«ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، قد تكون هذه المقولة حال الكثير من الناس، وخير دال على الظروف الصعبة التي يمرون بها في مراحل حياتهم، سواء كانت صحية أو اقتصادية أو اجتماعية وغيرها، ولكن ما يميزهم عن بعضهم البعض هو مساحة النافذة التي يطلون منها على الأمل، وطريقة تعاطيهم مع تلك الظروف، وسرعة تقبلهم لها، والتفكير في الخطوة التالية على طريق التأقلم والرضا بالواقع.

بداية المرض

فاطمة علي خالد، أحد هؤلاء، قست عليها الدنيا في وقت مبكر من عمرها، وتحديداً قبيل الاحتفال بإطفاء شمعة عمرها الأولى، ودهمتها بمرض بدأ بارتفاع درجة حرارة جسمها، وانتهى «سريعاً» بشلل تام في جميع أطرافها، أفقدها القدرة على النطق والحركة، لكنه لم يفقدها حب الحياة، ولم يحرمها لذتها، وكذا الحرارة لم تحرق الأمل في داخلها، بل جعلته أكثر صلابة وتمدداً واتساعاً، حتى تمكنت من تجاوز المراحل الأصعب في حياتها، والوصول إلى مقاعد الجامعة، والتخرج فيها بشهادة إدارة الأعمال، رافعة «كرتاً أحمر» في وجه الفشل والملل، والاستسلام.

فاطمة التي ولدت بحالة طبيعية وصحة جيدة معافاة من العِلل والأمراض، زارها الألم قبل أن تحتفل بذكرى ميلادها الأولى، حيث تعرضت لوعكة صحية حادة نتيجة ارتفاع في درجة حراتها، أدى إلى شلل دماغي حرمها النطق والحركة، وأعطب جهازها العصبي، وحولها إلى كتلة لحمية «صامتة».

«وما زاد الطين بلة» تقول فاطمة، هو ما تعتقد وذووها، أنه «خطأ طبي» ارتكبه أحد الأطباء أثناء العلاج، لا سيما بعدما أخذ «خزعة» أو عينة، من نخاعها الشوكي الذي يتكون من حزمة أعصاب تنقل النبضات من وإلى الدماغ وتوصلها إلى الأعصاب الفرعية، ما تسبب في شللها على ما قال أحد الأطباء الذين تابعوا حالتها بعد نحو شهرين في مصر بلدها الأم، وتمكنت بفضل الله من استعادة قدرتها على النطق فقط.

ولأنها تؤمن أن العقل هو أهم وأغلى ما يملكه الإنسان، ومصنع الإبداع والتميز، بصرف النظر عما إذا كان هذا «الأخير» سليماً معافى، أو مبتلى بالإعاقة، رسمت فاطمة لنفسها «خريطة طريق» بديلة عن طريق الإعاقة، لتصل إلى مرفأ الأسوياء والمتميزين، بطاقتها الإيجابية الداخلية، التي تمدها بالحركة والنشاط، نحو الهدف، معطية ظهرها لحالتها الصحية، وإعاقتها التي لا يقوى على مواجهتها سوى القوي، المتفائل، المحصن بالعزيمة والإرادة، المقبل على الحياة بسلاح الشجاعة والأمل.

فاطمة كغيرها الكثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة، واجهت في بداية مسيرتها التعليمية، عقبات كثيرة ليس أقلها القبول في المدارس الخاصة، التي كانت تضع العصا في الدولاب، من أجل عدم دمجهم مع بقية الطلبة بحجة أن تلك المؤسسات التعليمية غير مؤهلة لاستقبالهم وتعليمهم، لكنها لم تهدأ، ولم يفتر إيمانها بأهمية التعليم، حتى تمكنت بإصرارها من انتزاع موافقة إحدى المدارس التي بقيت فيها حتى نهاية المرحلة الأساسية، قبل أن تنتقل إلى «أخرى» وتتلقى فيها تعليمها الإعدادي والثانوي.

تحديات

لم تكن مهمة التعليم سهلة أمام إعاقة فاطمة التي كانت تتنقل على كرسيها المتحرك الذي حملها طوال عمرها، وحمل طموحاتها وأمنياتها، عابراً معها أسوار الجامعة، بعد نجاحها في الثانوية العامة، وتحقيقها مجموع درجات أهلها لدراسة إدارة الأعمال، في إحدى الجامعات المصرية التي تخرجت فيها، معلنة انتصارها على الإعاقة، والظروف التي أحاطت بها طيلة مشوارها الدراسي.

فاطمة التي حلمت بالدراسة، فدرست، وبالجامعة فتعلمت وتخرجت، تحلم بعد هذه السنوات بوظيفة، تضيف قصة جديدة إلى قصص نجاحاتها، وتكمل عليها سعادتها بما أنجزت، وتكون سبباً في تشجيعها على مواصلة دراساتها العليا، مهتدية بنور طموحها، وإصرارها على قهر الإعاقة، ورغبتها بأن تحجز لنفسها مكاناً بين المتميزين والمنتجين.