حينما يكون المسمى متحفاً، يشعر البعض بجمود نسبي حيال ماديات معلقة على جدران الماضي، قد لا تترك في النفس أثراً كما ينبغي، وحين يقترن هذا المسمى بحضور يومي لمراهقين في عصر الـ«غلاكسي» والـ«آي فون»، وقد أصبحوا الروح الفعلية الناهضة بجسد أدوات الماضي عن جدارة واستحقاق، هنا يجب التوقف والنظر إلى المسمى والفكرة والأداء، لأن في التجربة ثراءً ملموساً.
مركز دبي للتنمية التراثية في نموذجية عمر بن الخطاب، هو واحد من 6 مراكز ترعاها هيئة دبي للثقافة والفنون، وتصر على تفعيلها وحضورها لدى الناشئة في زمن السرعة والانفتاح على عالم لا تتوقف مستجداته، لذا يقف أبو بكر البحري معلّم التاريخ في المدرسة، مشرفاً ومحفزاً ومسايراً لفعل الطلاب في المركز الذي يتوسط قاعات الفصول في المدرسة، على أمل أن يظل التراث من نصيب الأجيال المتعاقبة.
في هذا المركز مئات الأدوات المتصلة بماضي البحر والغوص وتجارة اللؤلؤ وصيد الأسماك، وفيه أيضاً مهن وحرف قديمة مثل فلق المحار وصناعة الحبال وإعداد المالح وأكثر بكثير، فهو ليس مجرد ديكور مدرسي، كما يجزم البحري.
هذا المتحف أو الفصل الدراسي الأساسي في مدرسة نموذجية بمعنى الكلمة، لم يأتِ من فراغ، فهو يقع وسط منطقة هور العنز بحرية الهوى، ويخاطب عقول صغار منتمين إلى ثقافة البحر وراثياً، ويوفر شتى الإمكانيات التراثية والفنية والتربوية التي تؤهل الأبناء لمسايرة ركب الآباء والأجداد في إعلاء قيمة العمل والإنجاز والاعتماد على الذات، بما يصنع مجتمعياً، طالباً متوازناً ومنتمياً ومتطلعاً ومنجزاً إلى أبعد مدى.
فيه أيضاً؛ جلسة تراثية بامتياز، تستقطب الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور براحة وثقة كبيرة، وورش عمل دورية تؤهل الصغار للإبحار في أصول البحر أباً عن جد. كما ويوفر المركز فرقة للفنون الشعبية متفوقة في الأداء والالتزام تضم نخبة من طلاب الحاضر المنتمين إلى ماضي الفخر والبناء، يؤدون في المدرسة والمجتمع فقرات فنية تراثية منضبطة بروح رجل واحد.
مشرف المركز أبو بكر البحري، اهتم بتوزيع عشرات الطلاب من الصف السادس وحتى الثاني عشر، المنتمين إلى ماضي الآباء والأجداد، ضمن فرق مختلفة، تمارس هوايات محددة، من أجل الإتقان والاحترافية في الأداء، من هذه الفرق: فريق قرية الغوص، وفريق الضيافة التقليدية، وفريق الفرقة الشعبية، وفريق المهن القديمة، وفريق صناعة الأدوات البحرية، إضافة إلى ورش الجبس والحفر على الخشب، مع منح الجميع أريحية وثقة للتنقل بين الفرق المختلفة، بما يحقق الفائدة على نطاق أوسع.
في ذات المكان، تُغريك صورٌ كثيرة لشباب يشاركون المعلمين والآباء في الانتماء إلى هيبة المركز، بخيمته التراثية وأدواته البحرية ومهنه اليدوية وطقوسه الفنية الهادفة. «الكندورة والغترة والعصامة» قاسم مشترك، والقهوة والدلة والجمر أساسيات الجلسة، والمعرفة الحاضر الأقوى. تجد الصغار منهمكين في انتباههم من منطلق الولاء إلى ماضٍ عريق، والكبار لا يبخلون بكل ما يعرفون عن البحر وغيره، ورائحة الماضي تعانق أنوف الجميع.
البحري ابن البحر وأستاذ التاريخ، يصر بدوره على أن يظل المركز؛ مركز إشعاع بمعنى الكلمة، فيه دروس شبه يومية، وورش عمل تراثية، وعرض أفلام وبرامج وثائقية، والتعرف على أدوات كثيرة، بل صناعتها بأنامل أجيال لم يكن لها نصيب من «تعب البحر» الممتع، مؤكداً أن كثيراً من المعلمين في المدرسة يلجأون إلى المركز لأداء حصص في مختلف التخصصات، لما يوفره المكان من بيئة جاذبة ومحببة لدى الطلاب، وهو ما يؤكد فعلاً ليس قولاً، أنه باب يفتح بمصراعيه على شرفة الماضي، ولا أحد لا يودُّ ولوجه، حيث المتعة تُعتّق الأجواء من أنفاس الماضي.
صناعة المالح
يؤدي طلاب نموذجية عمر بن الخطاب، مختلف الممارسات التراثية البحرية بثقة وإتقان، وقد تدرب الجميع على مهارات شتى، من بينها صناعة الحبال من النخيل، وصناعة شباك الصيد وأدوات «الطواش» وفلق المحار، وسواها من مسميات الرعيل الأول البحرية. وبدا لافتاً حرص الأبناء على صناعة «المالح» من الألف إلى الياء، علاوة على إصرار الجميع على زيارة المتحف ومرافقه المختلفة، والبقاء في ظلاله لأطول فترة ممكنة؛ أثناء الحصص الدراسية أو في الفسحة، ناهيك عن المشاركة في ورش العمل والمناسبات الوطنية والتراثية. تلك الملامح كفيلة بأن تترك الثقة في نفوس الصغار، وترسم الأمل على وجوه مستبشرة بمستقبل إماراتي أكثر إشراقاً.
