علياء محمد راشد الغفلي، مدير عام دائرة الاثار والتراث في امارة ام القيوين، متعلمة مثقفة باحثة في تاريخ التراث، نهلت ثقافتها التراثية من اسرتها وخاصة والدها، الرجل المحب للتراث في دولة الامارات، واستطاع ان يغرس في نفوس اطفاله حب الوطن وتراثه.

ولذلك اتخذت علياء قرارا باستكمال حبها للتراث من خلال الدراسة الجامعية، وتخرجت من كلية التاريخ والاثار بجامعة الامارات في عام 2002، وبعد ذلك التحقت بمتحف ام القيوين الوطني لتصبح مديرة المتحف ومن ثم انتقلت الى دائرة الاثار والتراث، لتكون المسؤولة الاولى عن هذا الجانب المهم في حياة ابناء ام القيوين، متحدثة لبقة وسلسة، بل محبة جدا للتراث، فهي قادمة من المجتمع البدوي، حيث اكدت انه مازال محافظا على عاداته وتقاليده وتراثه الاصيل، بعكس ابناء الحضر الذين اثرت عليهم بعض العادات والتقاليد الغريبة، بسبب تواجد جاليات مختلفة الاجناس والالوان، ولكن المجتمع الاماراتي، مازال محافظا الى حد كبير على عاداته وتراثه، ومازال الاباء والاجداد يغرسون في نفوسنا حب هذا الوطن والتراث، وبالتالي علينا كجيل جديد الا نفرط فيه، بل نقوم بنفس الدور الذي قام به الاباء والاجداد بأن نغرس حب وعشق الوطن والتراث في عقول ابنائنا.
الاسرة التراثية

وحول كيفية اختيارها هذا الدرب وهو دراسة التاريخ والتراث والاثار، قالت: أسرتي لها دور كبير في اهتمامي بهذا الجانب، وخاصة الوالد والاشقاء الذين هم جميعا يرون في التراث الاصالة والتاريخ، بل ان شقيقتي اختارت تخصصي ايضا وهو دراسة التاريخ والاثار، وشقيقي الاخر يهوى جمع اطالس العالم، ولديه مجموعة كبيرة منها، اذن مفهوم التراث ومعرفة العادات والتقاليد والحياة التي كان يعيشها القدامى، هي في الاصل عناوين كبيرة لنفهم كيف كانت الحياة قديما، وكيف بنى الاجداد هذا التاريخ الذي نعيشه اليوم في حياتنا، ومن الواجب ان نقوم نحن باستكمال دورهم ، المتمثل في تعليم ابنائنا تراث الاباء والاجداد.
وكيف يحافظون على هذا التراث العريق والاصيل، وكما قال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمة الله عليه، (لابد من الحفاظ على تراثنا لأنه الأصل والجذور، وعلينا أن نتمسك بأصولنا وجذورنا العميقة)، و أعتقد انه من مهمة كل اسرة في الدولة، ان تربي ابناءها على حب التراث، والجميل في ام القيوين، ان الشباب والجيل الجديد، لم يهملوا حرف ومهن ابائهم واجدادهم، بل اصبحوا يتوارثوها جيلا بعد جيل، وهذا ما نفخر ونعتز به.
البدو والحضر
وتقول علياء الغفلي، عن حياة البدو والحضر: الباحث في حياة المجتمع في امارة ام القيوين، يجد ان لا اختلاف بين البدوي والحضري، فكلاهما يتعايشان معا، ولكن لكل منهما عاداته وتقاليده، وهذا حاصل في المجتمع الاماراتي، فالبيئة تلعب دورا كبيرا في تغير العادات والتقاليد، ولكن الشيء الذي اجزم به، وهو ان لهجة ابناء امارة ام القيوين باتت معروفة لدى الجميع، ويستطيع ابناء الامارات الاخرى ان يميزوا المتحدث من أي امارة بلهجته.
تقاليد بادت
الباحثة في تاريخ التراث علياء الغفلي تواصل حديثها عن التراث وتقول: من العادات والتقاليد القدية والتي كان مجتمع ابناء الامارة يتعاملون بها، هي عند ذهاب الاباء والازواج الى البحر، وبسبب غيابهم لفترات طويلة، ولشدة الحر، كانوا يوصون بعضا من رجال البدو بنقل اسرهم من النساء والاطفال الى منطقتي الباطنة ومحظى في سلطنة عمان، حيث يوجد النخل والثمر والماء، ويظلون هناك لفترة طويلة حتى عودة ابائهم وازواجهم، ومن يقوم بنقل النساء والاطفال يكون بمقابل متواضع، ومثل هذه التقاليد بادت وتلاشت.
واصبحت الحياة اليوم اكثر سهولة، ولم يعد الاباء والازواج بحاجة الى ترك اسرهم، ولكن في المجمل ابناء الامارة ما زالوا محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وبالموروث الشعبي، بسبب عدم احتكاكهم بجنسيات اخرى، مثل ما هو حاصل في بعض الامارات.
لهجة مميزة
يتميز سكان ام القيوين بلهجتهم التي فيها عبارات يتفرد بها، والمعنى هنا تطويل الكلمة وتكرار الحرف، مثل كلمة امي وابي تطلق بهذا النحو (امييه) وتعني امي، و(وعمتييه) وتطلق على العمة، هذا بالنسبة للحضر، لكن النطق عند البدوي يختلف، حيث يطلق على الام (امايا) وعلى الاب (ابويه)، كذلك من المفردات التي تعرف في الامارة، كلمة (صوغة) بمعنى هدية السفر وتقال للقادم من خارج الامارة، بينما تطلق عند الاخرين على الذهب، وكذلك كلمة (شفايا) وهى اعطاء الحلوى للأطفال، وهناك عدة مفردات يتميز بها ابناء امارة ام القيوين.
سور أم القيوين يروي حكاية من التاريخ

يعود تاريخ بناء سور أم القيوين إلى عام 1820م في عهد الشيخ عبدالله بن راشد الأول، ويقع بين الخليج العربي شمالاً حتى الخور جنوباً، مغلقاً بذلك ممر اليابسة الوحيد في الإمارة، ويتكون السور من ثلاثة أبراج، البرج الأول هو برج الخور الذي يقع على خور البيضاء، ويشكّل أحد أهم أبراجه، وذلك لقربه من بوابة المدينة، والبرج الثاني برج معصوم، ويقع في وسط السور، والبرج الثالث برج البحر، ويقع على الخليج العربي مباشرة، ويطلق المواطنون على أبراج السور أبراج «اللزيمة»، وذلك نسبة إلى فريج اللزيمة الواقع قرب السور، وطول السور 288.5 متراً، وارتفاعه 2.95 متر، وبوابته مصنوعة من الخشب، كانت تفتح في الصباح، وتغلق في المغرب.
وقد أعادت دائرة الآثار والتراث في أم القيوين ترميمه وافتتاحه عام 2006م، ولا يزال قسماً أصيلاً مهماً باقياً على حاله، وهو القسم الذي يشاهد بين برج الليواره وبرج معصوم، حيث يتوسطه باب أم القيوين بدعامتين كبيرتين، وبجدار بمزاغل عمودية وأفقية، كذلك وجود المطبة أو الدكة على البوابة، وكانت تستخدم لجلوس الحرس والداخلين إلى المدينة فيها، وبنيت الأبراج وجدار المبنى من الحجارة البحرية المشيدة بسمك 50 سم تقريباً، ويتخلل هذا الجدار مزاغل عمودية وأفقية، وذلك لاستعمالها مرامي للبنادق في حالة أي اعتداء يقع على المدينة، وصممت هذه المزاغل بشكل هندسي ومقاييس منتظمة، أما البوابة فهي ذات دعامات كبيرة مصنوعة من خشب التيك القوي، وذات مساند حديدية، لتكون قوية ومنيعة أمام أي اعتداء.
وتقع البوابة الرئيسة بالقرب من برج الليوارة، وعرضه 3.15م، وهو يقع على خور البيضاء مباشرة في الجهة الجنوبية الشرقية عند مدخل المدينة المؤدي إلى حصن آل علي «متحف أم القيوين» مباشرة، وهو برج مخروطي الشكل ذو ثلاث شرفات مغطاة بالدعون وخشب الجندل، وهناك مزاغل عمودية وأفقية تتكون في الشرفة العليا للبرج، كما أن قاعدة البرج أوسع من رأسه بطول 7.32م، أما البرج الثاني فهو البرج الوسطاني، إذ يشكّل أكبر الأبراج ارتفاعاً، فهو يمثل 11.75م تقريباً، أما البرج الثالث فهو البرج الشمالي، أو ما يسمى ببرج منصور، وطول ارتفاعه يبلغ 10.56م، و جاءت الأبراج في السور لشد جدار السور.
متحف أم القيوين وعاء التاريخ والتراث

بائع البهارات
يقع الحصن في قلب المدينة القديمة لأم القيوين، وله مكانة خاصة في ذاكرة أهله، فقد أرسى قواعد أسسه، الشيخ راشد بن ماجد المعلا، عندما انتقل من جزيرة السينية إلى أم القيوين، فقرر بناء الحصن ليكون مركزاً للحكم، ومسكناً للعائلة الحاكمة، وذلك عام 1768م وحتى عام 1969م عندما انتقل منه، المغفور له، بإذن الله، الشيخ أحمد بن راشد المعلا إلى مسكن آخر، وقد شهد هذا المكان احتفالات رسمية ودينية خاصة بالإمارة، ومن هذا المنطلق قرر الشيخ راشد بن أحمد المعلا، رحمه الله، ترميم وصيانة الحصن وتحويله إلى متحف وطني، يضم تاريخ وتراث إمارة أم القيوين، وإضافته إلى الخريطة السياحية والأثرية، ويجذب الحصن العديد من الزائرين على مر السنين من الشيوخ والأمراء والرؤساء.
حيث تحتفظ ذاكرته بالعديد من الزيارات المهمة لشخصيات عربية، وعالمية كان لها الأثر الأكبر في نفوس أهالي أم القيوين حكومة وشعباً، ويوجد فيه جناح خاص بالهدايا التذكارية التي قدمت بهذه المناسبات للحاكم، إضافة إلى شجرة العائلة الحاكمة المصنوعة من السيراميك المزجج بالذهب، ويوجد في المتحف أقسام عدة أهمها، غرفة البحر، ما له من دور حيوي في حياة سكان هذه الإمارة، حيث تحيطها مياه الخليج العربي من جميع الجهات تقريباً، وكان له الأثر الأكبر في حياة السكان الاجتماعية.

غرفة الحاكم
الغوص واللؤلؤ
كان للؤلؤ مغاصات مهمة اشتهر فيها سكان أم القيوين، وكذلك صيد السمك، حيث مارس سكانها التجارة عبر مياه الخليج العربي، منذ أقدم العصور، وقد شملت معروضات المتحف ،على مجموعة من نماذج السفن الخاصة بالغوص والتجارة التي كانت تستخدم في أم القيوين ، وشباك الصيد، وكذلك على المجموعة الكاملة لأدوات الغوص عن اللؤلؤ منها البوصلة، الفطام، الميزان، ومناخل غربلة اللؤلؤ، وأيضاً شجرة الشيفة، التي كانت تنمو في قاع البحر للاستدلال على أماكن وجود اللؤلؤ، وغرفة الشيخ الحاكم، التي تتميز بروح الأصالة.
وتشمل كل العادات والتقاليد العربية، والغرفة تشغل مكاناً متميزاً وكبيراً في الطابق العلوي للحصن، وتطل على الفناء الداخلي ويوجد فيها (شبرية) سرير من خشب الساج، والمندوس المستخدم لحفظ الملابس، إضافة إلى خزنة النقود والبشتختة، وغرفة خاصة بالوثائق وفيها أول جواز وأول رخصة قيادة وأول رخصة تجارية صدرت في الإمارة، إلى جانب وثائق مهمة تخص حكام الإمارة.
أدوات الزينة
كذلك يوجد قسم خاص بالحرف الشعبية، وتعرض في هذه الغرفة أدوات الحلاقة والخياطة ومجموعة من أدوات الزينة والحلي الفضية، التي كانت تتزين بها المرأة منها الأقراط والقلائد والخلاخيل والأساور والخواتم متعددة الأشكال، وكذلك لباس المرأة التقليدي كالثوب والبرقع، والشيلة، والسروال، كما يحتوي المتحف على الغرفة العسكرية، التي تضم مجموعة من لوحات أرقام السيارات القديمة، ورخص القيادة والزي العسكري القديم، والدرع الإسلامي ومجموعة من الصور القديمة.
وكذلك قسم يحتوي على أنواع الأسلحة التي استخدمت في الصيد والحروب، وهناك أنواع من البنادق والسيوف التي توارثها آل المعلا أباً عن جد، وكذلك أنواع من المسدسات ومحزم للطلقات، ومن الأقسام التي اهتمت بتقاليد السكن قديماً قسم العريش، وهو مبنى مكون من الدعون «سعف النخيل» ويسمى «البراستي» كان يبنيه السكان قديماً، وبعضها يحتوي على بارجيل، يدخل الهواء إلى داخل العريش، بالإضافة إلى أقسام أخرى تحكي قصة المجتمع القيواني.
