفس، فيعيشان سعيدين متناصرين متآزرين، فيكثر جمعهم ويعظم شأنهم.

وقال إن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وضح هذا الحق بقوله: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه »، كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أي ظن أن يكون له نصيب من الميراث كأحد الأقارب، وذلك لعظم امتزاج الجار بجاره، فهو يعرف مدخله ومخرجه وأسراره وأحواله، بل جعل إكرامه من موجبات الإيمان كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي شريخ الخزاعي، ومن حديث أبي هريرة ــ رضي الله تعالى عنهما ــ أنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره »، فإن لم يكن من أهل الإيمان الكُمَّل وعمل بنقيض هذا الإكرام كان ذلك دليلاً على فقد الإيمان منه بقدر ما يسيء أو يؤذي جاره. فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ــ رضي الله تعالى عنه ــ أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : « لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه »، أي شروره ودواهيه التي يخافها ويتقيها، وذلك لأنه يكون في عذاب نفسي دائم منه، كما قال بعض الأدباء وقد باع داره برخص ليكتفي أذية جاره:

يلومونني أن بعت بالرخص منزلي وما علموا جاراً هناك ينغص

فقلت لهم كفوا الملامة إنما بجيرانها تغلو الديار وترخص

بينما لو كان مكرماً لجاره لكان غير مفرط به، وإن اضطرته الحياة لبيع داره لربما طلب ثمن الجار قبل الدار، كما كان من بعض السلف.

تمتين العلاقات

ولزيادة العلاقة بين الجيران يقول الدكتور أحمد الحداد، إنما يكون تمتين هذه العلاقة بأمور هي: الشعور بأن للجار حقاً فرضه الإسلام، فيستشعر المرء عبادة الله تعالى في أداء هذا الحق يرجو ثوابه، ويخشى عقابه إن فرط فيه، والشعور بأن الجار هو أقرب الناس إليه ولا يستغني عنه، فإن أحسن إليه كان له ناصراً ومعيناً ومجيراً، ولعله ينفعه قبل قريبه البعيد، والإنسان مدني بطبعه لا يستغني عن غيره كما لا يستغني عنه غيره، وقد قالت العرب : رب أخٍ لك لم تلده أمك، ولا تكون هذه الأخوة إلا بالإحسان والإيثار، واعتبار أن علاقته بجاره هي سياج منيـــع لحمايته من الشرور، ومصدر مكين للسعادة في الدنيا، حيث سيعيش آمناً مطمئناً لا يخشى الغــوائل والبوائق، وغاية ما يسعى إليه المرء في هذه الحياة هي الطمأنينة.

ثقافة

وعن دور الأسرة والأهل في تقوية هذه العلاقة قال الدكتور الحداد، إنما تنشأ العلاقة الحميمة بين الجيران بتربية الأسرة لصغارها على ذلك، فإن نمَّوا فيهم ثقافة التواصل والتحاب عاشوا سعداء، وإن نموا فيهم ثقافة الكراهية والبغضاء كانت جنايتهم عليهم كبيرة، فإن الآخرين سيبادلونهم بمثل ذلك، وعندئذ سيعيشون جميعاً في شحناء وتخاصم وتدابر لا نهاية له، وسبب ذلك هي التعبئة الخاطئة من الأهل لأولادهم، وذلك ما نهى عنه النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ بقوله « لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام»، كـــما أخرجه البخـــاري ومسلم من حديث أنس ــ رضي الله تعالى عنه ــ .

وأضاف أن على الأسرة رعاية مصلحة الأبناء بغرس قيم التسامح والتحاب بين الجيران والأقارب، فذلك من أسمى مكارم الأخلاق، بل إنه باب كبير لدخول الجنة كما قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : « لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم».

وقال إن هناك فجوة كبيرة في العلاقة بين الجيران، ولها أسباب متعددة منها: الحياة المدنية التي فرقت بين الجيران، وجعلت المتجاورين حتى من كان بابه لباب جاره لا يكادون يتعارفون، لانشغال كل واحد بخاصة نفسه، وإعراضه عن جاره أياً كان قريباً أو بعيداً، وشعور كل جار بخوفه من جاره لما في كثير من الجيران من حب الأذى والتطلع على العورات .

حق الجار

ان الجار مهما كان جنسه أو دينه فإن له حقاً على جاره، وقد قسم العلماء الجيران ثلاثة أقسام: جار له ثلاثة حقوق وهو الجار القريب المسلم، فله حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان وهو الجار المسلم، فله حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد، وهو الجار غير المسلم، فله حق الجوار، فلا بد أن تشيع هذه الثقافة بين الناس حتى يعطوا ذوي الحقوق حقوقهم.