لا شك ان الارادة القوية، والعزيمة، والاصرار على مواجهة التحديات، والثقة بالله ثم بالنفس، هي اهم مكونات خلطة النجاح، والتفوق، والتميز، ومن دونها لا تدور عجلة الحياة، ولا تصل بسائقها الى مرفأ الاهداف، واذا غابت هذه المكونات، أو بعض منها، عن تلك الخلطة، كانت النتائج دون المطلوب، والمسيرة شاقة، والاحباط والفشل حليفا للإنسان.

كثيرون ينحنون امام امواج الصعاب، ويديرون ظهورهم لها بدل مواجهتها، والقفز عنها، وربما يعيدون ترتيب اوراقهم من جديد، ويغيرون وجهات تفكيرهم واهدافهم، لكن محمد زين العابدين أسد ليس من هؤلاء، فهو لم يهزم في حربه مع الاعاقة البدنية، لأنه لم يستسلم أصلا، وواصل خطواته بثقة المشتاق للوصول الى الهدف، دون ان يكلف نفسه الالتفات الى ألم الاعاقة، ونظرة المجتمع، كونه فاقدا القدرة على الحركة، والمشي على رجليه نتيجة اصابته بمرض شلل الاطفال النصفي، قبل ان يطفئ شمعة عامه الاول .

أصيب محمد "السوري" بمرض شلل الأطفال قبل ان يكمل عامه الاول، وكانت الاصابة قوية منذ بدايتها، افقدته القدرة على الحركة بشكل كامل، ولأنها كانت في الأطراف السفلى، ادى ذلك الى ضمور في عضلات رجليه، أجبره على استخدام مُساعدات المشي مدى الحياة، بالرغم من انه اجرى ست عمليات جراحية لساقيه، في فترات زمنية متفاوتة، اثناء اقامته في جمهورية مصر العربية التي عاش فيها نحو 25 عاما، بعد سفر والده الى هناك من اجل اكمال دراسته العليا.

تعليمه

التحق محمد اثناء اقامته في مصر، بإحدى المدارس الابتدائية، ونجح في التفوق على اقرانه "الاسوياء"، وحاز محبة زملائه واساتذته الذين لم يُشعروه بوجود أي اختلاف بينه وبينهم، حتى انه كان يلعب معهم كرة القدم وهو يرتدي "جهازين" وعكازتين لمساعدته على الحركة ،ثم التحق بالتعليم الازهري في المرحلتين الاعدادية والثانوية، وتفوق في "الاخيرة" وحاز مجموع 85% اهله للدراسة في كلية الصيدلة في جامعة الازهر، التي اختارها متأثرا بصديقة والدته د. وفاء شوشة- .

تحديات

وعن التحديات التي واجهته اثناء دراسته الجامعية، قال:" التحقت بكلية الصيدلة، وكانت بداية التحديات في الوصول لهذه الجامعة التي اسكن بعيدا عنها، وكنت اضطر لأن أغير حافلة المواصلات مرتين على الاقل، قبل أن اصلها بمدة ساعة ونصف الساعة، ثم اضطر لأن اركب سيارة من باب الجامعة الى كلية الصيدلة ، واستمرت تلك الفترة الشاقة حتى السنة الجامعية الثالثة، حيث حصلت على رخصة قيادة، وتمكنت بعدها من شراء سيارة".

محمد الذي كان يذهب للجامعة في الثامنة والنصف صباحا، ويعود منها عند السادسة مساء، تغلب على عناء التنقل، بفضل الله، ثم بقوة طموحه، واصراره على الدراسة والنجاح، وكذا بمساندة ودعم اسرته، و بعض الاصدقاء الذين يذكر منهم الدكتور محمد سيف الدين عاشور عميد ورئيس قسم الميكروبيولوجي جامعة الأزهر سابقا.

لم تتوقف الصعوبات والتحديات عن ملاحقة محمد اثناء دراسته الجامعية، بل لازمته حتى بعد تخرجه من الجامعة في العام 2001، حيث اضطر هو وأسرته للخروج من مصر، فعاد الى بلده سوريا، قبل ان ينجح في اجتياز الامتحان الخاص بممارسة مهنة الصيدلة، ويعمل في منطقة بعيدة عن اسرته، وسط ظروف قاسية ليس أقسا ها التنقل والحركة، وبقي يعمل في تلك الظروف الى ان جاء الى الإمارات ملتحقا بوالده الذي قدم اليها في بداية الالفية الثانية للعمل بوظيفة امام وخطيب في دائرة الشؤون الاسلامية.

الانتقال للإمارات

وعن هذه النقلة في حياته يقول محمد:" عندما زرت والدي في الامارات قبل نحو عقد من الزمن، تأثرت وأعجبت بهذه الدولة، وبشيوخها، و عاينت بنفسي اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، بالمعاقين، وتوفير كافة احتياجاتهم ومتطلباتهم المعنوية والمادية، فكانت دبي بحق هي مفخرة وحلم لكل معاق يريد أن يعيش عيشة كريمة ، مما حفزني وشجعني لأن تكون رؤيتي مستمدة من رؤية سموه، ولأن انتقل للعيش مع والدي والعمل بتخصصي". محمد الذي يهوى قراءة وحفظ القرآن، ولعب الشطرنج وقراءة الكتب الدينية والروايات الادبية، يطمح لمواصلة نجاحه في العمل، وإكمال دراسته العليا، و حفظ كتاب الله .