تتملك المرء مشاعر وأحاسيس عدة عندما يدخل سوق خورفكان القديم، إذ يشعر بأنه في صرح من الماضي العريق، فيرى الفن المعماري القديم في ممراتها وجدرانها ودكاكينها، ومنها يتمكن من قراءة تاريخ هذه المنطقة بماضيها المميز وإن اعترته بعض الحداثة، والذي يعبر عن القيم الجميلة لحياة البساطة، والجمال، وحاضرها المتجه دوماً نحو النهضة الحضارية التي تهم في السير إلى الأمام في وقتنا الحالي، وخصوصاً وإن السوق القديم يدخل ضمن مشاريع التنمية السياحية لمشروع «شروق للاستثمار» للمواقع الأثرية في إمارة الشارقة.
ومن تلك الزوايا يستمر مبنى مطعم «كاليكوت» في موقعه الذي يقع على شارع السوق القديم المتفرع من شارع البردي صامداً يصارع الزمن وتقلباته، كما يعيش مالكه صديق قادر، أمام واجهته متباهياً بأنه أول وأقدم فندق معروف في المدينة، حيث يبقى اسمه المحفور في أحد جدرانه دليلاً واضحاً على ذلك.

روايات مختلفة
ووفقاً للروايات التي اختلفت أقاويلها، فإن ملكية مبنى فندق أو نزل «كاليكوت» الذي يعود تأسيسه إلى ستينات القرن الماضي يعود إلى العامل في أحد منازل المواطنين بخورفكان محي الدين كجومولانا، من مدينة كاليكوت أو «كوزيكود» التابعة لولاية كيرالا في جنوب الهند، والذي شيده في البداية كأول مطعم يبيع المأكولات الهندية، واختاره ليكون ملاذاً للقادمين من الجاليات المختلفة على المدينة وفق حركة التجارة التي كانت تشهدها آنذاك.
وحسب قول صديق، مالك المطعم الحالي: في مطلع الستينات، إن لم يكن قبل ذلك التاريخ، ومع ازدهار التجارة في خورفكان، لم يكن يوجد على أرضها في ذلك الزمن أي نوع من الفنادق أو الخدمات الفندقية، ما اضطر العابرين إلى أن يناموا في العراء أو قريباً من الميناء الذي كان يزدحم بالمسافرين والعاملين أو الباحثين عن موطئ للعمل. كما علمت أنه استمر هذا الفندق أو (النزل) كما كانوا يسمونه حتى ما بعد منتصف الثمانينات. لافتاً إلى أن الفندق وقتها ملأ فراغاً كبيراً في زمانه.
وأضاف: كان المبنى الذي يقع تقريباً قرب مبنى بلدية خورفكان القديم، وبالتحديد وسط ساحة السوق القديم. في البداية شيد على أساس أنه مطعم، وبقي على هذه الحال فترة من الزمن ليتخذ المؤسس من الطابق الثاني غرفاً للمبيت. فهيئة المبنى عموماً والمبني من الحجر يتألف من طابقين الأول أو الأرضي عبارة عن مطعم، بينما الطابق الثاني مؤلف من 7 غرف أو أكثر من مختلف الأحجام، وتم إضافة غرف أخرى إلى جانب المبنى الأصلي من «الشينكو».
وكانت جميع الأبواب من خشب الساج الأصلي (تيك)، وبعد إجراء بعض الإضافات والتعديلات الضرورية عليه حول هذا المكان إلى فندق أكثر تطوراً من السابق. وقد التحق بهذا الفندق الجديد آنذاك عدد من الشباب كإداريين ومشرفين منهم هو، واستمر في تطور مستمر حتى أصبح مزاراً لضيوف وزوار خورفكان. وكان أغلب زبائنه من بحارة السفن أو المسافرين العابرين إلى بلدان أخرى أو من الجالية الهندية التي انتقلت للعمل في بلدان الخليج. كان بعضهم يسكن مدة ليلة أو ليلتين للنوم فقط، فبقيت أبوابه مشرعة لمن يرغب السكن فيه.
مشيراً إلى أن صاحبه «ملباري» من كاليكوت، تركه واتجه إلى مشروع آخر يقال في إمارة دبي، واستمر المبنى صامداً، واستأجره منه أو اشتراه محي الدين كجومولانا، حتى انتقلت ملكيته له بصفة رسمية في عام 1977. واستمر هذا الفندق يزاول عمله حتى انتقل إلى مشروع المطعم، عندما اشتراه منه هو في عام 1989 بمبلغ يصل إلى 150 ألف درهم، حيث حول الطابق الثاني لسكن العاملين لديه.
أسعار
وكانت أسعار المبيت لليلة واحدة مع وجبات الطعام بأجر قدره يتراوح ما بين 10 إلى عشرين درهماً، مشيراً إلى أنه لم يكن الكل قادرين على دفعها في ذلك الوقت فيأخذ منهم مبلغاً بسيطاً، ومن يستطع دفعها هم الميسورون، مبيناً أن دفع الأجرة في كثير من الأحيان كان بالدين والسداد على الموسم، بينما الضعفاء منهم يسكنون مجاناً، وهذا يعتمد على المعرفة والصداقة مع الزبائن.

ولم تغفل ذاكرته حتى عن «قهوة القاضي» والمحال التجارية التي كانت متراصة ومتقاربة من بعضها البعض في إطار حميمي ينعش الحياة البسيطة وقتها، مستذكراً أيضاً أول دار للسينما.
وأكد أن قائمة المأكولات الهندية التي تقدم في المطعم لم تتغير وإن تغيرت النكهات في بعض أطعمتها تناسباً مع تغيرات العصر وأذواق الناس، وأصبح «الكرك» موجوداً بقوة والأشهر في توافد مرتاديه، كما أن الأسعار كانت لا تتجاوز 5 دراهم في جميع الوجبات المقدمة. مؤكداً أن شهرته تعود إلى الفندق الذي حمل ذكريات العديد ممن مروا عليه سواء من الهنود أو العمال من الجاليات الخليجية والعربية والآسيوية وأيضاً الأجانب وأهالي هذه المنطقة بشكل خاص، لافتاً إلى أن من بينهم الرئيس السوداني الحالي عمر البشير. وكذلك بفضل ما يقدمه المحسنين من خير للفقراء من الجاليات الآسيوية، عبر تقديم وجبات مجانية وخاصة تعد لهم كل يوم جمعة من مخصصات هذه التبرعات، وكل ذلك يعود إلى سمعة المكان القديمة والجديدة أيضاً.
التحويل إلى فندق

بالرغم من أن خدمات المطعم كانت بسيطة جداً، إلا أن نشاطه استمر بضعة أعوام يستقبل العديد من الزبائن، والذين ازدادت أعدادهم كثيراً والسبب أنه الوحيد الموجود على أرض خورفكان بهذا المستوى آنذاك، وتمر الأيام والأشهر وتحل السنوات الأولى من السبعينات، ويحوله إلى فندق راق وبشكل رسمي أطلق عليه «فندق كاليكوت»، ليعتبر من أقدم الفنادق العاملة في شمالي غربي خورفكان منذ السبعينات من القرن الماضي، في حين حمل رخصة رسمية له كفندق في عام 1977 أي بعد إنشاء البلدية في عام 1973.
المبنى يحتفظ بطراز معماره القديم
ما زال مبنى مطعم «كاليكوت» يحتفظ بنمطه المعماري القديم وأثاثه التراثي الذي يفضل زباؤنه من القادمين سواء من داخل أو خارج خورفكان، الجلوس فيه. وفي هذا المكان الذي يحتفظ بأصالته القديمة يجلس صديق (65 عاماً) وهو مسلم هندي، وأحد الأبناء المخلصين لهذا المكان، الذي أشار إلى أن موقع المطعم وسط السوق ونمط البناء القديم على الطراز المفتوح ما زال يجذب الزبائن. وقال إن سياحاً أجانب وعرباً يفضلون زيارة الأماكن القديمة لقربها من نبض الحياة الشعبية.
